استعادت دور السينما في الولايات المتحدة وكندا جانبا كبيرا من زخمها خلال صيف 2026، بعدما جذبت مجموعة متنوعة من الأفلام النساء والمشاهدين الشباب وأعادت إيرادات شباك التذاكر إلى مستويات تقترب من السنوات السابقة لجائحة كورونا، رغم استمرار انخفاض عدد الأفلام المعروضة على نطاق واسع.
وحققت مبيعات التذاكر 4.6 مليارات دولار منذ عطلة نهاية الأسبوع الأولى في مايو/أيار وحتى 30 أغسطس/آب، بزيادة بلغت 26% مقارنة بالفترة نفسها من الصيف الماضي، وفق بيانات شركة "رن تراك" (Rentrak) التي أوردتها وكالة رويترز.
اقرأ أيضا
وساهمت في هذه النتائج أفلام جماهيرية كبيرة، في مقدمتها "سبايدرمان: يوم جديد تماما" (Spider-Man: Brand New Day) لشركة سوني، و"الأوديسة" (The Odyssey) ليونيفرسال، و"حكاية لعبة 5″ (Toy Story 5) من إنتاج بيكسار وديزني.
ولا تقتصر دلالة الموسم على ارتفاع الإيرادات، إذ أظهرت النتائج أن الجمهور لم يعد يتحرك خلف نوع واحد من الأفلام. وجمعت الصالات بين محبي الأبطال الخارقين والرعب والموسيقى والكوميديا والدراما والأفلام المصورة بتقنيات خاصة، في وقت كانت فيه الصناعة تخشى فقدان بعض هذه الفئات لمصلحة منصات البث ومواقع التواصل.
أرقام تقترب من زمن ما قبل الجائحة
يمثل صيف 2026 أفضل أداء موسمي لشباك التذاكر الأميركي والكندي منذ جائحة كورونا، لكنه لا يزال بعيدا عن الرقم القياسي المعدل وفق التضخم، والبالغ 6.8 مليارات دولار في صيف 2013، حين تصدرت أفلام مثل "الرجل الحديدي 3″ (Iron Man 3) و"أنا الحقير 2" (Despicable Me 2) اهتمام الجمهور.
وينتهي موسم الصيف السينمائي رسميا في عطلة عيد العمال الأميركي يوم 7 سبتمبر/أيلول، ولذلك يمكن أن ترتفع الحصيلة النهائية قليلا، من دون أن تصل على الأرجح إلى ذروة 2013.
ويتوقع محللون أن تتجاوز إيرادات شباك التذاكر في الولايات المتحدة وكندا 10 مليارات دولار بنهاية 2026، وهو حاجز لم تتمكن الصناعة من عبوره منذ عام 2019.
ويكتسب هذا الاحتمال أهمية بعد سنوات من الاضطراب بدأت بإغلاق الصالات خلال الجائحة، ثم استمرت مع تغير عادات المشاهدة وانتقال جانب من الجمهور إلى المنصات، قبل أن تؤدي إضرابات كتاب السيناريو والممثلين المتزامنة عام 2023 إلى تأجيل الإنتاجات وإرباك جداول العرض.
أفلام مختلفة لجماهير مختلفة
استفاد الموسم من وجود أعمال تلبي اهتمامات شرائح متعددة، بدلا من الاعتماد الكامل على فيلم ضخم أو سلسلة واحدة. وقال جيم أور، رئيس التوزيع السينمائي المحلي في "يونيفرسال بيكتشرز"، إن الصالات شهدت حضورا من مختلف الأعمار والفئات السكانية.
وجذب فيلما الرعب "الغرف الخلفية" (Backrooms) و"هوس" (Obsession) أعدادا غير مسبوقة من جمهور جيل "زد". وبدأ مخرجا الفيلمين تجربتيهما عبر منصة يوتيوب، قبل الانتقال إلى الإنتاج السينمائي، في مؤشر على قدرة صناع المحتوى الرقمي على نقل جمهورهم إلى الصالات.
