رأى المهندس أحمد منير عزالدين، رئيس اللجنة الصينية بجمعية رجال الأعمال، أن العلاقات المصرية- الصينية تقف أمام مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية، خاصة مع ترقب زيارة الرئيس الصينى شى جين بينج، مصر، رغم الأوضاع الإقليمية المضطربة، معتبرًا أن الزيارة تمثل رسالة دعم سياسية واقتصادية واجتماعية.
وأوضح «عزالدين»، خلال حديثه لـ«الدستور»، أن الصين تعد أكبر مستثمر بمصر خلال عام ٢٠١٥، وأكبر شريك تجارى لها، بحجم تبادل تجارى يصل إلى نحو ٢١.٥ مليار دولار سنويًا، متوقعًا أن تشهد زيارة الرئيس الصينى الإعلان عن مزيد من الاستثمارات والتعاون المشترك فى العديد من المجالات، فى ظل موقع مصر الاستراتيجى على «طريق الحرير»، وما تبديه الشركات الصينية من اهتمام واسع بالعديد من القطاعات الصناعية والزراعية والخدمية فى مصر.
■ بداية.. كيف ترى توقيت الزيارة المقررة للرئيس الصينى شى جين بينج إلى مصر رغم الأوضاع الإقليمية المضطربة؟
- هذه الزيارة كانت متوقعة، لأنها تمنح العلاقات المصرية- الصينية أهمية أكبر، وتضيف مزيدًا من الثقة والمصداقية، وتفتح المجال أمام استشراف مستقبل أكثر تميزًا للتعاون بين البلدين، ولا بد هنا من التذكير أولًا بأن الصين كانت دائمًا داعمة لمواقف مصر وللحقوق العربية فى مختلف المنصات الدولية.
أما على المستوى الاقتصادى، فإن الصين تعد الشريك التجارى الأول لمصر، وفى الوقت نفسه هى أكبر مستثمر فى مصر خلال عام ٢٠٢٥، إلى جانب المشروعات القومية التى تنفذها الشركات الصينية فى مصر، والتعاون المتزايد فى التعليم الفنى ونقل الخبرات والتكنولوجيا.
وهذه المؤشرات توضح مدى التقارب والتعاون بين البلدين، فى ظل الشراكة الاستراتيجية الشاملة التى تم توقيعها فى ديسمبر ٢٠٢٤ بين الرئيس الصينى والرئيس عبدالفتاح السيسى.
وهذه الشراكة الاستراتيجية الشاملة تقوم على عدد من المحاور الرئيسية، فى السياسة والاقتصاد والسياحة، إلى جانب المحاور المجتمعية والفعاليات الثقافية المتبادلة، وتبادل للطلاب والتعاون فى المجالات التعليمية، وغيرها.
■ ما أهم الملفات المقرر مناقشتها بين الجانبين المصرى والصينى خلال الزيارة؟
- هناك العديد من الملفات المهمة، وفى مقدمتها التعاون فى المشروعات الجديدة والمتجددة والطاقة النظيفة، إلى جانب تعزيز الاستثمارات المشتركة ونقل التكنولوجيا والتوسع الصناعى.
كما أن الملفات السياسية والإقليمية ستكون حاضرة بالتأكيد، خاصة أن الظروف الحالية تفرض أهمية كبيرة للتباحث والتعاون من أجل تحقيق الاستقرار والتنمية فى منطقة الشرق الأوسط.
وأعتقد أن ملف البحر الأحمر سيكون من الملفات المهمة؛ لأن استقراره يرتبط بصورة مباشرة بحركة التجارة العالمية، وهناك جزء كبير من الصادرات والواردات الصينية يمر عبره للوصول إلى الأسواق الأوروبية، وبالتالى فإن أى توتر فى المنطقة يفرض ضغوطًا مباشرة على حركة التجارة العالمية، ومن هنا تأتى أهمية وجود استقرار فى البحر الأحمر وباب المندب والمناطق المحيطة بهما، لأن التجارة تمثل شريان حياة للاقتصاد العالمى.
أما عن الملف الاقتصادى، فقبل الحديث عن الاستثمارات الصينية المتوقعة لا بد من الإشارة إلى أن الحكومة المصرية قامت بعمل مهم، من خلال تعديل وثيقة ملكية الدولة التى جرى إعدادها قبل عدة سنوات، ما يتوافق مع متطلبات المستثمرين الأجانب ويساعد فى تحقيق طموحاتهم.
وبالتالى فإن الاستثمارات التى يمكن أن تأتى إلى مصر ستكون أمام نظم أكثر تطورًا للتعاون، سواء مع القطاع الخاص، أو من خلال مشروعات حكومية، أو شراكات مع الشركات الحكومية المصرية.
كما أن مصر تشهد، حاليًا، طرح عدد من الشركات الحكومية للقطاع الخاص، ما يمثل فرصة متميزة أمام الصناديق السيادية والشركات الصينية للدخول والاستثمار فى هذه الشركات، وهناك بالفعل شركات صينية مهتمة بهذا النوع من الفرص الاستثمارية.
