تقنية جريدة الجمهورية

الاحتيال الرقمى.. يسرق أموال المصريين

تخيل أن تصلك رسالة إلى هاتفك تعدك بآلاف الجنيهات يوميًا مقابل «استثمار رقمى» لا يستغرق سوى دقائق.. أو يظهر أمامك، أثناء تصفحك للإنترنت، إعلان جذاب يدعوك إلى المراهنة على مباراة مقابل أرباح مغرية .. أو إعلان آخر يقدم لك عرضاً مجانياً جذاباً يغريك بالنقر لكنه فى الحقيقة «شبح برمجية خبيثة» تتسلل إلى جه...

الاحتيال الرقمى.. يسرق أموال المصريين
23 مشاهدة

اقرأ من المصدر

جريدة الجمهورية

زيارة المصدر

تخيل أن تصلك رسالة إلى هاتفك تعدك بآلاف الجنيهات يوميًا مقابل «استثمار رقمى» لا يستغرق سوى دقائق.. أو يظهر أمامك، أثناء تصفحك للإنترنت، إعلان جذاب يدعوك إلى المراهنة على مباراة مقابل أرباح مغرية .. أو إعلان آخر يقدم لك عرضاً مجانياً جذاباً يغريك بالنقر لكنه فى الحقيقة «شبح برمجية خبيثة» تتسلل إلى جهازك فى هدوء .. وفى أحيان أخرى قد يأتيك الخطر فى هيئة « صوت واثق « عبر الهاتف ويقدم نفسه بنبرة رسمية ويزعم أنه موظف بنك، يحذرك من اغلاق حسابك ويجردك من بياناتك السرية تحت ستار الحماية .

ولا تقتصر حيل «عصابات الاحتيال» على إغراء الضحية بالربح السريع؛ فهى تبنى حوله عالما كاملًا من الإيهام بالثقة، باستخدام مواقع وتطبيقات تبدو احترافية، وشهادات وقصص نجاح وهمية، وتمنحه أرباحًا صغيرة فى البداية لإقناعه بضخ مبالغ أكبر فى عملية استدراج تدريجية تحول الثقة إلى فخ مالى .

سيناريوهات متعددة للخداع.. لكن النتيجة واحدة فى لحظات معدودة، وبضغطة زر أو معلومة تمنحها بثقة، قد تختفى أموالك من حسابك، وقد تتبخر تحويشة العمر عبر الفضاء السيبرانى العابر للحدود، لتجد نفسك فجأة ضحية لجريمة مالية رقمية.. وهذا ما ستجد له تحليلاً قانونياً له.. وكيفية مواجهته والتعامل معه، فى سلسلة قانونية تكنولوجية، يتواصل نشرها، فى «الجمهورية الأسبوعى»..

من هنا يفرض الواقع سؤالًا قانونيًا ملحًا .. كيف يواجه التشريع المصرى جيلا جديدا من الجرائم المالية الرقمية يدار بالخوارزميات وتتوارى عصاباته خلف سحب إلكترونية مجهولة الهوية .. فعند الاقتراب من المشهد القانونى القائم تتجلى ثغرات حاسمة تستحق التوقف أمامها وهى على النحو التالى:

أولًا: منصات الاستثمار الوهمى الرقمية                                                               

تنحصر الثغرة القانونية فى عدم وجود نص عقابى خاص فى قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 يجرم الاحتيال الاستثمارى الرقمى العابر للحدود باعتباره نشاطا إجراميًا مستقلا، مما يفرض اللجوء الى نصوص «النصب «أو « تلقى الأموال» التقليدية ، بما قد يثير صعوبات عند تطبيقها على منصات رقمية عابرة للحدود تعمل دون كيان مادى ظاهر داخل الدولة ، كما أن ذات القانون قد خلا من تعريف «المنصة الرقمية» ضمن التعريفات الواردة فى المادة الأولي، ولم يضع إطارا خاصا بالمسئولية الجنائية للقائمين على هذه المنصات أو الوكلاء والوسطاء الذين يعملون لحسابها، رغم أن جانبا من جرائم الاستثمار الوهمى يرتكب عبر منصات دولية قد يكون لها وكلاء أو ممثلون أو جهات تتولى التسويق والترويج واستقطاب العملاء داخل مصر.

