سياسة الجزيرة

الدحيح يروي مأساة "الموت الأزرق" وأغرب حادثة نووية عرفتها البشرية

يكشف "الدحيح" في حلقة (22 يوليو/تموز 2026) كيف تحولت كبسولة سيزيوم مهملة في البرازيل إلى واحدة من أسوأ الكوارث الإشعاعية، مبرزا أن الإهمال وضعف الوعي كانا أخطر من المادة المشعة نفسها.

الدحيح يروي مأساة "الموت الأزرق" وأغرب حادثة نووية عرفتها البشرية
4 مشاهدة

اقرأ من المصدر

الجزيرة

زيارة المصدر

حين يُذكر التلوث النووي، تتجه الأذهان عادة إلى المفاعلات المنهارة والانفجارات الكبرى، لكن برنامج "الدحيح" – الذي تنتجه منصة "AJ+ عربي" ويبث على منصة الجزيرة 360 – يكشف أن إحدى أكثر الكوارث الإشعاعية تدميرا بدأت من جهاز طبي مهمل، وانتهت بتحويل مدينة برازيلية كاملة إلى مسرح لموت صامت لا يُرى بالعين المجردة.

وتعود الحلقة – يمكن مشاهدتها كاملة عبر هذا الرابط – إلى حادثة غويانيا عام 1987، لتعيد بناء تفاصيلها بأسلوب يجمع بين السرد العلمي والكوميديا، موضحة كيف قادت سلسلة من الأخطاء الإدارية والجهل المجتمعي إلى انتشار مادة "السيزيوم-137" بين آلاف السكان، قبل أن تدرك السلطات حجم الكارثة.

اقرأ أيضا

يفتتح مقدم البرنامج أحمد الغندور الحلقة بمشهد تمثيلي يسخر فيه من الصورة السينمائية التي تربط المواد المشعة باكتساب القوى الخارقة، قبل أن يقلب هذه الفكرة رأسا على عقب، مؤكدا أن الإشعاع في الواقع لا يصنع الأبطال، بل يخلّف مآسي إنسانية قد تستمر آثارها لعقود.

ومن هذا المدخل، ينتقل البرنامج إلى مدينة غويانيا البرازيلية، حيث وصلت امرأة إلى مكتب الرقابة الصحية وهي تحمل كيسا بلاستيكيا عاديا، مؤكدة أن ما بداخله يقتل أفراد أسرتها، قبل أن يكتشف الخبراء أن الكيس يحتوي على مصدر إشعاعي بالغ الخطورة أثار حالة استنفار غير مسبوقة.

ولشرح كيف وصلت المادة المشعة إلى هذا المكان، يعود الغندور إلى منتصف ثمانينيات القرن الماضي، عندما انتقلت عيادة متخصصة في علاج السرطان إلى مقر جديد، تاركة وراءها جهاز علاج إشعاعي قديما يحتوي على السيزيوم-137، من دون إخطار الجهات الرقابية كما تقتضي الإجراءات.

وبين نزاع قانوني عطّل الوصول إلى المبنى، وتحذيرات لم تلق استجابة، ظل الجهاز المهمل في موقع مهجور أشهرا طويلة، إلى أن عثر عليه شابان كانا يبحثان عن خردة قابلة للبيع، لتبدأ بذلك سلسلة أحداث ستتحول لاحقا إلى واحدة من أسوأ الكوارث الإشعاعية خارج المفاعلات النووية في التاريخ.

انتشار صامت

وبعد انتزاع الأسطوانة من الجهاز، حملها الشابان عبر شوارع المدينة بحثا عن من يشتريها، غير مدركين أنهما ينقلان مصدرا إشعاعيا شديد الخطورة بين المارة ووسائل النقل والأحياء السكنية، بينما كانت المادة القاتلة تنتشر بصمت مع كل خطوة يقطعانها.

وبعد محاولات متكررة، نجح أحدهما في فتح الكبسولة الداخلية، لتخرج منها مادة تشبه البودرة البيضاء، سرعان ما جذبت انتباه تاجر خردة اشترى القطع المعدنية، قبل أن يكتشف ليلا أن ما بحوزته يصدر توهجا أزرق غامضا أثار فضوله بدل أن يثير خوفه.

