الحبس الاحتياطي هو إجراء احترازي لضمان سلامة التحقيقات، وليس عقوبة مسبقة.. من هذا المنطلق الدستوري والحقوقي، تعكف الدولة المصرية على إقرار ثورة تشريعية حقيقية من خلال مشروع قانون الإجراءات الجنائية الجديد لعام 2026.
الهدف هو تحقيق التوازن الدقيق بين حق المجتمع في كشف الجرائم وحفظ الأمن، وبين حماية حرية المواطن وقرينة البراءة التي يُفترض أن يتمتع بها كل إنسان حتى تثبت إدانته، كما يضع التشريع الجديد نهاية لظاهرة الحبس المفتوح، ويستحدث آليات رقمية ومادية تعكس التزام مصر بالاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان.
فكانت أطول الفترات التي يقضيها المتهم قيد التحقيق دون إحالة للمحاكمة من أبرز الملاحظات الحقوقية، وقد حسم القانون الجديد هذه الإشكالية بوضع سقف زمني صارم لا يجوز تخطيه.
كما تم تخفيض الحد الأقصى لمدة الحبس الاحتياطي في الجنح ليصبح 4 أشهر (بدلاً من 6 أشهر في القانون القديم)، وتم تخفيض المدة القصوى في الجنايات العادية لتصبح 12 شهراً (بدلاً من 18 شهراً)، كذلك تم تقليص المدة لتصبح 18 شهراً (بدلاً من عامين)، وبمجرد انتهاء هذه المدد، يتحتم على جهات التحقيق الإفراج الفوري عن المتهم، ما لم تتم إحالته للمحكمة المختصة.
البدائل الذكية.. "الإسورة الإلكترونية" تنهي معاناة الزنازين
لأول مرة في تاريخ التشريع الجنائي المصري، يتم تفعيل بدائل تكنولوجية وقانونية تضمن بقاء المتهم تحت تصرف النيابة دون الحاجة لإيداعه في السجن.
إقرار نظام الإسورة الإلكترونية التي يتم تثبيتها في قدم أو معصم المتهم، وتقوم بإرسال إشارات تتبع لحظية للأجهزة الأمنية، مما يضمن عدم هروبه مع السماح له بالبقاء في منزله وممارسة حياته الطبيعية داخل نطاق جغرافي محدد.
كما أتاح القانون لجهات التحقيق استبدال الحبس بقرارات مثل: (إلزام المتهم بعدم مبارحة مسكنه، منعه من ارتياد أماكن معينة، منعه من السفر، أو إلزامه بتقديم نفسه لمقر الشرطة في أوقات محددة).
ونأتي للتساؤل الأشهر، ماذا لو قضى مواطن أشهراً في الحبس الاحتياطي ثم انتهت التحقيقات بحفظ القضية أو صدر حكم نهائي ببراءته؟
استحدث القانون فصلاً كاملاً يُلزم الدولة بـ تعويض المتهم مادياً ومعنوياً عن فترة الحبس الاحتياطي التي قضاها إذا ثبتت براءته أو حُفظت الدعوى لانتفاء الجريمة، كما يتم تشكيل لجنة قضائية مختصة لتقدير حجم التعويض المالي بناءً على مدة الحبس، وحجم الضرر الذي لحق بسمعة المتهم ووظيفته، مع نشر حكم البراءة في جريدتين رسميتين واسعتي الانتشار على نفقة الدولة لرد اعتباره أدبياً.
تقييد صلاحيات المنع من السفر والتحفظ على الأموال
لطالما ارتبط الحبس الاحتياطي بقرارات المنع من السفر والتحفظ على الأموال كإجراءات احترازية، والتي كانت تصدر أحياناً لفترات غير محددة.
ووضع القانون الجديد ضوابط صارمة تُحتم ارتباط المنع من السفر أو التحفظ على الأموال بمدة زمنية محددة تتوافق مع سير التحقيقات.
كما كفل القانون للمتهم أو وكيله حق التظلم السريع والدوري أمام محكمة الجنايات المُنعقدة في غرفة المشورة لإلغاء هذه القرارات إذا طال أمدها دون مبرر قانوني ملموس، مما يحمي المصالح الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين من التجميد غير المبرر.

