تقنية جريدة الجمهورية

بناء القوة الصناعية.. الصين درسًا وبريكس مجالاً ومصر مشروعًا

فى عالم تتغير فيه خرائط القوة بوتيرة متسارعة، لم يعد من الممكن النظر إلى الصناعة باعتبارها مجرد أحد قطاعات الاقتصاد التى تقاس أهميتها بحجم الإنتاج أو قيمة الصادرات أو عدد المصانع، وإنما أصبحت الصناعة واحدة من أهم الأدوات التى تستطيع الدولة من خلالها تحويل إمكاناتها الكامنة إلى قدرات فعلية، وتحويل ال...

بناء القوة الصناعية.. الصين درسًا وبريكس مجالاً ومصر مشروعًا
13 مشاهدة

اقرأ من المصدر

جريدة الجمهورية

زيارة المصدر

فى عالم تتغير فيه خرائط القوة بوتيرة متسارعة، لم يعد من الممكن النظر إلى الصناعة باعتبارها مجرد أحد قطاعات الاقتصاد التى تقاس أهميتها بحجم الإنتاج أو قيمة الصادرات أو عدد المصانع، وإنما أصبحت الصناعة واحدة من أهم الأدوات التى تستطيع الدولة من خلالها تحويل إمكاناتها الكامنة إلى قدرات فعلية، وتحويل الموارد إلى معرفة، والمعرفة إلى تكنولوجيا، والتكنولوجيا إلى قدرة إنتاجية، والقدرة الإنتاجية إلى استقلال نسبى فى القرار، ثم إلى نفوذ وتأثير وقدرة على الصمود والمناورة فى بيئة دولية شديدة الاضطراب.

وحين ننظر إلى التجربة الصينية خلال العقود الأخيرة، فإن أول ما يلفت الانتباه عادةً هو حجم المصانع، وقيمة الصادرات، واتساع الأسواق التى تصل إليها المنتجات الصينية، والتقدم الهائل فى قطاعات التكنولوجيا والطاقة والسيارات والاتصالات. لكن اختزال التجربة الصينية فى هذه المؤشرات الاقتصادية، رغم أهميتها، يعنى أننا نرى النتيجة ولا نرى العملية التى صنعتها. فالصين لم تصبح قوة كبرى لأنها أنتجت سلعًا أكثر من غيرها فقط، وإنما لأنها حولت الصناعة إلى واحدة من أهم الأدوات التى أعادت بها بناء قدراتها الوطنية، وأعادت تعريف موقعها فى الاقتصاد والسياسة الدوليين.

ومن هنا تأتى الفكرة الأساسية التى ينطلق منها هذا المقال، فى كون  الصناعة ليست مجرد نشاط لإنتاج السلع، وإنما عملية لإنتاج القوة ذاتها. فالمصنع لا ينتج سلعة فقط، وإنما ينتج فى الوقت نفسه مهارات وخبرات ومعرفة وشبكات موردين وتكنولوجيا وقدرة على الابتكار، ويربط التعليم بالاقتصاد، والبحث العلمى بالإنتاج، والبنية التحتية بالأسواق، والسوق المحلية بالأسواق الخارجية.

تمتلك الدولة سوقًا كبيرة، وموقعًا جغرافيًا مهمًا، وموارد بشرية واسعة، ورأس مال وطاقة وموارد طبيعية، لكنها لا تصبح بالضرورة دولة صناعية قادرة على المنافسة والتأثير. ما يحسم الفارق هو القدرة المؤسسية والتكنولوجية والتنظيمية على تحويل هذه الموارد إلى قدرات إنتاجية تتراكم بمرور الزمن.

وبهذا المعني، تصبح الصناعة معمل تحويل استراتيجى تنتقل من خلاله الدولة من امتلاك عناصر كامنة للقوة إلى امتلاك قدرات فعلية يمكن استخدامها فى الاقتصاد والسياسة والأمن والتكنولوجيا. فالموارد البشرية لا تتحول تلقائيًا إلى قوة اقتصادية، وإنما تحتاج إلى تعليم وتدريب ومؤسسات إنتاجية تستوعب المهارات وتطورها، ورأس المال لا يتحول تلقائيًا إلى قوة صناعية وإنما يحتاج إلى استثمار فى المعدات والتكنولوجيا والبنية الأساسية، والموقع الجغرافى لا يتحول وحده إلى ميزة تنافسية وإنما يحتاج إلى موانئ وطرق ولوجستيات ومناطق صناعية وأسواق قادرة على تشغيله.