ونحن نتطلع، خلال المرحلة المقبلة، إلى زيادة الاستثمارات الصينية فى مصر وزيادة أعداد الشركات الصينية، مع نقل التكنولوجيا وتعميق العلاقات الاقتصادية بين البلدين.
كما نأمل أن تضيف الزيارة أبعادًا جديدة إلى التعاون، من خلال توقيع اتفاقيات إضافية فى مجالات نقل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى، وتدريب الشباب على استخدام التكنولوجيا الحديثة، والتوسع فى مجال التصنيع والاستفادة من الخامات المصرية التى يتم تصدير بعضها فى صورتها الأولية، والعمل على تحويلها إلى منتجات مُصنعة محليًا، من خلال شراكات مع الشركات الصينية.
■ هل من المتوقع الإعلان عن ضخ استثمارات صينية جديدة فى محور قناة السويس والساحل الشمالى الغربى وغيرهما من المناطق الجديدة على هامش الزيارة؟
- الاستثمارات الصينية فى مصر أصبحت متعددة ومتنوعة، وأحد أبرز نماذجها يتمثل فى المنطقة الصناعية الصينية المقامة فى العين السخنة، وقد شهدت هذه المنطقة ٣ توسعات متتالية على مدى ١٥ عامًا، ووصلت مساحتها حاليًا إلى نحو ١٦ كيلومترًا مربعًا، كما توسعت الشركات الصينية فى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، خاصة فى منطقة غرب القنطرة، وهناك أكثر من ٤٠ مشروعًا فى هذه المنطقة.
وإضافة إلى ذلك، هناك مشروعات صينية متعددة فى المناطق الحرة العامة والخاصة، وفى مدن مثل العاشر من رمضان ومدينة السادس من أكتوبر، وتتنوع هذه الصناعات بين الأجهزة المنزلية والملابس والغزل والنسيج والصناعات الجلدية والأثاث والرخام وغيرها، كما أن هناك اهتمامًا صينيًا واضحًا بقطاع الرخام المصرى، خاصة الصناعات القائمة فى منطقة «شق التعبان».
وبالتأكيد ستكون مدينة العلمين الجديدة من المناطق المهمة للتوسعات المستقبلية فى عدد من المجالات، خاصة الصناعات البتروكيماوية والصناعات المرتبطة بها، كما أنها قد تكون مكانًا مناسبًا للتوسع فى صناعة السيارات، خاصة السيارات الكهربائية، التى تهتم بها الشركات الصينية للاستفادة من موقع مصر، وقدرتها على الوصول إلى الأسواق العربية والأوروبية والإفريقية.
وبالإضافة إلى ذلك، فهناك فرصة كبيرة للتوسع فى صناعات التعبئة والتغليف، خاصة بالنسبة للمنتجات الزراعية التى يتم تصديرها إلى أوروبا من شمال مصر، وبالتالى فإن العلمين الجديدة يمكن أن تكون منطقة متميزة فى هذا الإطار.
■ كيف تستفيد مصر من استكمال تنفيذ مشروع «طريق الحرير» الصينى لتسهيل حركة التجارة العالمية؟
- «طريق الحرير» ليس مشروعًا واحدًا يتم تنفيذه فى دولة واحدة، وإنما هو مجموعة من المشروعات تقام فى الدول التى يمر بها الطريق، وقد رصدت الصين نحو ١.٥ تريليون دولار لدعم وتطوير مشروعات البنية التحتية والطرق والكبارى والأنفاق والموانئ فى تلك الدول، ما يساعد فى انسيابية حركة المنتجات،
مصر جزء مهم من مسار هذا الطريق، وبالتالى فإن جزءًا من المشروعات التى تدخل فيها الشركات الصينية فى مصر يرتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بتطوير البنية التحتية وجعلها أكثر حداثة، ما يخدم حركة التجارة و«طريق الحرير»، الذى يعتمد على الطرق البرية والموانئ البحرية، وبالتالى فإن تطوير البنية التحتية فى مصر، بالشراكة مع الصين، يخدم حركة التجارة، ويعزز من موقعها اللوجستى.
ومصر بالنسبة للصين تمثل بالفعل مركزًا لوجستيًا مهمًا وفعالًا، وهناك مشروعات قائمة بين البلدين، سواء فى ميناء بورسعيد أو فى العين السخنة لتطوير الموانئ، لكن رغم ذلك فنحن نواجه حاليًا تحديًا كبيرًا بسبب ارتفاع تكلفة الشحن، فقد وصلت تكلفة الحاوية القادمة من الصين إلى نحو ١٠ آلاف دولار، وهو رقم كبير جدًا.
ونحن نأمل فى انتهاء الأزمات الإقليمية فى أقرب وقت، حتى تنخفض تكاليف التأمين والشحن البحرى، التى شهدت ارتفاعًا قياسيًا لم يحدث من قبل، بعد أن تضاعفت بنحو ٤ أو ٥ أضعاف، ما انعكس بصورة مباشرة على قيمة البضائع القادمة من الصين أو المتجهة من مصر إليها.
