لا تخطئ العين نجما لامعا اسمه سالم الشهبانى يضوى بريقه فى سماء شعر العامية المصرية كأحد أبرز الأصوات التى تسير على درب الكبار فى العقدين الأخيرين وقد تجلت سمات كتابته وترسخت خصوصية تجربته وفرادة صوته الشعرى مبكرا ولم يحتج لوقت طويل ليقول أنا هنا
والشهبانى من تلك الأصوات التى تحب أن تستمع إليها وتأسرك تشكيلاته الشعرية ويجذبك قاموسه وتدهشك رشاقة جملته فضلا عن طريقة أدائه وإلقائه لقصائده مغرما بها قبل المستمع،
فاز الشهبانى بعدد كبير من الجوائز الهامة وشارك بالتحكيم كذلك فى مسابقات كبرى وإنتاج سالم ثرى ومتنوع: بين تجاربه فى شعر العامية وحصيلتها خمسة عشر ديوانا جمعتها مؤخرا أعماله الكاملة وبين مغامرات الكتابة التى دفعته لخوض تجربة السرد عبر الكتابة الروائية فضلا عن الخبرة التى اكتسبها بعدة تجارب فى كتابة السيناريو والدراما التلفزيونية كما كتب عددا كبيرا من الأغنيات الناجحة لعدد من المطربين منهم : على الحجار وغيره ، فيما لم يحرم نفسه من الكتابة للطفل بما يشى بأننا أمام مشروع إبداعى ثرى ومتعدد الوجوه.. «الجمهورية الثقافى» تحاور الشهبانى فى حوار ثرى
> مشروعك الإبداعى يتميز بالثراء الشديد و التنوع.. فكيف تصفه وأنت صاحبه؟
>> مشروعى هو ذلك الطريق الذى بدأته طفلًا يمضى خلف أبيه، متتبعًا أثره، محاولًا ألا يضله. ثم شابا يمضى إلى جواره، ممسكًا بذراعه، فرحًا بأن قامته طالت سنتيمترات.
ثم رجل يهرول أمامه لتمهيد الطريق له حتى لا يتعثر. أبى هو ذلك الدليل، وذلك الموروث الثقافى والإنساني، وتلك البداوة وموروثها الذى أحفظه عن ظهر قلب.
> وما هى درة ذلك المشروع فى نظرك؟
>> اكتب الشعر، واكتب السرد، لكنى ما زلت أشعر بانحياز للشعر.
صدر لى ما يزيد على خمسة عشر ديوانًا شعريًا، ولكنى أحمل إلى ديوان «سيرة الورد» الكثير من الامتنان والحب؛ لأنه كان الديوان الذى كتبت فيه عن بلدتى ووالدى وأمى وأخوتى وأهلى الذين نشأت بينهم إلى جوار البئر والوادى والنخيل والبيوت الطينية ذات الأسقف الغاب، وتلك السنين الأولى التى تزين ذكرياتي.
>نشأت وسط جيل من الشباب كلهم أصحاب أصوات خاصة، لكنهم ليسوا جميعًا أصحاب منجز، فما تفسيرك؟
>>لا شك أن المنجز مرهون بالاستمرارية والمثابرة والعمل منذ اللحظة الأولي، والإيمان بأن لديك شيئًا يجب أن تقوله، والكثير من أبناء جيلي، برغم تجاربهم المبشرة، لكنهم وقعوا مضطرين فى شرك الحياة ولقمة العيش، والتى صرفتهم عن كتابة الأدب، سواء كان شعرًا أو قصة أو رواية، ولا لوم عليهم.. أمام قسوة الحياة.. ومنهم من اكتئب وهجر الكتابة، ولم يكن لديه النفس الطويل والاستمرارية.. الكتابة تحتاج الكثير من الصبر والكثير من الإصرار، وهذا ما أظن أنى حرصت عليه وفهمته منذ البدايات، والحقيقة أنى كنت سعيد الحظ منذ بداياتي، فالكثير من النقاد والشعراء التفتوا إلى تجربتى وأدركوا اختلافها وأنها لا تشبه أحدًا سواي، والحق أيضًا أقول أنى كنت شديد الانضباط مع تجربتي، وكانت بالنسبة لى الاختيار الوحيد كى أكون.
فمنذ سنة 2006 إلى الآن كنت حريصًا أن يكن لى فى كل عام ديوان أو مجموعة قصصية أو رواية. إلى أن أصبح رصيدى ستة عشر ديوانًا ومجموعتان قصصيتان ورواية وثلاث سيناريوهات ، وأنتظر هذا العام ديوانى السابع عشر وروايتى الثالثة.
مشهد العامية
> رغم عدد شعراء العامية الهائل، فإن البعض يرى أن قصيدة العامية تائهة.. فكيف ترى أنت المشهد؟
>>التجارب المتميزة والتى لا تنتج سوى صوتها الخاص قليلة، أمام أعداد كبيرة من الشعراء يعيدون إنتاج أصوات أخري. لكن هذا لا يجعلنا نقول إن قصيدة العامية تائهة، فالموضوع ليس بالكم فى عدد الشعراء، ولكن بما ينجزه أصحاب الأصوات الخاصة والمشاريع المتحققة، فعلى سبيل المثال كان هناك الكثير من الشعراء فى جيل الستينات وما بعد جيل الستينات من أجيال.