ومن هنا يمكن صياغة السلسلة التى تحكم هذا التحليل، والمتمثلة في: قاعدة القوة، ثم التصنيع، ثم المعرفة، ثم التكنولوجيا، ثم القدرة الإنتاجية، ثم الاستقلال النسبى فى القرار، ثم النفوذ، وصولاً إلى القوة الشاملة للدولة.

أولاً: الصين.. حين تحولت الصناعة
 
إلى مشروع لبناء القوة

حين ننظر إلى الصين اليوم باعتبارها إحدى أكبر القوى الصناعية والاقتصادية فى العالم، قد يبدو المشهد نتيجة طبيعية لحجم السوق والسكان وقوة العمل، لكن هذه العناصر وحدها لا تفسر التحول. فالصين لم تكن تفتقر إلى الموارد قبل عام 1978، وإنما إلى القدرة على تحويلها إلى قوة إنتاجية متراكمة. ومن هنا فإن قصة الصعود الصينى ليست فقط قصة ما كانت تملكه الصين، وإنما قصة كيف تعلمت تحويل ما تملكه إلى قدرة.

وفى التجربة الصينية، لم تكن الصناعة قطاعًا منفصلاً، وإنما جزءًا من عملية أوسع ارتبطت بإصلاح الزراعة، وإطلاق قوة العمل، والتجريب والتعلم، والانفتاح على العالم، وتراكم الخبرة والتكنولوجيا. ومع الوقت انتقلت الصين من استغلال مزاياها الأولية إلى تطوير مزايا جديدة، ومن التجميع إلى تعميق التصنيع، ومن استخدام التكنولوجيا إلى امتلاك قدر متزايد من المعرفة المرتبطة بها. ومن هنا تأتى المحطات السبع التالية باعتبارها حلقات فى مسار واحد، انتهى بتحول الصناعة من وسيلة لإنتاج السلع إلى أحد مصادر القوة الاقتصادية والاستراتيجية للصين. فالصين لم تصبح قوة صناعية لأنها أنتجت أكثر فقط، وإنما لأنها بنت قدرة أكبر على الإنتاج.

١ــ من سبعينيات التحول إلى الصين الصناعية

لفهم الصين الصناعية التى نراها اليوم، لا يكفى أن نبدأ من مصانعها العملاقة وشركاتها العالمية، وإنما ينبغى أن نعود إلى نقطة التحول التى بدأت فى أواخر سبعينيات القرن الماضي. فقد انطلقت الإصلاحات عام 1978 فى مجتمع كانت الزراعة تمثل فيه قاعدة أساسية للنشاط الاقتصادي، وكانت الدولة تدير الاقتصاد بدرجة عالية من المركزية. ولذلك لم يكن التحول الصينى قرارًا ببناء مصانع ضخمة بقدر ما كان إعادة صياغة تدريجية للعلاقة بين الدولة والسوق والزراعة والريف والعمل والإنتاج.

وكانت إحدى السمات اللافتة فى هذا المسار وجود وضوح فى الاتجاه الاستراتيجى مع مرونة فى الوسائل.

وقد وثق البنك الدولى وصندوق النقد الدولى هذا النهج التدريجى الذى بدأ بالإصلاح الريفي، ثم توسع إلى مؤسسات الأعمال الريفية والمناطق الاقتصادية الخاصة والانفتاح التجارى والاستثماري.