واستقطبت أفلام "مايكل" (Michael) و"الشيطان يرتدي برادا 2″ (The Devil Wears Prada 2) و"فيلم مخيف" (Scary Movie) النساء بأعداد كبيرة. وأعاد "الشيطان يرتدي برادا 2" شخصيات الفيلم الأصلي إلى الشاشة بعد عقدين تقريبا، مستفيدا من الحنين إلى العمل الأول ومن حضور ميريل ستريب وآن هاثاواي وإيميلي بلنت.
ووجد الشباب من الرجال جانبا من تجاربهم في الصراع الذي يعيشه بيتر باركر مع العزلة داخل "سبايدرمان: يوم جديد تماما". وساعد ذلك الفيلم على تجاوز حدود مشاهد الحركة، وربط شخصية البطل الخارق بمشكلات نفسية واجتماعية قريبة من الجمهور.
ويشير هذا التنوع إلى أن عودة المشاهدين لم تكن نتيجة انجذابهم إلى السلاسل الكبرى وحدها، وإنما جاءت من قدرة البرنامج الصيفي على تقديم اختيارات مختلفة في النوع والنبرة وحجم الإنتاج.
جيل "زد" يفاجئ أصحاب الصالات
بددت النتائج جانبا من المخاوف المتعلقة بعزوف الأجيال الأصغر عن السينما، فقد افترض بعض العاملين في الصناعة أن الشباب الذين اعتادوا مشاهدة المقاطع القصيرة ومنصات البث لن يطوروا عادة الذهاب إلى الصالات.
لكن تيم ريتشاردز، مؤسس ورئيس سلسلة دور العرض الأوروبية "فيو" (Vue)، قال إن كثيرين استبعدوا جيل "زد" من حساباتهم، قبل أن يعود أفراده إلى الصالات بأرقام قياسية. ووصف الظاهرة بأنها عالمية ومشجعة، لأن هؤلاء الشباب يمثلون جمهور السينما المستقبلي.
وأظهرت استطلاعات أجرتها شركة أبحاث السوق "إناكت إنسايت" (Enact Insight) ارتفاع حماس الجمهور لمشاهدة الأفلام خلال عطلة افتتاحها، وهي الفترة التي تكتسب أهمية كبيرة في تحديد المسار التجاري لأي عمل.
ويعني الإقبال في الأيام الأولى أن الحملات الدعائية والتفاعل عبر مواقع التواصل نجحا في تحويل الاهتمام الرقمي إلى شراء فعلي للتذاكر، بدلا من انتظار وصول الأفلام إلى خدمات المشاهدة المنزلية.
الصناعة تتجاوز آثار الإضرابات
يرى مايكل أوليري، ممثل مجموعة "سينما يونايتد" التي تمثل أصحاب دور العرض، أن أثر إضرابات 2023 في الاستوديوهات استمر مدة أطول مما أدركه كثيرون.
وتسببت الإضرابات في توقف عمليات التصوير والكتابة وتأجيل الأفلام، ولم تظهر آثارها كلها فور انتهاء الاحتجاجات، لأن الصناعة تحتاج إلى وقت طويل بين تطوير المشروع وتصويره ووصوله إلى الصالات.
وقال أوليري إن الاستوديوهات بدأت خلال العام الأخير تستعيد إيقاعها، وهو ما انعكس في تحسن انتظام الإصدارات وتوزع الأفلام على أسابيع الموسم بدلا من وجود فترات طويلة تفتقر إلى أعمال كبيرة.
ومع ذلك، لم يعد حجم الإنتاج إلى مستواه السابق. فقد طرحت الاستوديوهات 34 فيلما على نطاق واسع خلال الصيف، بزيادة فيلمين فقط على عام 2025، مقابل 44 فيلما في صيف 2019.
ويكشف الفارق أن ارتفاع الإيرادات تحقق رغم عرض عدد أقل من الأفلام، لكنه يعني أيضا أن التعافي لا يزال غير مكتمل من حيث انتظام الإنتاج وتوافر عدد كاف من العناوين لدعم الصالات طوال العام.
هوليوود تتجه إلى القصص الأصلية
اعتمدت الاستوديوهات خلال سنوات طويلة على الأجزاء الجديدة والسلاسل والشخصيات المعروفة، أو ما تسميه الصناعة "الملكية الفكرية" (IP)، باعتبارها وسيلة لتقليل أخطار تمويل أفلام ذات ميزانيات كبيرة.
