إذا كانت صيغة النجاح اختلفت مع أواخر السبعينيات من القرن الماضي، مرورا بالثمانينيات، مع ظهور جيل الأغنية الشبابية واختفاء الأغنيات الطويلة والقصائد لصالح الأغنيات التي اعتمدت على تبسيط الجملة اللحنية مع الإيقاعات السريعة.
ومع تغير الخريطة الموسيقية، فإن المفارقة أن مسيرة المطرب العراقي كاظم الساهر جاءت لتحقق معادلة مختلفة بعيدا عن معطيات عصره. فنجح في أن يؤكد أن الشعر والقصائد لا يمكن اعتبارها نخبوية، لكنها قادرة على الوصول إلى الجمهور، فجاءت النصوص التي اختارها لشعراء مخضرمين جزءا من تجربة استثنائية.
قصص مقترحة
القصيدة في مواجهة الأغاني السريعة
المطرب الملقب بالقيصر الذي يحتفل في الثاني عشر من سبتمبر/أيلول الجاري بميلاده الـ69، والذي بدأ شغفه بالفن صغيرا قبل أن يلتحق بأكاديمية الموسيقى ليصقل موهبته بالعلم، شق طريقه بعيدا عن الاتجاه السائد، وتمسك بالأغنية الطويلة والقصيدة الفصحى، وهو ما أرجعه في لقاء قديم مع تلفزيون الكويت إلى تأثره بالموسيقى الكلاسيكية والأغنيات القديمة، خاصة أعمال محمد عبد الوهاب ومدرسة الزمن الجميل. ومن عباءة هذه الذائقة خرجت تجربته بصيغة عصرية، لكنها حافظت في الوقت نفسه على روح الأصالة.
وبعد سنوات من بداياته، بدأ نجاحه الجماهيري الكبير يترسخ مع "عبرت الشط" التي قدمها عام 1989 من ألبوم "غزال"، لتفتح أمامه طريقا أوسع نحو الجمهور العربي، ثم واصل تقديم أغنيات وقصائد طويلة في وقت أصبحت فيه الأغنية الأقصر والأسرع هي الأقرب إلى منطق السوق.
"سر الخلطة".. لماذا لا تبدو قصيدة كاظم ثقيلة على الجمهور؟
خصوصية مسيرة كاظم الساهر ليست فقط في غناء القصائد الفصحى، وإنما في قدرته على تحويل هذه القصائد إلى أغنيات تصل إلى المستمع وتظل عالقة في ذاكرته. وهنا تظهر خصوصيته كملحن؛ فهو لا يتعامل مع النصوص الشعرية على اعتبارها كلمات جاهزة للغناء، وإنما يبحث داخلها عن الحالة الشعورية، ويمنح كل حالة ما يناسبها من لحن وإيقاع وحركة. فيعيد صياغتها موسيقيا، واستطاع أن يجعل الفصحى أكثر حيوية وقربا من المستمع.
لهذا تبدو أغنياته "زيديني عشقا" و"مدرسة الحب" و"هل عندك شك" وغيرها من القصائد التي غناها، مختلفة عن مجرد وضع ألحانه على نص شعري. فهو يبني اللحن مع تطور القصيدة، مستخدما المقدمات الموسيقية والانتقالات بين الجمل والتغير في الإيقاع والمقام، بينما تترك الآلات مساحة للكلمات.
وهو ما يظهر أيضا في "مدرسة الحب"، فالمقدمة الموسيقية تهيئ للأغنية، ثم يتغير اللحن مع انتقال القصيدة من فكرة إلى أخرى ومن حالة شعورية إلى أخرى.
تطور درامي آخر للحن في "أنا وليلى"، التي تقدم مثالا أوضح على تطور اللحن والانتقالات من مقام الكرد إلى الصبا، في تماهٍ جيد بين مضمون القصيدة والتعبير الموسيقي عنها.