2ــ من إصلاح الزراعة إلى بناء الصناعة

ومن أهم ما يميز التجربة الصينية أن الانتقال من الاقتصاد الزراعى إلى الاقتصاد الصناعى لم يبدأ بمحاولة القفز فوق الزراعة، وإنما بدأ بإطلاق جزء من طاقتها الإنتاجية. فقد ساهم نظام المسئولية الأسرية فى تغيير الحوافز داخل الريف ورفع الإنتاج الزراعي، بينما ساعد نمو مؤسسات الأعمال الريفية على خلق مساحة وسيطة بين الاقتصاد الزراعى والاقتصاد الصناعي، وأتاح ذلك انتقال جزء من العمالة والموارد تدريجيًا إلى أنشطة غير زراعية. وقد أشار البنك الدولى إلى الارتفاع الكبير فى إنتاج الحبوب بعد تعزيز هذه الحوافز، وإلى الدور الذى لعبته الإصلاحات الريفية فى إطلاق قوة العمل نحو أنشطة أخري.

3ــ ذاكرة الفشل والقدرة على تحويل التاريخ إلى خبرة مؤسسية

لا يمكن فهم التحول الصينى من دون التعامل مع الخلفية الثقيلة للتجربة السابقة. فالمجاعة التى ارتبطت بفترة القفزة الكبرى إلى الأمام بين 1959 و1961 كانت كارثة إنسانية هائلة، وتشير تقديرات منشورة فى وثائق البنك الدولى إلى سقوط عشرات الملايين من الضحايا. ولا يصح اختزال أسباب هذه الكارثة فى عوامل خارجية.

ومن هنا يمكن فهم أهمية التجريب والتدرج لاحقًا؛ فالدولة التى مرت بتجربة مكلفة كهذه أصبحت أكثر اهتمامًا باختبار السياسات، وقياس نتائجها، وتصحيح مسارها، والتوسع فيما يثبت نجاحه. وكأن التاريخ تحول من مجرد ذاكرة مؤلمة إلى خبرة مؤسسية فى إدارة التحول.

٤ــ الانفتاح واستخدام العالم لبناء القدرة الوطنية

ثم جاءت واحدة من أكثر مفارقات التجربة الصينية أهمية، فالصين لم تبنِ قوتها الصناعية من خلال الانغلاق، وإنما من خلال انفتاح محسوب على العالم. فقد استفادت من الاستثمار الأجنبى والتجارة والتكنولوجيا والأسواق الخارجية، لكنها لم تتعامل مع هذه العناصر باعتبارها بديلاً عن بناء القدرة الوطنية، وإنما باعتبارها أدوات تساعدها على بناء هذه القدرة.

فالعالم الخارجى أصبح بالنسبة إلى الصين سوقًا ومدرسة فى الوقت نفسه. الشركات تتعلم من التكنولوجيا والمعايير الدولية، والعمال يتعلمون من طرق الإنتاج الحديثة، والموردون المحليون يدخلون تدريجيًا فى سلاسل الإنتاج، والدولة تتعلم من التجارب الاقتصادية المختلفة.

٥ــ من الميزة التنافسية إلى القدرة على إعادة إنتاجها

لم تتوقف الصين عند الميزة التى وفرتها لها العمالة منخفضة التكلفة أو اتساع السوق. فالميزات التنافسية تتغير، والأجور ترتفع، والتكنولوجيا تتطور، والأسواق تتحول. ولذلك فإن القوة الحقيقية ليست فى امتلاك ميزة فى لحظة معينة، وإنما فى امتلاك القدرة على إعادة إنتاج الميزة التنافسية كلما تغير العالم.

وهنا حدث الانتقال من التجميع إلى التصنيع، ومن التصنيع إلى المكونات، ومن المكونات إلى التصميم، ومن التصميم إلى التكنولوجيا والابتكار. وهذه الرحلة هى التى تفسر لماذا أصبحت الصناعة الصينية اليوم مختلفة جذريًا عن الصناعة التى بدأت بها رحلة الإصلاح.

٦ــ عمق التصنيع كعلامة لمنتج الدولة

من هنا يظهر مفهوم عمق التصنيع. فهناك فرق بين دولة تقوم بتجميع منتج مستورد المكونات، ودولة تنتج المكونات نفسها، ودولة تمتلك تصميم المنتج وتكنولوجيته وبرمجياته وعلامته التجارية وشبكة مورديه. قد تحمل المنتجات فى الحالات الثلاث عبارة واحدة، لكن القيمة الاستراتيجية التى تحتفظ بها الدولة تختلف بصورة جوهرية.