وقال غريغ دوركين، مؤسس ورئيس "إناكت إنسايت"، إن هوليوود تحولت إلى مصنع للأجزاء اللاحقة والعلامات المعروفة، سعيا إلى حماية استثماراتها من فشل شباك التذاكر.
لكن موسم 2026 أظهر استعدادا أكبر لتجربة قصص وأصوات مختلفة، إلى جانب الأجزاء والسلاسل المضمونة نسبيا. ويرى دوركين أن الحماية الحقيقية من خسارة فيلم واحد لا تتحقق فقط بتكرار الأعمال المألوفة، وإنما ببناء محفظة متنوعة تتضمن مخاطرات إبداعية.
ولا يعني ذلك تخلي الاستوديوهات عن السلاسل، إذ تضم قائمة أنجح أفلام الموسم "سبايدرمان" و"حكاية لعبة 5″ و"الشيطان يرتدي برادا 2″. لكن نجاح أفلام الرعب الجديدة إلى جوارها أثبت وجود مساحة لأعمال لا تعتمد بالقدر نفسه على علامات تجارية سينمائية قديمة.
"الأوديسة" تعيد الاهتمام بشريط 70 مليمترا
منح فيلم كريستوفر نولان "الأوديسة" الموسم دفعة تتجاوز إيرادات عرضه العادي، بعدما أثار اهتمام الجمهور بتجربة المشاهدة على شريط 70 مليمترا وشاشات "آيماكس" (IMAX).
وساهم الفيلم في تحقيق "آيماكس" أفضل موسم صيفي في تاريخها. وقال الرئيس التنفيذي للشركة ريتشارد غلفوند إن نجاح "الأوديسة" غيّر تصورات قطاعات متعددة في الصناعة بشأن أنواع الأفلام القادرة على النجاح بهذه التقنية.
وتشكل الأفلام المصممة للشاشات العملاقة إحدى المزايا التي تراهن عليها دور العرض في مواجهة البث المنزلي؛ إذ تقدم تجربة يصعب تقليدها على التلفزيون أو الهاتف، خصوصا عندما يستخدم المخرج الصورة والصوت وحجم الشاشة بوصفها عناصر أساسية في العمل.
كما يعكس الإقبال على عروض 70 مليمترا رغبة جانب من الجمهور في التعامل مع الذهاب إلى السينما باعتباره حدثا خاصا، لا مجرد وسيلة لمشاهدة قصة يمكن انتظارها حتى تصل إلى المنزل.
10 مليارات دولار بنهاية العام
يتوقع بول ديرغارابديان، رئيس اتجاهات السوق في "رن تراك"، استمرار زخم الصيف حتى نهاية العام مع وصول فيلمي "المنتقمون: يوم القيامة" (Avengers: Doomsday) و"كثيب: الجزء الثالث" (Dune: Part Three).
ويرجح أن تدفع إيرادات الفيلمين وغيرهما الحصيلة السنوية إلى 10 مليارات دولار، للمرة الأولى منذ 2019. وإذا تحقق ذلك، فسيمثل خطوة مهمة في استعادة السوق، وإن ظلت المقارنة بالقيم الحقيقية للإيرادات وعدد التذاكر المباعة ضرورية بسبب ارتفاع أسعار التذاكر والتضخم.
ويعتقد ديرغارابديان أن تجاوز هذا الحاجز سينهي الحديث عن أن دور السينما "تحاول العودة"، لأنها ستكون قد استعادت وجودها بالفعل.
لكن أرقام الصيف توضح أن العودة لا تقوم على الحنين إلى النموذج القديم وحده؛ فقد تحققت عبر جمهور شاب ارتبط بالمخرجين على يوتيوب، ونساء تحركن لمشاهدة أعمال تخاطبهن، وأفلام ضخمة حولت تقنيات العرض إلى حدث، وبرنامج متنوع جمع بين السلاسل المألوفة والقصص الجديدة.
وتمنح هذه التركيبة أصحاب الصالات سببا للتفاؤل، لكنها تضع أمام الاستوديوهات شرطا واضحا لاستمرار التعافي، هو توفير عدد أكبر من الأفلام طوال العام، والحفاظ على تنوع يضمن ألا تعتمد الصناعة على نجاح عدد محدود من العلامات الكبرى.