ومن هنا يمكن فهم دور كاظم كملحن في نجاح تجربته مع نزار قباني. فأغنيات مثل "زيديني عشقا" و"مدرسة الحب" و"هل عندك شك" و"الرسم بالكلمات" وصلت إلى الجمهور باعتبارها أعمالا موسيقية كاملة، وليست مجرد قصائد طويلة مغناة. فاللحن هنا شريك في التعبير عن النص، سواء في الهدوء والتأمل والتصاعد مع ذروة الحالة الشعورية.
وفي مرحلة لاحقة، أصبحت حرفية كاظم في التلحين أكثر وضوحا في أعمال مثل "صباحك سكر" و"إني أحبك" و"أحبيني بلا عقد"، مع اهتمام أكبر بالمادة الموسيقية والتوزيع.
لذلك يمكن اعتبار أن "سر الخلطة" لدى الساهر لا يكمن في محاولة تخفيف النص الشعري، بل في منح النص حركة ودراما من خلال اللحن.
ثنائية كاظم ونزار.. من رفوف المكتبة إلى الجمهور
حين سُئل كاظم الساهر عن أحب القصائد التي لحنها لنزار قباني، قال: "كلها"، مشيرا إلى أن لكل قصيدة طعمها وإحساسها الخاص. وهي إجابة تلخص علاقة طويلة بين المطرب والشاعر، تحولت إلى واحدة من أبرز الثنائيات في الأغنية العربية.
بدأ التعاون بينهما بأغنية "إني خيرتك فاختاري"، ثم توالت الأعمال من "مدرسة الحب" و"زيديني عشقا" إلى "قولي أحبك" و"حافية القدمين" و"الحب المستحيل" و"أحبيني بلا عقد". وخلال هذه السنوات، لم يكتف كاظم بغناء قصائد نزار، وإنما وجد فيها مساحة للتلحين والتجريب.
كان نزار يمنح كاظم مساحة كبيرة في التعامل مع النص، وهو ما جعل القصيدة بالنسبة له تحديا موسيقيا، يبحث من خلاله عن لحن يوازي قوة الكلمات.
ففي "مدرسة الحب" سمح طول القصيدة للموسيقى بأن تتحرك مع تغير المشاعر والأفكار، وفي "زيديني عشقا" قدم نموذجا آخر لقدرة اللحن على جعل النص الفصيح قريبا من الجمهور، من خلال جمل موسيقية واضحة يسهل تذكرها وترديدها.
واعتبر كاظم تقديمه لهذه القصائد تحديا دفعه إلى تطوير أدواته الموسيقية. وفي المقابل، وصف نزار الساهر بأنه "يورثه ملكه" عندما يغني قصائده ببراعة وإحساس، في إشارة إلى نجاحه في إعادة تقديم الشعر من خلال الموسيقى.
وإلى جانب ثنائيته مع كاظم شهدت مسيرة الساهر تعاونات مع شعراء آخرين مثل كريم العراقي وعزيز الرسام وكاظم السعدي وآخرين.
الهوية العراقية: الشجن الذي عبر الحدود
خلال مسيرته الممتدة لعقود ورغم الغربة التي فرضت عليه ليعيش خارج العراق، لم يتخل كاظم الساهر عن هويته العراقية، ظل الشجن العراقي حاضرا في اختياراته وأدائه، وهو ما منحه صوتا مختلفا وسط المشهد الغنائي العربي، وأسهم في اتساع جمهوره.
ظهرت هذه الروح منذ أعماله الأولى مثل "عبرت الشط"، ثم في أغنيات مثل "سنين وياك متغرب".
وتظهر الهوية العراقية بشكل أوضح في أعمال مثل "منو قساك علي"، من خلال استخدام مقام "المخالف" العراقي، ثم في "متى" التي كتب كلماتها كاظم وتنتمي إلى الشعر الزهيري العراقي، وقدمها بمعالجة حديثة معتمدا على مقام الحجاز".