ولهذا ينبغى أن تعرف الدولة عن المنتج الذى تنتجه، وكم جزءًا من سلسلة القيمة تمتلكه؟ وهل تستطيع تطويره؟ فكلما ارتفع عمق التصنيع، ارتفعت قدرة الدولة على الحركة المستقلة. وهذا لا يعنى الاكتفاء الذاتى الكامل، وإنما يعنى ألا يتحول الاعتماد الخارجى فى القطاعات الحيوية إلى نقطة ضعف استراتيجية.

٧ــ الصناعة من إنتاج السلع إلى إنتاج القوة

مما سبق يتضح لماذا أصبحت الصناعة الصينية جزءًا من القوة الجيوسياسية للصين. فالصناعة بنت شركات، والشركات بنت أسواقًا، والأسواق خلقت علاقات، والتكنولوجيا صنعت نفوذًا، وسلاسل الإمداد أصبحت جزءًا من الحضور الدولي.

ومن ثم فإن الصناعة لا تنتج السلع فقط؛ إنها تنتج القدرة على الاختيار. والدولة التى تستطيع أن تنتج وتطور وتصدر وتوفر البدائل تكون فى موقع تفاوضى مختلف عن دولة تعتمد بصورة أكبر على استيراد احتياجاتها الحيوية

ثانيًا: بريكس والبحث عن القوة الصناعية فى الفضاء الدولي

إذا كانت الصين تكشف لنا كيف يمكن بناء القوة الصناعية من الداخل، فإن السؤال التالى هو «أين تتحرك هذه القوة بعد بنائها؟»، فالصناعة تحتاج إلى أسواق، والتكنولوجيا إلى شراكات، والاستثمار إلى شبكات، وسلاسل الإمداد إلى تنوع، والمنتج إلى فضاء دولى يتيح له المنافسة والتوسع. ومن هنا تكتسب بريكس أهميتها، باعتبارها مجالاً لتوسيع الخيارات وتنويع الشراكات والأسواق ومصادر الاستثمار والتكنولوجيا.

١ــ بريكس كمعنى أكبر من مجرد تجمع اقتصادى

تنعقد القمة الثامنة عشرة لبريكس فى نيودلهى يومى 12 و13 سبتمبر 2026، بمشاركة مصر كعضو كامل. وقد توسعت المجموعة إلى 11 عضوًا و10 دول شريكة، بينما تتناول أجندتها الحالية ملفات تتجاوز التجارة التقليدية إلى الاستثمار والتكنولوجيا وأمن الطاقة والغذاء والابتكار وسلاسل الإمداد.

من هنا، فإن أهمية بريكس لا تكمن فقط فى حجم الاقتصادات التى تضمها، وإنما فى أنها تمثل واحدة من المساحات التى تتشكل داخلها أنماط جديدة من التعاون بين اقتصادات صاعدة ودول تسعى إلى توسيع هامش حركتها داخل النظام الدولي.

٢ــ تنويع الخيارات لا استبدال المعسكرات

بالنسبة إلى مصر، لا ينبغى قراءة بريكس بمنطق الانتقال من معسكر إلى آخر. فمصر لا تحتاج إلى استبدال شريك بشريك، وإنما تحتاج إلى توسيع دوائر الحركة. وهذه نقطة تتسق مع مفهوم الاتزان الاستراتيجي؛ فالدولة الأكثر قدرة على المناورة هى الدولة التى تمتلك بدائل متعددة.

من هنا فإن تنويع العلاقات الاقتصادية لا ينبغى أن يكون غايته فقط زيادة عدد الشركاء، وإنما زيادة عدد الخيارات المتاحة أمام الاقتصاد المصرى فى الأسواق والاستثمار والتكنولوجيا والتمويل وسلاسل الإمداد.

٣ــ بريكس والصناعة من السوق إلى شبكة الإنتاج

هنا تصبح العلاقة مع الصناعة مباشرة. فبريكس يمكن أن توفر لمصر أسواقًا جديدة، لكنها يمكن أن توفر أيضًا شركاء صناعيين، ومصادر استثمار، وفرصًا للتعاون التكنولوجي، ومساحات للدخول فى سلاسل قيمة أوسع.