ثانيًا: المراهنات الرقمية                                                                             

تحولت المراهنات الإلكترونية من موائد خضراء محصورة فى صالات مغلقة إلى «صالة قمار رقمية مفتوحة»  فى جيوب كثير من الشباب على مدار الساعة، عبر تطبيقات ومواقع عابرة للحدود، وهو ما يكشف عن ثغرة تشريعية مزدوجة أولها أن قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات لا يتضمن نصا خاصاً ومستقلا يجرم إنشاء أو إدارة أو تشغيل أو الترويج لمنصات القمار والمراهنات الرقمية حتى الآن . وثانيها أن النصوص العقابية التقليدية التى تواجه القمار فى قانون العقوبات، ومنها المادة رقم 352، صيغت فى الأساس لمواجهة القمار المرتبط بمكان مادى يعد لممارسة الألعاب وتهيئته لدخول الناس. ويثير هذا التصور صعوبة عند التعامل مع منصات إلكترونية لا تحتاج إلى صالة أو محل داخل الدولة، وقد تُدار خوادمها من خارج الحدود.

ثالثًا: الإعلانات الخبيثة وقرصنة الأرصدة                                                                      

تجاوزت عصابات الاحتيال مرحلة «اختراق الأنظمة المصرفية» إلى «اختراق العقول»،  فلم تعد تحتاج دائمًا إلى كسر الحواجز التقنية، بل أصبحت تستدرج الضحية إلى فتحها بنفسه، عبر مكالمة هاتفية أو رسالة أو إعلان خبيث، ثم تستولى على بياناته أو أمواله مستغلة ثقته وحسن نيته وتكمن الثغرة فى أن تجريم المادة 23 بقانون « تقنية المعلومات « يرتهن بشرط وصول الجانى «بدون وجه حق» إلى أرقام أو بيانات أو بطاقات البنوك والخدمات «الاختراق التقني» . أما عندما يُساق الضحية عبر إعلان خبيث أو مكالمة خادعة لتسليم بياناته أو رمز (OTP) طواعية، قد لا ينطبق على الواقعة وصف «الوصول بغير حق» بالمعنى الذى استهدفه النص ، فيتم اللجوء إلى نصوص النصب التقليدية ومنها المادة 336 عقوبات  والتى تتطلب توافر إحدى صور الاحتيال التى حددها النص، وهو ما قد لا يتناسب مع البيئة الرقمية أو يستوعب بالكامل الطبيعة المركبة والمتطورة لأساليب الخداع الرقمى.

وفيما يلى نعرض لهذه الثغرات على نحو أكثر تفصيلًا لبيان أوجه القصور فى النصوص القائمة ومدى قدرتها على مواجهة التطور المتسارع لجرائم «السوشيال ميديا».

أولًا.. منصات الاستثمار الوهمى الرقمية

تستغل عصابات الاحتيال المالى الرقمى العابرة للحدود ما يعرف بـ «مخططات بونزى الرقمية» حيث يتم إغراء الضحايا عبر تطبيقات وهواتف محمولة تدعى الاستثمار فى مجالات مستحدثة مثل: تعدين العملات المشفرة، أو استئجار الخوادم الذكية، أو مشاهدة الإعلانات بمقابل ،وتعتمد هذه المنصات على «التسويق الهرمى الشبكي»، حيث تمنح أرباحا وهمية مبكرة للضحايا الأوائل يدفع جزءاً منها من أموال الضحايا الجدد، لتوليد ثقة زائفة تدفع المشتركين لمضاعفة استثماراتهم ودعوة ذويهم، حتى إذا بلغت الحصيلة الذروة، تغلق المنصة ويتم نهب الأموال.

أين تكمن الثغرة القانونية ؟                                                                         

تكمن الثغرة فى أن المادة 206 من قانون البنك المركزى والجهاز المصرفى رقم 194 لسنة 2020 قد حظرت إنشاء أو تشغيل منصات لتداول العملات المشفرة دون ترخيص. إلا أن هذا النص لا يمتد إلى منصات الاستثمار الوهمى التى تنشأ لجمع أموال الجمهور وإيهامهم باستثمارها ، كما أن قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 لم يدرج تعريفا للمنصة الرقمية ضمن التعريفات التى أوردها فى الباب الأول بالمادة 1 ولم يضع تنظيمًا خاصا للمنصة الرقمية ولم يحدد إطارا خاصا لمسئولية القائمين عليها أو من يعملون لحسابها داخل مصر، رغم أن المنصة قد تكون دولية، بينما يتم التسويق لها واستقطاب الضحايا وتحصيل الأموال داخل مصر.