ويبين الغندور أن هذا الضوء الأزرق تحول إلى بداية مأساة إنسانية، إذ اعتبره التاجر شيئا ثمينا أو استثنائيا، فاصطحب الكبسولة إلى منزله، وأخذ يعرضها على أفراد أسرته وأصدقائه، بل وزع أجزاء من مادتها المتوهجة بينهم بوصفها شيئا مدهشا يستحق المشاركة.

وسرعان ما تجاوز الأمر حدود الفضول، إذ استخدم بعضهم البودرة المشعة لتزيين أجسادهم، فيما حملها آخرون بأيديهم أو نقلوها بين المنازل وأماكن العمل، حتى إن أحد أقارب التاجر، الذي يعمل سائقا لحافلة، نقل آثارها إلى مركبته، لتتحول وسيلة النقل العامة إلى بؤرة جديدة لنشر التلوث.

ويستعرض البرنامج كيف ظل الإشعاع ينتشر لأكثر من أسبوعين دون أن يدرك أحد مصدره، بينما بدأت الأعراض الغامضة تظهر تباعا على المصابين، من حروق جلدية وقيء وإسهال وتلف في الأنسجة، في وقت أخطأت فيه التقديرات الطبية الأولى، إذ بدت الحالات وكأنها تسمم أو أمراض جلدية عادية.

ولم يبدأ خيط الحقيقة في الظهور إلا عندما لاحظت زوجة تاجر الخردة أن جميع من تعامل مع المادة المتوهجة أصيب بالأعراض نفسها، فجمعت بقايا الكبسولة داخل كيس بلاستيكي، وتوجهت بها إلى مكتب الرقابة الصحية، لتطلق بذلك الإنذار الذي كشف واحدة من أخطر الكوارث الإشعاعية في التاريخ.

دروس الكارثة

ومع تأكيد وجود التلوث الإشعاعي، أعلنت السلطات البرازيلية حالة الطوارئ، وبدأت واحدة من أوسع عمليات الاستجابة في تاريخ البلاد، إذ جرى مسح عشرات الكيلومترات بحثا عن البؤر الملوثة، بينما تحولت المرافق العامة إلى مراكز لفحص السكان وعزل المصابين.

ويستعرض البرنامج كيف خُصص الاستاد الأولمبي لاستقبال عشرات الآلاف من المواطنين، حيث خضع أكثر من 100 ألف شخص للفحوص الإشعاعية، قبل أن تثبت إصابة المئات بالتلوث، فيما احتاجت الحالات الأخطر إلى علاج متخصص وعزل صارم بسبب استمرار انبعاث الإشعاع من أجساد بعض المصابين.

وامتدت المعركة إلى شوارع غويانيا، بعدما اكتشفت فرق الطوارئ عشرات المواقع الملوثة، فجرى هدم منازل وإزالة طبقات من التربة وجمع الأثاث والملابس والمقتنيات الشخصية داخل حاويات خاصة، ثم نقل آلاف الأطنان من النفايات المشعة إلى مواقع دفن آمنة لمنع استمرار انتشار التلوث.

ولا يغفل الغندور الجانب الإنساني للمأساة، إذ يستعيد قصة الطفلة التي أغراها التوهج الأزرق فلعبت بالمادة المشعة قبل أن تفارق الحياة متأثرة بالنزيف الداخلي، كما توفيت زوجة تاجر الخردة بعدما كانت أول من أدرك مصدر الكارثة وساهم في كشفها للسلطات.

لكن آثار الحادثة لم تتوقف عند حدود الإصابات والوفيات، فقد واجه سكان غويانيا عزلة اجتماعية واقتصادية قاسية، بعدما تجنب كثيرون التعامل معهم أو شراء منتجات مدينتهم، في مشهد يعكس كيف يمكن للخوف من المجهول أن يترك ندوبا لا تقل قسوة عن آثار الإشعاع نفسه.

ويختتم البرنامج بالتأكيد على أن كارثة غويانيا لم تكن نتيجة خطأ فردي، بل ثمرة إهمال رقابي وضعف في الوعي، وهي دروس دفعت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى تشديد إجراءات تأمين المصادر المشعة وتحديث معايير السلامة حول العالم.

العلامات

مقالات ذات صلة