إلى جانب اللغة والمفردات القريبة من الحياة اليومية، والأمثال والحكم التي وجد الجمهور العراقي أنها تعبر عنه، واستطاع المستمع العربي فهم معناها والتفاعل معها. مثل عبارة "الشكوى لغير الله مذلة" في أغنيته "رحال" وغيرها من العبارات التي جعلت أغنياته مرتبطة بذاكرة الجمهور العربي، لتتجاوز عراقيته حدودها المحلية.
جمهور لا يشيخ.. من الكاسيت إلى المنصات
وبعد ما يقرب من خمسة عقود، لا يعتمد نجاح كاظم الساهر على الجمهور القديم فقط، فمع التغير الذي صاحب طريقة الاستماع إلى الأغنيات، انتقل القيصر من عصر الكاسيت إلى المنصات الرقمية.
فعلى صفحته على منصة "سبوتيفاي" نحو 589 ألف مستمع شهريا، وتظهر أعمال قديمة مثل "في مدرسة الحب" و"كتاب الحب" ضمن الأغنيات الرائجة على المنصة، إلى جانب قوائم استماع حديثة تضم أعماله، بينما تتجاوز قاعدة متابعيه على "أنغامي" 6.1 مليون متابع، مع أكثر من 252 مليون تشغيل، و3.1 ملايين على حسابه الرسمي على يوتيوب، مما يشير إلى أن أغانيه لا تزال تصل إلى مستمعين خارج الجيل الذي عاصره في الثمانينيات والتسعينيات وبداية الألفية.
واللافت أن جمهوره على هذه المنصات يتوزع بين أماكن مختلفة، القاهرة والجيزة والرياض وجدة وبغداد، وهي من أبرز المدن التي يأتي منها مستمعوه.
وهو ما يؤكد أن أغنياته استطاعت أن تواصل حضورها وتنتقل من عصر الكاسيت إلى الجمهور الحالي الذي يعتمد على المنصات.
المسرح.. حيث لا قواعد للسوق
وأخيرا على المسرح تظهر قدرة كاظم الساهر على التعامل مع الأغنية الطويلة بشكل مختلف عن منطق السوق الحالي الذي يميل إلى الأغنيات القصيرة والسريعة. القصيدة التي قد تبدو طويلة في الاستماع العادي، تصبح في الحفل جزءا من حالة كاملة، يتفاعل معها الجمهور ويشارك في تفاصيلها.
وفي حفلاته، لا يلتزم كاظم دائما بالنسخة المسجلة من الأغنية، وإنما يترك مساحة للتفاعل مع الجمهور.
هنا لا تختفي قواعد السوق، لكنها تتغير، فبينما تقيس المنصات الأغنية بسرعة وصولها إلى المستمع وقابليتها لإعادة التشغيل، يمنح المسرح الأغنية زمنا مختلفا، يسمح للمقدمة واللحن والتصاعد الموسيقي بأن تأخذ مساحتها، وللجمهور بأن يتحول من مستمع إلى شريك في الأداء.
وهذا ما يمنح القصيدة الطويلة فرصة أخرى للحياة؛ فهي على المسرح لا تُختبر بعدد الثواني الأولى، وإنما بقدرتها على بناء حالة تجمع الفنان والجمهور. لذلك تبدو تجربة كاظم الساهر نموذجا لفنان استطاع أن يحمل الأغنية الطويلة من زمن إلى آخر، من دون أن يجعلها أسيرة لشكل واحد من أشكال الاستماع.
فالقصيدة تمنح الأغنية عمقها، واللحن يمنحها الحركة، بينما يمنحها المسرح مساحة لتستعيد حضورها كاملا، بعيدا عن سرعة الاستهلاك التي تحكم جزءا كبيرا من الاستماع اليوم.
مسيرة كاظم الساهر في الأغنية العربية هي حالة مختلفة، استطاع خلالها أن يحافظ على القصيدة والهوية واللحن الخاص به، وفي الوقت نفسه يصل إلى جمهور يتغير باستمرار.
وبين الكاسيت والمنصات، يظل التساؤل: هل هذه القدرة على إبقاء القصيدة حية يمكن أن تستمر مع أجيال جديدة، أم أن كاظم سيظل حالة يصعب تكرارها؟