كما لا يتضمن ذات القانون نصا عقابيا خاصا يواجه «الاحتيال المالى الاستثمارى المنظم عبر الوسائط الرقمية» أو إدارة منصات تجميع الأموال الرقمية بما يجمع فى نطاق تجريمى واحد بين إنشاء المنصة أو إدارتها، والترويج لها، واستقطاب أموال الجمهور، وإيهامهم بتحقيق عوائد استثمارية، ثم الاستيلاء على تلك الأموال ، وان كان يمكن بحسب ظروف الواقعة الاستناد الى المادة 27 من هذا القانون  التى تجرم انشاء أو إدارة أو استخدام موقع أو حساب خاص على شبكة معلوماتية بهدف ارتكاب جريمة أو تسهيل ارتكابها غير أن هذه المعالجة  تظل مرتبطة بتوافر صفة « مدير الموقع» فى الجانى.

 وهذا ما أشار اليه حكم محكمة جنايات القاهرة الاقتصادية فى الدعوى رقم 1139 لسنة 2025  اذ أكدت أن « الشرط المفترض للجريمة المنصوص عليها بالمادة 27 من القانون رقم 175 لسنة 2018 بخلاف ركنيها المادى والمعنوى هو صفه الجانى باعتباره مدير الموقع والقائم عليه والمستخدم له والمسئول عنه وقد تم تعريفه بأنه «كل شخص مسئول عن تنظيم أو إدارة أو متابعة أو الحفاظ على موقع أو أكثر على الشبكة المعلوماتية، بما فى ذلك حقوق الوصول لمختلف المستخدمين على ذلك الموقع أو تصميمه أو توليد وتنظيم صفحاته أو محتواه أو المسئول عنه».

المنظومة الإجرامية

وهو ما يكشف عن إشكال عملى فى ملاحقة بعض حلقات المنظومة الإجرامية الرقمية، ولا سيما من يتولون الترويج للمنصة أو استقطاب العملاء أو تحصيل الأموال لحساب المنصة دون أن تثبت فى حقهم صفة «مدير الموقع» بالمعنى القانونى بما يؤكد الحاجة الى نص يستوعب مختلف الأدوار التى تقوم عليها منظومة الاستثمار الوهمى الرقمية.

وأيضا وفقا للقواعد العامة، يمكن مواجهة بعض هذه الوقائع من خلال جريمة النصب المنصوص عليها فى المادة 336 من قانون العقوبات، وهى جنحة حدها الأقصى للحبس ثلاث سنوات وهذه المعالجة وإن كانت قابلة للتطبيق بحسب ظروف كل واقعة، لا تقدم تنظيمًا خاصًا للطبيعة الرقمية والمنظمة والعابرة للحدود لهذه المخططات، ولا تعالج المنصة بوصفها أداة للجريمة

كما أن القانون رقم 146 لسنة 1988 الخاص بالشركات العاملة فى مجال تلقى الأموال لاستثمارها، يمكن أن ينطبق على بعض الوقائع  ، لكنه لم يقدم  معالجة تشريعية متخصصة للمنصات الرقمية العابرة للحدود التى تجمع الأموال إلكترونيًا دون وجود كيان تقليدى ظاهر داخل الدولة، وهو ما قد يثير إشكالات تتعلق بانطباق أحكامه على بعض صور النشاط الرقمى المستحدث.

مطلوب تدخل

ولمواجهة الاستثمار الوهمى الرقمى نحتاج الى تدخل المشرع الجنائى واستحداث نص خاص يجرم المنظومة الإجرامية ذاتها، فيجرم إنشاء أو إدارة أو تشغيل منصة رقمية بقصد جمع أموال الجمهور أو إيهامهم باستثمارها أو تحقيق عوائد منها دون ترخيص، ويمتد إلى الترويج لها واستقطاب العملاء لحسابها، مع تشديد العقوبة عند وقوع الاستيلاء الفعلى أو ارتكاب الجريمة بصورة منظمة أو عابرة للحدود، إلى جانب وضع آليات قانونية عاجلة للتحفظ على الأموال وتتبعها واستردادها.

