اقتصادالخميس، ٩ أبريل ٢٠٢٦ جريدة الجمهورية
قانون الأحوال الشخصية الجديد.. توازن أسري وعدالة أكثر إنصافًا
لم يعد قانون الأحوال الشخصية مجرد نصوص تنظم العلاقة بين الزوجين، بل أصبح أحد أكثر الملفات حساسية وتأثيرًا في استقرار المجتمع. ومن هنا، يأتي مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد لعام 2025 كمحاولة جادة لإعادة ضبط ميزان العلاقة داخل الأسرة المصرية، بعد سنوات طويلة من الجدل حول ثغرات القوانين القائمة. الح...
#مقالات

2 مشاهدة
اقرأ من المصدر
جريدة الجمهورية
لم يعد قانون الأحوال الشخصية مجرد نصوص تنظم العلاقة بين الزوجين، بل أصبح أحد أكثر الملفات حساسية وتأثيرًا في استقرار المجتمع. ومن هنا، يأتي مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد لعام 2025 كمحاولة جادة لإعادة ضبط ميزان العلاقة داخل الأسرة المصرية، بعد سنوات طويلة من الجدل حول ثغرات القوانين القائمة.
الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن المنظومة الحالية، رغم ما قدمته من حماية، أفرزت في بعض الأحيان اختلالاً في التوازن، خاصة في ملفات الحضانة والرؤية والحقوق المالية، وهو ما انعكس سلبًا على الطفل في المقام الأول، ثم على طرفي العلاقة الأسرية.
أحد أبرز ملامح المشروع الجديد يتمثل في إعادة ترتيب أولويات الحضانة، بحيث يأتي الأب مباشرة بعد الأم، بعد أن كان في ترتيب متأخر يمتد إلى أكثر من 15 درجة. هذا التعديل لا يمكن قراءته باعتباره انتصارًا لطرف على حساب آخر، بل هو محاولة لإعادة الأب إلى موقعه الطبيعي في حياة أبنائه، بما يحقق قدرًا أكبر من التوازن النفسي والتربوي للطفل.
وفي السياق ذاته، يمثل الانتقال من نظام "الرؤية" إلى "الاستضافة" تحولًا نوعيًا في فلسفة التعامل مع الطفل بعد الانفصال. فالعلاقة بين الأبناء والطرف غير الحاضن لا يمكن اختزالها في ساعات محدودة داخل أماكن مغلقة، بل تحتاج إلى مساحة زمنية وإنسانية تسمح ببناء علاقة حقيقية، وهو ما يسعى المشروع إلى تحقيقه.
أما في ملف الطلاق الشفهي، فيبدو أن المشرّع قد حسم جدلاً طويلاً، متجهًا نحو عدم الاعتداد بالطلاق إلا إذا تم توثيقه رسميًا خلال مدة محددة. هذا التوجه، رغم ما قد يثيره من نقاش فقهي، يعكس إدراكًا لحجم الفوضى العملية التي نتجت عن الطلاق غير الموثق، خاصة فيما يتعلق بإثبات الحقوق والنسب.
كذلك، فإن منح الأم دورًا مباشرًا في الولاية التعليمية والمالية بعد الأب يعكس تطورًا مهمًا في الرؤية التشريعية، ويعالج مشكلات واقعية كانت تواجه آلاف الأسر، خصوصًا فيما يتعلق بإجراءات التعليم وإدارة شؤون الأبناء.
ومن النقاط اللافتة أيضًا، محاولة تقليل الطابع الجنائي في النزاعات الأسرية، خاصة ما يتعلق بقائمة المنقولات، وتحويلها إلى إطار أكثر تنظيمًا واتزانًا، بما يحد من استخدام القانون كأداة ضغط بين طرفي العلاقة.
ولا يمكن إغفال النص الخاص بإلزام الزوج بإخطار زوجته الأولى في حال الزواج الثاني، وهو إجراء يستهدف الحد من الغش والتدليس، ومنح الزوجة فرصة لاتخاذ قرارها على بينة.
كما يمثل استحداث "صندوق دعم الأسرة" خطوة عملية مهمة، إذا ما تم تفعيله بكفاءة، في ضمان وصول النفقات وتنفيذ الأحكام، وهي إحدى أكثر الإشكالات تعقيدًا في الواقع العملي.
لكن، وبعيدًا عن الإيجابيات، فإن نجاح هذا القانون لن يتوقف على جودة النصوص فحسب، بل على كفاءة التطبيق. فكم من قوانين جيدة الصياغة تعثرت عند التنفيذ، وكم من نصوص طموحة اصطدمت بواقع إداري أو مجتمعي غير مهيأ.
التحدي الحقيقي هنا هو تحقيق معادلة دقيقة: احترام المرجعية الشرعية من جهة، ومواكبة التحولات الاجتماعية من جهة أخرى، دون الانحياز الكامل لأي طرف على حساب الآخر.
في النهاية، يمكن القول إن مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد يفتح بابًا واسعًا لإعادة التفكير في شكل العلاقة داخل الأسرة المصرية، قد لا يكون القانون مثاليًا، وقد يظل محل جدل، لكن المؤكد أنه خطوة في اتجاه كان لا بد من طرقه.
والسؤال الذي سيظل مطروحًا: هل ينجح التطبيق في ترجمة هذه الفلسفة إلى واقع يحقق العدالة فعلاً، أم يبقى القانون حبيس النصوص؟