على صفيح ساخن، تدخل إثيوبيا مرحلة جديدة من الصراع الداخلي، مع إعلان 7 جماعات معارضة تشكيل تحالف سياسي وعسكري يستهدف إزاحة رئيس الوزراء آبي أحمد وحكومته، في خطوة تفتح الباب أمام إعادة رسم خريطة المواجهة داخل أديس أبابا.
التحالف الذي يطلق على نفسه القوات الشعبية الإثيوبية من أجل البقاء، يضم «جبهة تحرير شعب تيجراي»، و«حركة أمهرة فانو الوطنية»، و«جيش تحرير أورومو»، إلى جانب جبهة تحرير أوغادين الوطنية، وجبهة الوحدة الديمقراطية الثورية لعفار، وحركة تحرير شعب بني شنقول، وحركة غوموز الديمقراطية الشعبية، ويجمع التشكيل الجديد قوى سبق أن وقفت على جبهات متعارضة، بينها تيجراي وفانو خلال حرب 2020-2022، لكنها توحدت اليوم على هدف واحد.
وبينما يصف التحالف نفسه بأنه إطار جامع للقوى الإثيوبية الساعية إلى التغيير، فإن انتقال قوى مسلحة ذات انتشار جغرافي واسع من العمل المنفرد إلى التنسيق السياسي والعسكري يثير تساؤلات حول قدرة هذا التشكيل على تغيير موازين الصراع داخل إثيوبيا، وما إذا كان الإعلان يمثل اصطفافًا سياسيًا عابرًا أم بداية لتنسيق ميداني أوسع، يهدف لإسقاط حكومة آبي أحمد، والدفع نحو مرحلة انتقالية جديدة.
مساعد وزير الخارجية الأسبق: التحالف يعكس حالة متصاعدة من عدم الرضا والرفض لسياسات حكومة آبي أحمد
يرى السفير صلاح حليمة، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، أن الإعلان عن التحالف يعكس حالة متصاعدة من عدم الرضا والرفض لسياسات حكومة آبي أحمد، داخليًا وخارجيًا، مشيرًا إلى أن أوروميا وأمهرة وتيجراي تعد من أبرز مناطق المعارضة، إلى جانب مواقف مشابهة في أوجادين وبني شنقول.
ويقول حليمة في تصريحات خاصة لـ«القاهرة 24» إن الجماعات السبع، رغم اختلاف خلفياتها ومناطق انتشارها، تلتقي في رفض نهج الحكومة الإثيوبية سياسيًا واقتصاديًا وتنمويًا، معتبرًا أن التحالف قد يمثل بداية مرحلة جديدة من الصراع، وأن تأثيره قد يمتد إلى طبيعة العلاقة بين الحكومة المركزية والأقاليم داخل النظام الفيدرالي.
ويضع السفير صلاح حليمة، جوهر الأزمة في العلاقة بين المركز والأقاليم، موضحًا أن استمرار التوتر بين الحكومة المركزية والأقاليم الفيدرالية قد يفتح الباب أمام تغييرات في طريقة إدارة الدولة، خصوصًا مع ما يراه اتجاهًا من حكومة آبي أحمد نحو مزيد من المركزية، وهو ما يتعارض مع تمسك بعض الأقاليم بصلاحياتها وحقوقها داخل النظام الفيدرالي.
ويقول بأن رفض النهج الذي تتبعه حكومة آبي أحمد أصبح في المرحلة الراهنة أقوى من الخلافات التي تفصل مكونات التحالف، مشيرًا في الوقت نفسه إلى أن تلك الخلافات يمكن أن تعود إلى الواجهة في مرحلة لاحقة، خصوصًا أن مكونات التحالف تحمل أجندات وخلفيات سياسية وإثنية مختلفة.
ويمنح هذا التلاقي وزنًا مختلفًا للتحالف، في حال تمكن من الانتقال من مجرد إعلان سياسي إلى تنسيق ميداني، بحسب حليمة، الذي يرى أن تيجراي وأمهرة وأورومو تمتلك قدرات عسكرية مؤثرة، وأن جمع هذه القدرات في إطار واحد يمكن أن يرفع مستوى الضغط على الحكومة المركزية.