 موقف التشريعات العربية المقارنة

واجه المشرع الإماراتى هذا النمط من الاحتيال بنص عقابى خاص فى المرسوم بقانون اتحادى رقم 34 لسنة 2021 فى شأن مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية، إذ نصت المادة رقم 41 على أنه» يعاقب كل من دعا أو روج لمسابقة أو عملة إلكترونية أو أنشأ أو أدار محفظة أو شركة وهمية بهدف تلقى أو جمع أموال من الجمهور بقصد استثمارها أو إدارتها أو توظيفها أو تنميتها، بغير ترخيص من الجهات المعنية،» بعقوبة الحبس مدة لا تزيد على 5 خمس سنوات والغرامة التى لا تقل عن 250,000 مائتين وخمسين ألف درهم ولا تزيد على 1,000,000 مليون درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين.

قمار بلا مكان..

ثانيًا: ثغرة المراهنات الرقمية:                                                     

 مع تطور ألعاب القمار والمراهنات من صورتها التقليدية المحصورة فى الكازينوهات والموائد الخضراء  إلى منظومة رقمية عابرة للحدود تدار عبر تطبيقات الهاتف والمواقع الإلكترونية، وتتيح المراهنة على نتائج المباريات وتفاصيلها الدقيقة، فضلًا عن ألعاب قمار رقمية متنوعة بما حوّل الفضاء الإلكترونى إلى صالة قمار مفتوحة على مدار الساعة ، وتعتمد هذه المنصات على وسائل استقطاب حديثة، من بينها الترويج عبر المؤثرين والوكلاء واستخدام المحافظ ووسائل الدفع الإلكترونية فى شحن أرصدة المراهنات، بما يسمح باستهداف أعداد واسعة من المستخدمين، ولا سيما الشباب.

أين تكمن الثغرة القانونية؟

 تكمن الثغرة فى أن قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 لا يتضمن نصًا خاصا ومستقلا يجرّم إنشاء أو إدارة أو تشغيل أو الترويج لمنصات القمار والمراهنات الرقمية باعتبارها نشاطا إجراميا يمارس عبر الوسائط الإلكترونية. أما النصوص الأخرى فى القانون، ومنها المادة 25 المتعلقة بالمحتوى المخالف للقيم والمبادئ الأسرية وغيرها من صور الاعتداء، فلا تمثل ـ فى ذاتها ـ نصا خاصا بتجريم تشغيل منصة المراهنات أو إدارتها ، كما أن النصوص التقليدية التى تواجه القمار فى قانون العقوبات صيغت فى الأساس لمواجهة المكان المادى للقمار ، إذ تعاقب المادة 352 من قانون العقوبات «كل من أعد مكاناً لألعاب القمار وهيأه لدخول الناس فيه»، وهذا النص يثير إشكالا عند التعامل مع منصة إلكترونية لا تحتاج إلى صالة أو محل، وقد تدار خوادمها خارج مصر.

وتزداد الفجوة وضوحا بالنسبة إلى الوكلاء والمروجين والوسطاء المحليين الذين يعملون لحساب منصات المراهنات الأجنبية؛ إذ لا يوجد فى قانون تقنية المعلومات نص خاص يواجه دور الوسيط الرقمى فى استقطاب المراهنين أو تحصيل الأموال أو شحن أرصدة المراهنات لحساب تلك المنصات، بما قد يفرض اللجوء إلى نصوص قانونية أخرى بحسب طبيعة كل واقعة ودور المتهم فيها.

ولمواجهة المراهنات الرقمية.. نحتاج إلى نص تجريمى يلاحق المنصة والمروج والوسيط ،ومن ثم تتأكد الحاجة إلى نص تجريمى خاص فى قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات يجرم إنشاء أو إدارة أو تشغيل المنصة الرقمية المخصصة للقمار أو المراهنات المالية، وكذلك الترويج لها أو التوسط فى تشغيلها أو استقطاب المستخدمين لحسابها، مع تشديد العقوبة إذا ارتكبت الجريمة بصورة منظمة أو عبر الحدود أو استخدمت وسائل الدفع الإلكترونية فى جمع الأموال.