فالشراكة الصناعية التى تنقل المعرفة وتربط الشركات المصرية بسلاسل الإمداد الدولية أكثر أهمية من صفقة تجارية تنتهى بمجرد تسليم البضاعة.

٤ــ  بريكس والتكنولوجيا من استيراد الآلة إلى امتلاك المعرفة

هنا يصبح السؤال التكنولوجى جوهريًا. فمصر لا تحتاج فقط إلى استيراد التكنولوجيا، وإنما تحتاج إلى استخدام التعاون الدولى فى بناء القدرة على فهمها وتطويرها. والفرصة الحقيقية فى التعاون مع القوى الصناعية داخل بريكس هى أن يصبح الاستثمار قناة للتعلم، وأن تصبح التكنولوجيا المستوردة نقطة بداية لتطوير المعرفة المحلية.

فالآلة يمكن شراؤها، لكن المعرفة التى تقف خلفها تحتاج إلى بناء. ولذلك ينبغى أن تقاس الشراكات التكنولوجية ليس فقط بحجم المعدات أو الاستثمارات، وإنما بما تضيفه إلى رأس المال البشرى ومراكز البحث والشركات المحلية.

٥ــ بريكس وسلاسل الإمداد.. تحقيق الأمن الاقتصادى فى عالم مضطرب

كشفت الأزمات العالمية المتتالية أن سلاسل الإمداد أصبحت جزءًا من الأمن الاقتصادي. فالحروب والعقوبات واضطرابات الطاقة والممرات التجارية أظهرت أن الاعتماد المفرط على مصدر واحد يمكن أن يتحول إلى نقطة ضعف.

وهنا يمكن لبريكس أن تمثل إحدى شبكات المرونة التى تساعد مصر على تنويع مصادر الطاقة والغذاء والمكونات والأسواق والتكنولوجيا. لكن القيمة الحقيقية لا تتحقق بمجرد التنويع، وإنما عندما يتحول هذا التنويع إلى قدرة مصرية أكبر على الإنتاج والاختيار.

٦ــ  من قناة السويس إلى بريكس.. الجغرافيا تبحث عن الصناعة

هنا تظهر الخصوصية المصرية. فمصر لا تمتلك فقط سوقًا كبيرة، وإنما تمتلك قناة السويس، وموانئ البحر المتوسط والبحر الأحمر، والمنطقة الاقتصادية، وموقعًا يربط آسيا وأفريقيا وأوروبا والعالم العربي.

والتحدى هو أن تتحول هذه الجغرافيا من موقع عبور إلى منصة إنتاج. فالقوة الأكبر ليست أن تمر البضاعة عبر مصر، وإنما أن تأتى المواد الخام ورأس المال والتكنولوجيا إلى مصر، وأن تتم عمليات التصنيع والقيمة المضافة فيها، ثم تخرج المنتجات منها إلى أسواق متعددة.

 ثالثًا: مصر من امتلاك عناصر القوة إلى بناء القوة الصناعية

إذا كانت الصين تقدم درسًا فى كيفية بناء القوة، وكانت بريكس توفر مجالًا دوليًا يمكن أن تتحرك فيه هذه القوة وتتوسع، فإن السؤال الحاسم يصبح: ماذا تستطيع مصر أن تفعل؟ فمصر لا تبدأ من الصفر، وإنما تمتلك بالفعل عناصر مهمة يمكن تحويلها إلى قوة صناعية: سوقًا كبيرة، وموقعًا جغرافيًا استثنائيًا، وبنية أساسية وموانئ وممرات للتجارة، وقوة بشرية، وشبكة واسعة من العلاقات الدولية. والتحدى الحقيقى ليس فى امتلاك هذه العناصر، وإنما فى تحويلها إلى قدرة إنتاجية متراكمة. وهو الأمر الذى ينبغى أن يتلازم مع تحقيق الشروط التالية:

ــ وضوح الأولويات الصناعية

مصر لا تحتاج إلى تصنيع كل شيء، وإنما إلى تحديد الصناعات التى يمكن أن تمنحها قيمة مضافة وميزة تنافسية وقدرة على التصدير، مع التركيز على الصناعات التى ترتبط بالأمن الاقتصادى والتكنولوجي.