ومن المؤكد أن استمرار الأوضاع الإقليمية المضطربة يمثل ضغطًا سلبيًا على التجارة والصناعة، لكننا نأمل أن تنتهى الأزمة حتى تعود الأسعار إلى مستوياتها الطبيعية، لأن ارتفاع تكلفة شحن المنتجات المستوردة ينعكس فى النهاية على سعر المنتج داخل السوق المصرية، ويمثل هذا أحد أسباب ارتفاع أسعار بعض المنتجات، لأن تكلفة النقل والشحن أصبحت تمثل جزءًا أكبر من التكلفة النهائية للسلعة.
ومن هنا يجب التأكيد على أن دعم الصناعة وتعميق التصنيع المحلى يمثلان حلًا مهمًا لتقليل أثر الاضطرابات الدولية، فكلما توسعنا فى التصنيع المحلى، مع إقامة مشروعات صناعية وزراعية كبرى، استطعنا تقليل تكلفة المنتجات، وتقليل الاعتماد على الواردات، وبالتالى تخفيف أثر ارتفاع تكاليف الشحن العالمية.
■ ما توقعاتك لمستوى الشراكة المصرية- الصينية فى المستقبل؟
- أرى أن العلاقات المصرية- الصينية نموذج للشراكة الناجحة التى تحقق مكاسب للطرفين، فبالنسبة لمصر فإن الشراكة مع الصين تدعم التنمية والاستدامة وتساعد فى جذب الاستثمارات ونقل التكنولوجيا وتعزيز القدرات الإنتاجية، وبالنسبة للصين فإن مصر تمثل فرصة لتنويع مصادر التوريد والأسواق.
ومن المهم الإشارة إلى أن طبيعة المنتجات التى تستوردها الصين من مصر تغيرت خلال السنوات الأخيرة، فالصين لم تعد تشترى فقط المنتجات التقليدية، وإنما أصبحت من أكبر الأسواق المستوردة للمنتجات الزراعية المصرية، من أنواع مختلفة، مثل المانجو والعنب والبلح وغيرها.
وأتصور أن أى اتفاق بين بلدين سيكون الطرفان فيه رابحين، لأنه سيكون اتفاقًا قابلًا للنمو والاستدامة، لأن الصين- كما قلت- تبحث عن بوابة إلى إفريقيا والشرق الأوسط، ومصر تبحث عن الاستثمارات والتكنولوجيا، ما يحقق درجة من التكامل بينهما، وهذا ليس تصورًا للمستقبل، بل هو ما يحدث حاليًا بالفعل، بعد أن شهدت السنوات الخمس الماضية تطورًا كبيرًا فى العلاقات بين البلدين، على مستوى المشروعات والاستثمارات والتعاون الاقتصادى.
واليوم، توجد مشروعات صينية متنوعة على الأراضى المصرية، وفى قطاعات متعددة، وفى ظل الاتفاقات القائمة والمرتقبة، فإن حجم الشراكة بين البلدين يتزايد بصورة واضحة.
ورغم ذلك، يجب التأكيد على أن التوترات الإقليمية والأزمات العالمية تخلق حالة ترقب لدى المستثمرين، لأن أى مستثمر يريد أن يدخل إلى مصر أو المنطقة العربية يحتاج إلى التأكد من وجود استقرار فى المنطقة، وبالتالى نحن نترقب سرعة انتهاء الأزمات الحالية حتى تستعيد حركة الاستثمار والتجارة زخمها بصورة أكبر.
وفى هذا الإطار، أؤكد أن زيارة الرئيس الصينى المرتقبة تمثل إشارة واضحة إلى دعم الصين لمصر، وبحثها عن استمرار الشراكة المتميزة بين البلدين، لأن الزيارة تحمل رسالة مفادها أن الصين تقف إلى جانب مصر، وتدعمها على كل المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وأنها تريد استمرار هذه الشراكة وتوسيعها خلال المرحلة المقبلة.
فى ظل وجود اتفاقيات لتبادل العملات بين مصر والصين.. هل يمكن أن تسهم هذه الآلية فى تخفيف الضغط على العملة الصعبة؟
- بالتأكيد، وهذا الملف يمثل فى رأيى طوق النجاة لتخفيف الضغوط على العملة الصعبة فى مصر، لأن الصين- كما قلت- هى الشريك التجارى الأول لمصر، وحجم التبادل التجارى بين البلدين يصل إلى نحو ٢١.٥ مليار دولار، وهو رقم كبير، وبالتالى فإن تفعيل آلية تبادل العملات يمكن أن يخفف جزءًا من الضغط على العملة الصعبة. وعندما يتم تفعيل اتفاقية تبادل العملات بصورة أكبر فإن ذلك سيساعد فى توفير جزء من الاحتياجات المرتبطة بالتجارة بعيدًا عن الاعتماد الكامل على الدولار، وهذا الأمر سيكون له أكثر من ميزة، سواء بالنسبة للاقتصاد الكلى من خلال توفير العملة الصعبة أو من خلال تسهيل المعاملات وزيادة التعاون التجارى. كما أن استخدام العملات المحلية يمكن أن يسهم فى زيادة الصادرات المصرية، لأن الشركات الصينية ستكون أمام آلية أكثر سهولة للتعامل مع الشركات المصرية.