التشريعات المقارنة

اتجهت بعض التشريعات العربية إلى النص على تجريم القمار والمراهنات عبر الفضاء الإلكترونى بنصوص خاصة ، فالمشرع السعودى جرم القمار الرقمى فى نص خاص فى نظام مكافحة جرائم المعلوماتية السعودى الصادر بالمرسوم الملكى رقم م/ 17 حيث تعاقب المادة السادسة بالفقرة 3 كل شخص يقوم بإنشاء المواد والبيانات المتعلقة بـ»أنشطة الميسر» أو نشرها أو ترويجها، وقرت المادة  لهذه الأفعال عقوبة السجن مدة لا تزيد عن خمس سنوات والغرامة ثلاثة ملايين ريال أو احدى العقوبتين ، بما يجعل التجريم ممتدا إلى القمار الإلكترونى الذى يمارس أو يروج له عبر الشبكة المعلوماتية، وليس مقصورا على وجود مكان مادى للقمار.

وفى الإمارات، اتجه المشرع إلى تجريم ممارسة أنشطة القمار عبر الشبكة المعلوماتية بصورة مباشرة، وذلك فى المادة رقم 38 من المرسوم بقانون اتحادى رقم 34 لسنة 2021 فى شأن مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية، بما يعكس اتجاهًا تشريعيًا نحو التعامل مع القمار الرقمى باعتباره نشاطا إجراميا قائما بذاته، يمكن ملاحقته حتى وإن انتقل من المكان المادى إلى الموقع أو التطبيق الإلكتروني.

ثالثًا: ثغرة الإعلانات الخبيثة والهندسة الاجتماعية

تعتمد عصابات الاحتيال المالى الرقمى فى هذا النمط على ما يعرف بـ»الهندسة الاجتماعية» ويطلق عليه أحيانا «الاختراق الإدراكي»؛ حيث لا يهاجم الجانى النظام المصرفى مباشرة، وإنما يستهدف العنصر البشري، فينتحل صفة موظف بنك أو شركة اتصالات، أو يرسل رابطا أو إعلانا خبيثا، أو يوهم الضحية بوجود مشكلة فى حسابه أو فوزه بجائزة، ثم يستدرجه إلى الإفصاح عن بياناته السرية أو رمز التحقق (OTP)، أو إلى تنفيذ التحويل بنفسه.

وهنا تكمن الثغرة القانونية ، إذ لم يعرف قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 «الهندسة الاجتماعية» أو «التصيد الاحتيالي» أو «الإعلانات الخبيثة» كوسائل إجرامية مستقلة، وإنما عالجت المادة 23 صورا من الوصول بغير وجه حق إلى أرقام أو بيانات بطاقات البنوك وأدوات الدفع الإلكتروني، وشددت العقوبة إذا ترتب على ذلك الاستيلاء على مال الغير. لكن الصورة تختلف عندما يحصل الجانى على بيانات الدخول أو رمز التحقق من الضحية نفسه نتيجة الخداع، دون اختراق تقنى للنظام المصرفي؛ إذ يثور عندئذ إشكال حول مدى انطباق وصف «الوصول بغير وجه حق» على الواقعة، وقد ينتقل التكييف إلى نصوص النصب التقليدي، بما لا يعكس دائمًا الطبيعة الرقمية والمركبة لأساليب الاحتيال الحديثة.

فى النهاية تكشف هذه  الثغرات أن التحدى الحقيقى أمام المشرع لم يعد فى غياب النصوص تماما، وإنما فى عدم كفاية بعض النصوص القائمة لاستيعاب الوسائل الجديدة التى ترتكب بها الجرائم المالية الرقمية، لذلك تظهر الحاجة إلى تدخل تشريعى محدد يعالج هذه الصور المستحدثة بنصوص واضحة ومستقلة: ومطلوب نص يواجه منصة الاستثمار الوهمى منذ إنشائها وإدارتها والترويج لها واستقطاب الأموال من خلالها، ومطلوب نص يجرم منصات القمار والمراهنات الرقمية ومن يديرها أو يروج لها أو يعمل وسيطا لصالحها، ونص يستوعب الهندسة الاجتماعية والتصيد والإعلانات الخبيثة باعتبارها وسائل حديثة للاستيلاء على الأموال.

فالهدف من تطوير التشريع ليس ملاحقة الجانى بعد أن تتبخر الأموال، وإنما إغلاق المنافذ التى تستغلها الجريمة الرقمية، وحماية أموال المواطنين، وتحقيق التوازن بين سرعة المعاملات الرقمية وسرعة الحماية القانونية.

مقالات ذات صلة