ــ تعميق التصنيع وليس مجرد زيادة عدد المصانع

المعيار ليس كم مصنعًا أُنشئ، وإنما كم نسبة من مكونات المنتج والتكنولوجيا والقيمة المضافة يتم توطينها داخل مصر. والهدف هو الانتقال تدريجيًا من التجميع إلى التصنيع، ومن التصنيع إلى التطوير.

ــ تحويل السوق المصرية إلى قاعدة إنتاج

حجم السوق ميزة مهمة إذا أصبح أداة لتحقيق اقتصاديات الحجم، وتجربة المنتجات، وبناء الشركات، ثم الانطلاق منها إلى التصدير، وليس مجرد سوق للاستهلاك.

ــ ربط الاستثمار بنقل المعرفة

الاستثمار الأجنبى يصبح أكثر قيمة عندما يضيف إلى القدرات المصرية: تدريبًا، وتكنولوجيا، ومراكز بحث وتطوير، وموردين محليين، وقدرة على إنتاج مكونات جديدة.

ــ بناء الإنسان الصناعي

لا يمكن بناء صناعة عميقة من دون عمالة فنية ماهرة، ومهندسين، وباحثين، ومديرين قادرين على التعامل مع التكنولوجيا وتطويرها. ولذلك يصبح التعليم الفنى والتدريب والبحث والتطوير جزءًا من السياسة الصناعية نفسها.

ــ تشغيل الجغرافيا المصرية اقتصاديًا

الموقع وقناة السويس والموانئ والمناطق الاقتصادية يمكن أن تجعل مصر منصة إنتاج ولوجستيات وتصدير، لا مجرد دولة عبور. الجغرافيا تتحول إلى قوة عندما تُشغَّل.

ــ استخدام بريكس لتوسيع القدرة لا لتعويضها

الهدف من بريكس ليس فقط فتح أسواق جديدة، وإنما جذب استثمارات وتكنولوجيا وشراكات وسلاسل إمداد، ثم تحويل هذه العلاقات إلى قدرة إنتاجية مصرية.

ــ استمرارية السياسة الصناعية

وتلخيصًا، يمكن صياغة النموذج المصرى فى معادلة واحدة:

الموارد المصرية + السوق + الجغرافيا + الاستثمار + التكنولوجيا + الإنسان + البنية الأساسية + تنويع الشراكات = قوة صناعية مصرية قابلة للتراكم.

والأهم أن يكون معيار النجاح النهائى هو: «هل أصبحت مصر أكثر قدرة على الإنتاج والتطوير والتصدير والاختيار؟»، لأن هذا هو الفارق بين امتلاك صناعة وامتلاك قوة صناعية.

١ــ مصر لا تحتاج إلى تكرار الصين وإنما

 إلى اكتشاف مسارها الخاص

المقارنة مع الصين لا ينبغى أن تعنى محاولة استنساخها. فمصر لها تاريخها وتركيبتها السكانية والجغرافية وموقعها الدولى ومواردها المختلفة. لكن ما يمكن نقله هو منطق التجربة: وضوح الاتجاه، التراكم، التعلم، الاستثمار فى الإنسان، بناء البنية الأساسية، تعميق التصنيع، واستخدام الانفتاح الخارجى لبناء القدرة الوطنية.

ومن ثم، فإن المطلوب ليس أن تصبح مصر «الصين الجديدة»، وإنما أن تصبح أفضل نسخة ممكنة من قوتها الصناعية الخاصة.

٢ــ  الجغرافيا المصرية من موقع عبور

 إلى منصة إنتاج

مصر تمتلك ميزة يصعب تكرارها، فهى تقع عند تقاطع طرق التجارة، وقناة السويس، والموانئ، والقرب من أفريقيا والعالم العربى وأوروبا. لكن هذه العناصر لا تصبح قوة صناعية إلا إذا ارتبطت بالمصانع والطاقة واللوجستيات والموردين والتمويل والأسواق.

هنا ينبغى أن يصبح الهدف هو بناء مناطق إنتاج لا مجرد مناطق صناعية، بحيث تتكامل المصانع مع الموانئ وشبكات النقل والطاقة والتدريب والخدمات. عندها تتحول الجغرافيا إلى ميزة تنافسية مستدامة.

