في قرطبة وتحديدًا في زمن الخلافة الأموية في الأندلس عاش رجل اسمه عباس بن فرناس.. الاسم مش غريب عليك مش كده؟.. أيوة بالظبط هو اللي جه في بالك.. عباس مكانش عالم عادي ده كان موسوعة بشرية بمعنى الكلمة: شاعر، وفلكي، وكيميائي، ومهندس، وطبيب كمان.. الناس ساعتها كانوا بيلقبوه بـ حكيم الأندلس، والأمراء نفسهم كانوا بياخدوا عنده دروس في الفلك.. الراجل ده اخترع الزجاج الشفاف من الحجارة والرمل!.. الزجاج اللي بنشوف من خلاله الدنيا دلوقتي هو اللي اخترعه!.. بس كده؟.. لأ.. صمم كمان ساعة مائية اسمها الميقاتة بتقيس الوقت بدقة قبل ما تتعرف الساعات الحديثة بمئات السنين.. كمان صنع أول نظارة طبية في التاريخ عشان يساعد الناس اللي بتعاني من ضعف النظر.. ماوقفش هنا وابتكر أول قلم حبر يخزن الحبر جواه بدل ما الناس تفضل تغمس القلم في المحبرة كل شوية.
عباس برضه عمل قبة سماوية في سقف بيته بيظهر من خلالها النجوم والسحاب والرعد والبرق لدرجة إن بيته بقى مزار للناس اللي عايزة تتفرج على سماء مصغرة قدامها.. الحقيقة إن كل اللي فات ده كان كفاية إن اسم عباس بن فرناس يفضل خالد للأبد بس هو مكانش عايز يوقف عند كده، وكان بيحلم بحلم أكبر من كل اختراعاته: إنه يطير!
في سنة 875، وهو رجل عنده تقريبًا 65 أو 70 سنة عمل لنفسه جناحين من الريش وغطاهم بالحرير، ووقف قدام حشد من الناس في قرطبة، ورمى نفسه من مكان مرتفع، وطار!.. فعلًا طار لمسافة مش قليلة، في أول محاولة طيران مبنية على أساس علمي في تاريخ البشرية كلها، وقبل الأخوين رايت بأكتر من ألف سنة.. بس المشكلة إنه وهو غارق في حماسه للطيران نسي حاجة واحدة بسيطة: الذيل.. الطيور بتستخدم ذيلها عشان توازن نفسها وتهبط بأمان، وعباس ماحسبش لده حساب فلما جه ينزل وقع بقوة وانكسرت ضلوعه وأصيب إصابات بالغة.
هنا بقى حصلت المفارقة اللي بتلخص طبيعة البشر: الناس ماتكلموش عن الاختراعات الكتير اللي الراجل ده عملها واتكلمنا عنها فوق، ولا عن العلم، ولا عن الشجاعة اللي خلت راجل عنده 70 سنة يرمي نفسه من فوق عشان يحقق حلم البشرية في الطيران!.. اللي فضل عالق في دماغهم وبيتناقلوه لسنين هو لحظة السقوط بس.. حتى إن بعض الروايات القديمة بالغت وقالت إنه مات من الوقعة مع إن الحقيقة إنه عاش بعدها لسنين تانية.. تخيل إن راجل غيّر مفهوم الزجاج، وابتكر الساعة، والنظارة، والقلم، وكان سابق زمنه بألف سنة في تحدي الجاذبية وكل اللي فضل في الذاكرة الشعبية هو إنه الراجل اللي وقع لما حاول يطير.
دي تركيبة البشر إنهم بينسوا الحلو كله في ثانية وبيفتكروا بس الأسوأ.. مهما عملت مليون حاجة كويسة وكنت سند وظهر ليهم زلة واحدة بس كفيلة إنها تمسح كل رصيدك وتخليك في نظرهم أسوأ حد في الدنيا.. عشان كده ما تستناش إنصاف من حد، ولا تقيّم نفسك وتستمد قيمتك من ذاكرة مخرومة ما بتحتفظش غير بالوحش.. إحنا مش مخلوقين عشان نستنى سقفة ولا اعتراف من حد.. لو عمرك اتعلق بإنصاف الناس، هتفضل مستني طول عمرك.. اعمل اللي أنت مقتنع بيه، وسيب الذاكرة الجماعية تعمل اللي هي عايزاه.. قيمتك الحقيقية في اللي بنيته، مش في دفتر أحوال الناس اللي مابيسجلش غير الغلطات.