لكنك إذا أمعنت النظر فى تاريخ شعر العامية، سوف تعد على أصابعك بالكثير عشرة شعراء هم الكبار بتجاربهم ومشاريعهم وأعمالهم التى ما زالت باقية إلى يومنا هذا وسوف تظل.
>وأين يقف شعر العامية من منجز الآباء الكبار؟
إذا كنت تقصد شعر العامية فى جيلي، فأنا أرى أن جيلى به من الشعراء المتميزين الذين استطاعوا أن يصنعوا لهم صوتًا خاصًا لا يشبه غيرهم، واستطاعوا أن يعبروا عن واقعهم دون أن يقعوا فى شرك التكرار.. أو إنتاج أصوات أخري..
وبالنسبة للآباء الكبار من شعراء العامية، فهم كانوا لنا بمثابة الآباء الذين حملونا على أكتافهم لنرى واقعنا عن قرب وبأعيننا نحن، لا بأعينهم.
> وهل يمكن الإشارة إلى أسماء بعينها ترى أنها أصحاب تجارب لافتة؟
>> هناك أسماء مهمة ولديهم أصوات خاصة، لكن سامحنى حتى لا أنسى أحدًا، فيظن أنى أتجاهله.
جيل الآباء
> لمجدى نجيب وسيد حجاب وطبعا جاهين والأبنودى جميعًا لهم منجز لافت وطعم مختلف فى كتابة الأغنية، فأين ترى موقعك بعد تجارب لافتة ومختلفة فى كتابة الأغنية؟
>> الحقيقة أنى أكتب الأغنية بروح شاعر العامية وليس مؤلف الأغاني، وهذا ما ورثته عن الكبار، أمثال جاهين والأبنودى وسيد حجاب، وأدركته منذ العمل الغنائى الأول مع الفنان الكبير على الحجار، وباقى الأعمال بعد ذلك مع باقى النجوم الذين أسعدنى الحظ بالتعاون معهم.. وأرى أنى فى طريقى لصناعة منجز يشبهنى ويشبه واقعى وتجربتي..
>وهل تعتقد من واقع تجربتك أن كل شاعر عامية موهوب هو شاعر غنائى شاطر؟
>>ليس بالضرورة طبعًا، فكتابة الأغنية تحتاج إلى القدرة على كتابة جملة بسيطة لا تتخلى عن عمقها، جملة بسيطة ليست مباشرة أو ساذجة، وفى نفس الوقت ليست مغرقة فى الغموض أو ملغزة، وهذا موازنة تحتاج إلى قدرة عالية من التمكن، كما أن الأغنية هى عمل جماعى يشترك فيه الملحن والمطرب والموزع الموسيقي، وهذا يحتاج إلى قدرة من المرونة واستيعاب وجهات نظر فريق العمل ككل، حتى يستطيع الشاعر قول ما يريده دون أن يحيد عنه. على عكس القصيدة التى هى فى النهاية عمل فردي.
>كتبت للأطفال أيضًا، حدثنا عن نتائج تلك التجربة وأثرها على مجمل مشروعك؟
الحقيقة إنها تجربة مميزة، وسعدت بها كثيرًا طوال ستة مواسم، كتبت خلالها أكثر من أربعة عشر أغنية للأطفال. ولأنها جاءت ضمن مشروع عالمى هو مسلسل «أهلا سمسم» للأطفال، الذى يذاع فى العديد من القنوات، على رأسها MBC3، ويشاهده الأطفال فى جميع أنحاء العالم، خصوصًا أنه يترجم.. مما جعله فى سنة من السنين مرشحًا ضمن جائزة «إيمى وردز كيدز»
السيناريو والدراما
> وبالنسبة لتجربتك فى الكتابة للدراما وكتابة السيناريو ماذا أضافت لك؟
>> الموضوع بالنسبة لى كان مجرد مغامرة ونوع من التجريب والكتابة فى نوع فنى كنت وما زلت أحمل له الكثير من الشغف
والحق أننى وفقت فى أول سيناريو كتبته لفيلم روائى طويل كان يحمل اسم أصل الصورة ورشح ضمن القائمة القصيرة لجائزة ساويرس
ثم زاد شغفى بهذا النوع الفنى وشاركت فى الكتابة فى مسلسل حد أقصى تأليف هشام هلال وبطولة روجينا وإخراج مايا ذكى والذى عرض ضمن مسلسلات شهر رمضان الكريم وحقق نجاحا جعلنى أشعر بشيء من الرضا والسعادة
والحق أنها كانت تجربة أضافت إلى خبراتى الكثير فى كتابة السيناريو وخصوصا فى الكتابة للدراما التلفزيونية
> وكيف نجوت من فخ الكتابة باللهجة البدوية لغموضها على عموم المصريين؟