٣ــ السوق المصرية من الاستهلاك إلى الإنتاج

السوق المصرية الكبيرة يمكن أن تكون واحدة من أهم أصول الصناعة، لكن بشرط ألا تظل مجرد سوق للاستهلاك. فالهدف هو استخدام حجم الطلب المحلى لتحقيق وفورات الحجم، وتطوير الشركات والمنتجات، ثم نقل هذه القدرة إلى الأسواق الخارجية.

٤ــ المعركة الحقيقية فى تعميق الصناعة المصرية

هنا يجب أن ينتقل التركيز من عدد المصانع إلى عمقها. كم مكونًا تنتج مصر؟ كم من التكنولوجيا موجود محليًا؟ كم من القيمة المضافة يبقى داخل الاقتصاد؟ كم شركة مصرية تدخل سلاسل القيمة العالمية؟ وكم منتجًا تستطيع الشركات المصرية تطويره دون الاعتماد الكامل على المعرفة الخارجية؟، هذه الأسئلة هى التى تحدد القوة الحقيقية للصناعة.

٥ــ الإنسان المصرى وسقف التحول الصناعى

لا يمكن بناء هذه القدرة من دون الإنسان. فالمصنع يمكن بناؤه، والآلة يمكن استيرادها، ورأس المال يمكن جذبه، لكن القدرة على تطوير الإنتاج تحتاج إلى مهندس وفنى وباحث ومبرمج ومدير قادر على العمل فى بيئة تنافسية عالمية.

ولهذا يجب أن يصبح التعليم الفنى والهندسى والبحث العلمى والتدريب جزءًا من السياسة الصناعية نفسها، لا ملفات منفصلة عنها. فكلما ارتفعت درجة تعقيد الصناعة، ارتفعت قيمة الإنسان الموجود خلف الآلة.

٦ــ دور الدولة التنموية فى بناء البيئة

 لا إدارة كل مصنع

الدولة هنا لا تحتاج إلى أن تكون المنتج الأكبر، وإنما إلى أن تكون صانع البيئة التى تسمح بالإنتاج. عليها أن تحدد الأولويات، وتوفر البنية الأساسية، وتربط التمويل بالاستثمار المنتج، وتقلل مخاطر الأعمال، وتدعم البحث والتطوير، وتوفر المهارات، وتفتح الأسواق، وتضع معايير واضحة للحوافز الصناعية.

٧ــ بريكس كرافعة للقوة الصناعية المصرية

فإذا استطاعت مصر جذب استثمارات صناعية من دول بريكس، وربطها بالشركات المصرية، وتوطين جزء من التكنولوجيا، وزيادة القيمة المضافة المحلية، ثم استخدام موقعها للوصول إلى أفريقيا والعالم العربى وأوروبا، فإن بريكس تتحول من عضوية سياسية واقتصادية إلى رافعة للقوة الصناعية المصرية.

٨ــ  مصر من قاعدة صناعية إلى قوة صناعية

وهنا يصبح أمام مصر أكثر من مستوى ممكن للتحول. يمكن أن تستمر فى توسيع القاعدة الصناعية، وهذا فى حد ذاته مهم، لكنها تستطيع أن تذهب أبعد من ذلك ببناء قاعدة صناعية إقليمية تستفيد من السوق والموقع والبنية الأساسية، ثم تستطيع أن تذهب إلى المستوى الأكثر طموحًا، وهو بناء قطاعات صناعية تكنولوجية تمتلك فيها مصر قدرًا متزايدًا من المعرفة والتصميم والابتكار.

فى النهاية، ما سبق يشرح المعادلة كلها، فالصين تشرح كيف تُبنى القدرة، وبريكس توفر أحد مجالات الحركة الدولية لهذه القدرة، ومصر هى صاحبة القرار فى تحويل عناصر قوتها الكامنة إلى قوة فعلية. فالصناعة ليست مجرد سياسة اقتصادية، ولا مجرد وسيلة لزيادة الصادرات، وإنما يمكن أن تصبح مشروعًا لبناء الدولة نفسها.

مقالات ذات صلة