ويتطابق ذلك مع ما أعلنته جبهة تحرير شعب تيجراي، إذ قال متحدث باسمها إن التعاون داخل التحالف يحمل بُعدًا سياسيًا وعسكريًا، وإن العمليات العسكرية المشتركة قد تصبح ضرورية لتحقيق هدف إسقاط الحكومة.
وبحسب تصريحات السفير صلاح حليمة، فإن اتساع رقعة الجبهات يمثل عامل ضغط إضافيًا على القوات الحكومية في إثيوبيا؛ فوجود مواجهات في أكثر من منطقة في الوقت نفسه يمكن أن يفرض على الجيش الفيدرالي توزيع قواته على جبهات متعددة، بما يتيح للقوى المعارضة مساحة أكبر للمناورة والاستنزاف.
في المقابل، لا يستبعد السفير صلاح حليمة، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، أن تلجأ حكومة آبي أحمد إلى الاحتواء السياسي لتلك الجماعات، عبر تقديم تنازلات أو الاستجابة لبعض المطالب، إذا رأت أن ذلك يمكن أن يمنع اتساع رقعة المواجهة ويحافظ على استمرار الحكومة، أو السعي للحصول على دعم خارجي لحكومته، مشيرًا إلى أن لإسرائيل مصالح في إثيوبيا والقرن الأفريقي، لكنه يرى أن أي تدخل مباشر إلى جانب آبي أحمد قد يحمل مخاطر سياسية وشعبية، في ظل حساسية الصراع وارتباطه بمكونات إثيوبية متعددة.
خبيرة في الشؤون الإفريقية: إعلان تحالف القوات الشعبية الإثيوبية من أجل البقاء لم يكن مفاجئًا
وتتفق الدكتورة نجلاء مرعي، أستاذ العلوم السياسية والخبيرة في الشؤون الأفريقية، أن أهمية الإعلان لا تكمن فقط في عدد الجماعات التي انضمت إلى التحالف، وإنما في اتساع نطاق انتشارها الجغرافي، إذ يضم التشكيل قوى تنشط في أقاليم ومناطق مختلفة من إثيوبيا، وهو ما يمكن أن يفرض ضغوطًا متزامنة على الحكومة الفيدرالية، مشيرة إلى أن التحالف بصورته الحالية غير قادر على إسقاط الحكومة سريعًا والسيطرة على أديس أبابا، لكنها ترى أنه قادر على تشتيت القوات الفيدرالية وإطالة أمد المواجهة ورفع كلفتها الاقتصادية والسياسية.
وتؤكد مرعي، في تصريحات خاصة لـ«القاهرة 24»، أن الإعلان عن التحالف لم يكن مفاجئًا بالكامل، وإنما جاء تتويجًا لاتصالات وتقاربات ظهرت خلال الفترة الماضية بين عدد من القوى المعارضة للحكومة الإثيوبية، مشددة على أن التطورات الأخيرة سبقتها مؤشرات على سعي بعض الفصائل إلى توحيد صفوفها، مشيرة إلى إعلان فانو توحيد عدد من فصائلها، إلى جانب اتصالات وتحركات أجراها جيش تحرير أورومو خلال سبتمبر مع قوى معارضة أخرى.
أهداف البيان التأسيسي للقوات الشعبية الإثيوبية من أجل البقاء
ويحدد البيان التأسيسي للتحالف بصورة واضحة طبيعة المشروع الذي تطرحه الجماعات السبع؛ إذ يعلن أن الهدف الأول هو إسقاط نظام حزب الازدهار الذي يقوده آبي أحمد، وتشكيل حكومة انتقالية شاملة تستند إلى ميثاق انتقالي، ثم إطلاق حوار شعبي ودستوري تشاركي، مع وقف الحروب وضمان الحقوق والحريات وتحسين العلاقات مع دول الجوار.
وفي هذا السياق، تعتبر مرعي، أن التحدي الرئيسي أمام التحالف يتمثل في قدرته على تحويل هذا الاتفاق السياسي إلى تعاون عسكري مستدام، في ظل عدم وجود قيادة عسكرية موحدة، واختلاف الأجندات السياسية والإثنية بين مكوناته، موضحة أن الجيش الفيدرالي يحتفظ بتفوق تنظيمي وتقني باعتباره جيش الدولة، بينما تمتلك الجماعات المعارضة ميزة الانتشار الجغرافي والقدرة على خوض مواجهات طويلة تستنزف القوات الحكومية.
