«التيوس المستعارة» ليس اسمًا كوديًا لعملية استخباراتية على غرار العمليات الشهيرة، مثل: عملية «اللحم المفروم»، و«الذهب»، و«الماسة»، و«رمح نبتون»، و«الصاعقة»، و«النهاية»، و«أنثروبويد»، و«أجراس اللبلاب»، و«ساعة الإيقاف»، و«أجاكس»، و«ربيع الشباب»… إلى آخر تلك العمليات التى زخرت بها كتب وحكايات وقصص المخابرات العالمية.
أما «التيوس المستعارة»، فهو اسم العملية غير المكودة لتنظيم الإخوان، فى سبيله إلى تغيير جلده «حتى ينفد بجلده» من المطاردات القانونية فى بلدان الهروب وأماكن الاختباء.
تفتّق ذهن قادة التنظيم عن فكرة استقدام واستعارة وتأجير بعض الشخصيات للقيام بدور قادة التنظيم ومنظّريه وإعلامييه. وهذا، فى تقديرهم، يجعل التنظيم فى منأى عن المساءلة باعتباره تنظيمًا إرهابيًا؛ فعندما تتم استعارة أشخاص معروف عنهم أنهم ليبراليون أو ماركسيون أو حتى ملحدون،
ليتحدثوا باسم التنظيم ويعتلوا منصاته الإعلامية، فإن هذا يشتت الانتباه، ويجعل المتابع يحتار: أهم إخوان تنظيميّون، أم معارضون من شتى الاتجاهات؟
لهذا فكّر التنظيم، فاستعار شخصيات توصف فى محيطها القديم بأنهم «أنصاف»: أنصاف مثقفين، وأنصاف إعلاميين، وأنصاف ليبراليين، وأنصاف موهوبين. ومنهم من كان يبحث عن فرصة فلم يجدها، أو كان فى عجلة من أمره لتحقيق الانتشار؛ فكان محمد ناصر، ومعتز مطر، وهشام عبد الحميد، وعزوز، وكمال الدين، وهشام عبد الله، وعمرو واكد، وخالد أبو النجا… والقائمة تطول.
وكلٌّ بحسب حالته وتوصيفه؛ فليسوا جميعًا أصحاب الموقف نفسه، ولا المحتوى نفسه، ولا المستوى نفسه، لكنهم جميعًا تمت الاستعانة بهم واستعارتهم لتمرير فكر التنظيم بشكل غير مباشر.
أعضاء التنظيم، مثل أسامة جاويش، وأنس حبيب، وعصام تليمة، ومحمد هلال، لهم مفرداتهم التنظيمية؛ إذ إن فى أعناقهم ما تسمى «البيعة». أما الآخرون، من فصيلة خالد أبو النجا ورفاقه، فمفرداتهم يغلب عليها الطابع غير التنظيمي، ويختلط فيها قدر من المعارضة غير الوطنية بقدر من الكراهية لكل ما هو مصري، لتنتج صورة مشوهة أقبح من صورة الإخوانى التنظيمي.
هنا تنجح فكرة التنظيم الذى أنتج مجموعة من حَمَلة الفكر الإخوانى وهم غير إخوان. عملية معقدة تستهدف تأجير العقول، مع تغييب الثوابت وتحييد المنطق؛ عملية تشبه ـ مع الفارق ـ عملية تأجير الأرحام.
ومنذ بداية مرحلة الهروب الكبير لقادة التنظيم بعد ثورة 2013، تم استقدام مجموعة من المرتزقة على اختلاف توجهاتهم. وهناك من رأى أن مصاحبة الإخوان فى رحلات الهروب تتيح له فرصة الخروج وتقديم طلبات اللجوء، للاستفادة من الملاذات التى بدت مغرية لهم فى بدايات الرحلة المسمومة فى تركيا وقطر ودول أخري.
فلا يمكن أن تصنّف محمد ناصر، ذلك الموظف محدود الإمكانيات فكرًا وثقافةً وأخلاقًا، على أنه صاحب مبدأ هرب من أجله! فناصر كان يبحث عن فرصة، أى فرصة، حتى ولو كانت تنظيف حظائر الشياطين. ركب الناقة وشرخ، باحثًا عن نجومية، حتى ولو كانت تُبث من المستنقع، وناطقة بلسان الشياطين والأبالسة.
أما مطر، فكان يعانى من حالة تشبه التشوه الجندري؛ لا يعلم من هو: أهو مصرى حقًا أم يبحث عن وطن آخر؟ أهو يمين أم شمال؟ أهو مع أم ضد؟ أهو رجل حقًا أم شيء ثالث بين الرجل والمرأة؟
أما مجموعة الممثلين الذين رحلوا مع من رحل عن أرض الوطن، باحثين عن شيء لا يعرفونه: شهرة، أو مال، أو لفت انتباه، أو نتيجة عملية تغييب فى لحظة حماقة ممتدة، فلا أحد منهم يملك إجابة متماسكة.
الخلاصة أن ظاهرة «التيس المستعار»، الذى ورد فى الحديث والفقه باعتباره الشخص المُحلِّل الذى يأتى لتحليل الزوجة لزوجها الأول بعد وقوع الطلاق ثلاثًا، تبدو هنا نموذجًا يمكن استعارته لوصف هذه الظاهرة الإخوانية .


