فرحنا بفريق الكرة.. أسبوع أو أكثر ونحن فى حالة نشوة عارمة.. وربما نستمر فى ذلك الفرح لأيام أخرى.. نحن نستحق ذلك الفرح قطعًا.. ونستحق ما هو أكثر.. وفى غمرة أفراحنا لم يخلُ الأمر من دخان كثيف عاصف.. لم نكن فى حالة انتباه كاملة له.. طغى فرح صلاح ومن معه حتى على أخبار حرب أمريكا وإيران التى عادت مجددًا.
الآن عُدنا إلى حرب الفضاء الإلكترونى.. دخان كثيف خانق.. رغم أن تلك الحرب لا حطب فيها ولا نيران.. تفاصيل صغيرة مزعجة لكنها أجهدتنا دون أن ندرى.
خناقة بين فتاة تزعم أن والدها يريد تزويجها لمسن عربى.. بأبخس الأثمان.. وأن إخوتها يحرضونها وهى بنت العشرين على هذه الزيجة.. ولم تكتفِ بالسرد.. بل أذاعت تسجيلات صوتية لأفراد زعمت أنهم من أسرتها يتفاوضون على بيعها.. وزعمت أنها ف الشارع.. ف اليوم التالى وبعد أن قامت قيامة السوشيال ميديا.. خرج أهل قريتها يكذبونها.. ويمدحون والدها.. وبعضهم قال إنه إمام جامع.. فى اليوم التالى.. تنازلت الفتاة عن شكواها.. وخرج الأب من قسم الشرطة.. وخرجت هى إلى الفضاء الإلكترونى لتقول إنها باست إيد أبوها وانتهى الأمر وليلزم الجميع داره.. وشكر الله سعيكم جميعًا.
حالة غريبة.. سهولة ورعونة فى استخدام وسائل التواصل الاجتماعى.. إجهاد لأجهزة الأمن.. غياب تام لدور العواقل وكبار العائلات والعمد والمشايخ فى القرى.. كشف لستر ريف مصر برعونة سافلة.. لا أعنى قطعًا أن الحال على ما يرام.. وأن كل حاجة تمام.. لكن الفضاء العام مثلما نقل إلى العالم كله تلك الصورة المدهشة لطريقة حب المصريين لبلدهم وعلمهم وكل ما ينتمون إليه.. هو العالم نفسه الذى استقبل تلك الحالة وبالطبع لن يتعامل معها باعتبارها حالة فردية.
تلك السيولة فى التعامل مع السوشيال ميديا خرجت ببطن البيوت إلى العلن.. جعلت من خناقة تافهة لمحامية شابة فى سوهاج حدثًا.. ملايين المتضامنين خرجوا زرافات يطعنون فى نقابة عريقة لأنها من وجهة نظرهم افترت على محامية شابة ومنعتها من العمل؛ لأنها جميلة ولا ترتدى الحجاب.. ثم سرعان ما تحول كل هؤلاء الغاضبين إلى متنمرين لمجرد اكتشافهم أن صورة الفتاة الجميلة تلك مصطنعة أو ملعوب فيها بالذكاء الاصطناعى.
رجل يلقى بزوجته من التالت.. تتهمه هو وحماتها.. ويزعم هو أنها ألقت بنفسها ولم يمسسها أحد.. أخرى تظهر فى فيديو تضرب رجلًا بالقلم فى عرض الشارع بعد أن وثقه آخر وشل حركته لتتمكن هى من معاودة صفعه بالقلم أكتر من مرة ثم تنبرى قنوات تليفزيونية لاستضافتها واستضافة الضارب والمضروب.. وحواديت عن علاقات غير مشروعة.. وزواج عرفى.. وهى قصص مزعجة يؤدى تراكمها والإلحاح على انتشارها إلى خلق صورة ذهنية سافلة عن بلد يحارب فى جبهات شتى ليستعيد عافيته.
لن أتطرق إلى خناقة نقيب الموسيقيين وأهل الشرقية.. التى اتضح فى نهايتها أنه فيديو قديم أثناء الانتخابات ومجتزأ بطريقة ما.. خناقة أخرى بطلها ياسر جلال الذى فتح موال الملكية الفكرية وحقوق المبدعين، وهى قضية جادة جدًا، لكنها تحولت فى الهيصة إلى مجرد خناقة.. الأمر نفسه جعل البعض يتعامل مع قانون شديد الأهمية ناقشه البرلمان لتنظيم جهاز مستقبل مصر بنفس تعاملهم مع فيديو قديم لسيدات من الصعيد يطلقن النار من بنادق آلية فى فرح.. بالتزامن مع خناقة بين سيدات بالسلاح الآلى فى قنا.. حالة من السيولة طمست الجاد والضرورى بالتوافه.. أجهدت عقولنا.. وأجسادنا حتى كدنا لا نرى الطريق.. دخان كثيف بلا حطب أو نار لكنه يعوق حركتنا إلى المستقبل.. فكيف نمضى بالله عليكم.. هذا الفضاء العام صار مزعجًا إلى حد الخبل.. فهل نحن منتبهون؟