وفي الوقت نفسه، تحذر الخبيرة في الشؤون الإفريقية، أنه في حال اندلاع المواجهات واستمرار القتال فقد يهدد اتفاق بريتوريا ويعيد إثيوبيا إلى دائرة صراع أوسع، خاصة في ظل وجود خلافات تاريخية بين بعض مكونات التحالف نفسها، من بينها الخلافات بين تيجراي وأمهرة.
إريتريا في دائرة الاتهام من أديس أبابا
وفي هذا السياق، اتهمت حكومة آبي أحمد أعضاء التحالف بالتعاون منذ فترة بدعم مالي من إريتريا، وقالت المتحدثة باسم رئيس الوزراء، بيلين سيوم، إن الإعلان الأخير يمثل، من وجهة نظر الحكومة، دليلًا على ما كانت تقوله مرارًا بشأن هذا التعاون.
وردًا على تلك الادعاءات التي صرحت بها أديس أبابا، نفت إريتريا اتهامات مماثلة بدعم جماعات متمردة في إثيوبيا، بحسب ما نشرته رويترز.
ولا تحصر الدكتورة نجلاء مرعي، تداعيات التحالف في الداخل الإثيوبي، إذ ترى أن أي إضعاف للحكومة المركزية سينعكس على ملفات إقليمية مثل العلاقات مع إريتريا والسودان والصومال، فضلًا عن التحركات الإثيوبية المتعلقة بالحصول على منفذ بحري، مشيرة إلى أن انشغال الحكومة بمواجهة ضغوط داخلية متزايدة قد يحد من قدرتها على التحرك في الملفات الخارجية.
وتضع مرعي الأزمة في إطار أوسع من مستقبل آبي أحمد رئيس الوزراء نفسه، معتبرة أن جوهر المشكلة يرتبط ببنية الدولة الإثيوبية وتوزيع السلطة والثروة والنفوذ بين المكونات والقوميات المختلفة، لافتة إلى أن حدوث تغيير سياسي في قيادة البلاد لن يعني بالضرورة انتهاء الصراعات، لأن جذور الأزمة ستظل مرتبطة بالترتيبات الدستورية والفيدرالية والخلافات بين الأقاليم والمكونات المختلفة.
أما عن مستقبل التحالف، فترى أنه سيتوقف بدرجة كبيرة على قدرته على تجاوز خلافاته الداخلية والحفاظ على التنسيق بين مكوناته، وعلى طبيعة الدعم الخارجي الذي قد يحصل عليه، مشيرة إلى أن حصول الجماعات المسلحة على أسلحة متطورة، خصوصًا أنظمة دفاع جوي، أو امتلاكها ممرات إمداد آمنة، يمكن أن يؤثر في طبيعة المواجهة ويحد من بعض عناصر التفوق العسكري الحكومي.
ولا يبدو أن الإعلان عن «تحالف البقاء» يحسم وحده مستقبل الصراع في إثيوبيا، لكنه ينقل المعارضة المسلحة من حالة التوزع الجغرافي إلى محاولة بناء إطار مشترك يضم قوى من عدة أقاليم، وبينما يراهن التحالف على توحيد خصوم الأمس تحت هدف إسقاط حكومة آبي أحمد وإقامة مرحلة انتقالية، تراهن الحكومة على قدرتها العسكرية والسياسية على احتواء هذا التحدي.
ويبقى الاختبار الأساسي خلال المرحلة المقبلة في مدى قدرة القوى السبع على الحفاظ على التنسيق الذي جمعها، وما إذا كان التحالف سيظل إعلانًا سياسيًا واسعًا، أم يتحول إلى تنسيق ميداني قادر على فتح جبهات متزامنة ضد الحكومة الفيدرالية، وفي الحالتين، فإن اتساع رقعة المواجهة يضيف طبقة جديدة إلى أزمة إثيوبية تتجاوز الصراع على الحكومة إلى مستقبل العلاقة بين المركز والأقاليم وشكل الدولة نفسها، ويكشف بأن أوار تلك الصراعات يشعلها آبي أحمد بسوء تقديره لسياسات يحاول رسمها في الداخل والخارج وهو ما يزعزع استقرا أديس أبابا ومنطقة القرن الإفريقي بالكامل.