>> هذا الأمر كنت أعيه تماما منذ اللحظة الأولى فى طريقى إلى الكتابة وكنت حريصا على نقل الموروث البدوى والتعبير عنه وعن البيئة البدوية دون الوقوع فى شرك لهجة من الممكن أن تكون حاجزا أمام التعرف على تجربتى وعلى هذه البيئة
وأيضا كان لدى تخوف من أن تظل قصائدى وتجربتى فى أفق ضيق من التلقى وهو ما جعلنى أختار العامية القاهرية التى يفهمها الجميع داخل مصر وخارجها وخصوصا أننى أتقنها مثلما أتقن اللهجة البدوية
وقد ساعدنى على ذلك أننى عشت فى القاهرة منذ سنواتى الأولى لكننى كنت أعيش فى مجتمع بدوى يكاد يكون مغلقا على نفسه للحفاظ على عاداته وتقاليده داخل المدينةوكأنك فى قلب القاهرة ترى سيناء صغريوهذا ما شكل ثقافتى التى خرجت مزيجا بين الثقافة البدوية بجذورها الممتدة لآلاف السنين وبين المدنية بتحررها وانفتاحها على العالم
الاتجاه للسرد
> بدا لافتًا أن الشعراء يميلون فى مرحلة ما من مسيرتهم للسرد، وتحديدًا الرواية، فما الذى دفعك للمغامرة نفسها؟
>>الحقيقة أنى لا أرى مسافة كبيرة بين الشعر والسرد، والأمر مرهون بالقدرة على الكتابة وصياغة جملة سردية لا تتورط فى الاختزال ولا تقع فى شرك الترهل والمط، جملة تستطيع أن تعبر عن حكايتك برشاقة وإدهاش، وفيما يخصنى فأنا كتبت الرواية لأنى أنا ابن البيئة البدوية التى تحتفى بالحكاية مثلما تحتفى بالشعر، وهناك الكثير من الحكايات التى لن يستوعبها الشعر لأنه قائم على التكثيف والاختزال، لذلك كان السرد هو الطريق الوحيد لدى لكتابة تلك الحكايات.
>سيرتك الذاتية ثرية، فهل ارتويت من الشعر، وما الذى ما زلت تبحث عنه، وما الذى تلوم نفسك لأنك لم تفعله فى رحلتك مع الكتابة؟
>>أتصور أن الشعر هو هذا النهر الذى كلما مددت كفيك لتحمله، فلن تحمل إلا بقدر كفيك. ولن ترتوى منه.. ما زلت أبحث عن جوانب كثيرة فى نفسى لا أعرفها، والشعر أيضًا هو ذلك الجسر الذى فى كل مرة أعبره أتعرف فيها على ما كنت أجهله عني.. فى الحقيقة لا ألوم نفسى على شيء فى هذه الرحلة، كل شيء جاء وفق ما حلمت وتصورت، كما أنى لم أفوت شيئًا كان بالضرورة فعله ولم أفعله..
>فزت بجوائز متنوعة، وكذلك قمت بالتحكيم فى مسابقات مختلفة، فكيف ترى عدالة الجوائز بشكل عام فى المسابقات الأدبية فى مصر، وما المعيار الذى كنت تحتكم إليه فى تصعيد الأصوات كمحكم؟
>>الحديث عن عدالة الجوائز أمر يحتاج إلى ضبط، فالعدالة هى شيء نسبي، وما تراه أنت عدل قد يراه غيرك غير عادل.. والأمر مرهون بلجان التحكيم وذائقة تلك اللجان، فقد يرفض عمل من لجنة ما ويقبل من لجنة أخري.. ونحن هنا نتحدث عن أعمال تحقق فيها مقومات الإبداع.. فالأمر فى النهاية نسبى ويخضع لذائقة المحكمين .. أما فيما يخص مشاركتى كمحكم فى العديد من الجوائز، فكنت أبحث فى النصوص المقدمة عن الأسلوب المتميز والجملة المختلفة المدهشة، والتناول الجديد للموضوع.
> ما الذى يحتاجه شعر العامية المصرى ليخرج لنا حداد وجاهين والأبنودى من جديد؟ وهل للنقد دور فى هذا الأمر؟
>>نحتاج أن نؤمن أولًا أن بيننا شعراء لا يقلون أهمية عن هؤلاء الكبار الذين مهدوا لنا الطريق وصنعوا لنا منجزًا كبيرًا، وأن نقرأ تجارب هؤلاء الشعراء الشباب جيدًا، وأن ننحاز للجمال دون الخوف من قول رأينا بحجة الشهادة المجروحة.. وبالتأكيد أن للنقد دورًا هامًا فى الإشارة لهذه التجارب ومناقشتها ودراستها.. بما يفتح الباب أمام المتلقى للتعرف عليها، ويدفع هذه التجارب للتطور بشكل أكبر.

