فى الماضى البعيد – الذى لم نشهده – كانت هناك وظائف رسمية أو حكومية قليلة، وأحياناً كانوا يطلقون عليها «الميرى»، ونظراً لأنه كان الموظف فى ذلك الوقت هو الأكثر رفاهية ومعيشة فى رخاء، فخرج المثل الذى كان مشهوراً «لو فاتك الميرى، إتمرغ فى ترابه»، لما فى الوظيفة من مميزات دخل شهرى ثابت ومعتبر وتأمين صحى، واستمارات سفر مجانية بالقطارات للموظف كل صيف سنوياً، وفى المقابل كانت الحرف كلها أو معظمها قليلة الدخل، أو بعائد محدود جداًًً، وكان التعليم بالطبع غير متاح إلا لأبناء طبقات معينة.
لذلك – خاصة بعد ثورة يوليو 1952- وإتاحة مجانية التعليم، كانت هناك انطلاقة كبيرة وغير مسبوقة فى الإقبال على إلحاق الصغار بالمدارس، وحدثت طفرة كبيرة جداً فى هذا المجال، وكان الهدف الأول من التعليم هو الحصول على وظيفة، ونظراً لقلة عدد السكان حينئذ، كانت الوظائف متاحة، وكل خريج من أى مستوى تعليمى من الابتدائية إلى الجامعة كان يجد وظيفة، وحتى غير المتعلمين كان يحصلون على وظائف فى الأعمال المعاونة.
ومع تزايد عدد الخريجين من الحاصلين على الشهادات من الدبلومات الفنية مروراً بالمعاهد المتوسطة، وصولاً إلى الجامعات كان هناك نظام «القوى العاملة» التى يتقدم لها الخريج بأوراقه وبعدها يتم إلحاقه بوظيفة ولو غير مناسبة وحتى بعيداً عن تخصصه، وكان ذلك يحدث كثيراً جداً.
على أى حال فى كل هذه المراحل الزمنية، تميزت الثانوية العامة والتى كان اسمها حينها «البكالوريا»، ومن يحصل عليها يتفاخر بها ويتباهى لأنها كافية للحصول على وظيفة معقولة، أو الالتحاق بالجامعة والحصول على شهادة عالية، إضافة إلى ذلك كانت هذه «الشهادة» أو المرحلة التعليمية تمثل محطة دراسية فى غاية الأهمية، لأنها تحدد مستقبل الشخص والسبيل لتحقيق طموحه، خاصة مع الاتجاه إلى ما يسمى كليات القمة من الطب والهندسة والاقصاد والعلوم السياسية والإعلام، وأصبح الطلاب يضعون أهدافاً أمام أعينهم يريدون الوصول إليها.مع تعقيد الأمور والتفكير بهذا المنطق، تحولت الثانوية العامة إلى «بعبع» يرعب التلاميذ وأولياء الأمور، وبسببها تعلن حالة الطوارىء فى البيوت، ويعم التوتر والقلق، ولا صوت يعلو على صوتها، وكأنها حرب لابد من الانتصار فيها، أو نهاية الحياة والفرصة الأخيرة، لذا تحولت إلى حالة من الاستنزاف لدخل الأسرة التى تضحى بكل شىء من أجل توفير الكتب الخارجية، ثم ما ابتلينا به من آفة الدروس الخصوصية التى اجتاحت التعليم.
كما ابتلينا بالتفنن فى وسائل الغش من «البرشامة» والغش الجماعى إلى الوسائل الإلكترونية بالموبايل والسماعات وغيرها، وتفنن الغشاشون فى وضعها فى أذانهم، حتى ابتدعت طالبة طريقة لزرع السماعة فى مروحة صغيرة بهدف استخدامها فى الغش.
لا أحد ينكر أن نظم التعليم قد شهدت الكثير من عمليات التطوير والأنظمة ومحاولة الاستفادة من تجارب الدول الأخرى، ومنظومات ونظم -لا اعرف عددها- حتى أنه بعد عدة عقود عاد اسم الشهادة القديم إلى البكالوريا من جديد، وتم إلغاء نظام الثانوية العامة التقليدى، بهدف إحداث نقلة نوعية فى مسار التعليم قبل الجامعى، وإتاحة الفرصة للتحسين، وإحداث تغيير جذرى فى العملية التعليمية، حيث يركز على النظام الحديث على التقييم المستمر والمهارات المتكاملة بدلاً من الاعتماد على الامتحان النهائي.
كما يهدف هذا التغيير إلى تخفيف الضغوط النفسية عن الطلاب وأسرهم، والانتقال نحو نموذج تعليمى يركز على الإبداع والتفكير النقدى بدلاً من الحفظ والتلقين، ثم تعدد الخيارات أمام الطلاب للالتحاق بالجامعات.
ولا شك أن الثانوية العامة تمثل محطة مهمة فى رحلة التعليم وبناء المستقبل وحياة الطالب، ويكاد عدد الطلاب الدارسين فى هذه المرحلة ويؤدون امتحان الشهادة هذا العام يقترب من المليون، لكنها ليست نهاية الطريق ولا الطموح، بعد أن أصبح سوق العمل مفتوحا أمام التخصصات الحديثة، والاختيارات متعددة، وحان الوقت للتخلص من الثقافة البالية والعفريت الوهمى، الذى حضّرناه بأنفسنا، وعلينا أن نصرفه، ونعود إلى التفكير المنطقى والواقعى، ومواكبة ظروف العصر.



