تقنية جريدة الجمهورية

«تمصير» الذكاء الاصطناعي

لم يعد السؤال في سباق الذكاء الاصطناعي: من يملك التكنولوجيا الأقوى؟ وإنما أصبح السؤال الأكثر أهمية: من يملك التكنولوجيا التي تفهمه؟ ولهذا فإن إطلاق منصة «بالمصري» لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مجرد منصة جديدة للذكاء الاصطناعي، أو خدمة مجانية تضاف إلى عشرات الخدمات المتاحة على الإنترنت، وإنما باعتب...

«تمصير» الذكاء الاصطناعي
17 مشاهدة

اقرأ من المصدر

جريدة الجمهورية

زيارة المصدر

 لم يعد السؤال في سباق الذكاء الاصطناعي: من يملك التكنولوجيا الأقوى؟ وإنما أصبح السؤال الأكثر أهمية: من يملك التكنولوجيا التي تفهمه؟

 ولهذا فإن إطلاق منصة «بالمصري» لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مجرد منصة جديدة للذكاء الاصطناعي، أو خدمة مجانية تضاف إلى عشرات الخدمات المتاحة على الإنترنت، وإنما باعتباره خطوة في معركة أكبر: معركة أن يكون لنا صوتنا داخل العالم الرقمي، وأن يفهم الذكاء الاصطناعي المواطن المصري قبل أن يطلب من المصري أن يتحدث بلغة الآلة.

 المشكلة أن اللغة ليست مجرد كلمات وقواعد نحوية.. العامية المصرية تحديدًا تحمل تاريخًا وثقافة ومشاعر وإشارات لا يمكن ترجمتها حرفيًا. كلمة واحدة قد يتغير معناها بالكامل بحسب السياق وطريقة النطق والموقف. وهنا تظهر أهمية أن يكون هناك ذكاء اصطناعي يفهم «إزيك؟» كما يقولها المصري، وليس فقط كما تكتبها القواميس.

 منصة «بالمصري»، التي طورها مركز الابتكار التطبيقي بوزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، تقدم ثلاثة محركات متخصصة لتحويل الكلام إلى نص، والترجمة الآلية، وتحويل النص إلى كلام، مع دعم العربية الفصحى والعامية المصرية، والترجمة إلى 50 لغة أجنبية.

 لكن القيمة الحقيقية للمشروع لا تتوقف عند التكنولوجيا نفسها.. الأهم هو البيانات والهوية والسيادة الرقمية.

 ففي عصر أصبح فيه الذكاء الاصطناعي يعتمد بصورة أساسية على البيانات، فإن امتلاك نماذج تفهم اللغة المحلية وتراعي سياقها الثقافي يعني أننا لا نكتفي باستخدام أدوات الآخرين، وإنما نبدأ في بناء أدوات تعكس خصوصيتنا، وهنا يجب أن نكون أكثر طموحًا.

 «بالمصري» يمكن أن تتحول من منصة للترجمة وتحويل الكلام إلى نص وصوت، إلى بنية أساسية للذكاء الاصطناعي المصري؛ تستفيد منها الصحافة والإعلام والتعليم والسياحة والخدمات الحكومية والتطبيقات الرقمية والشركات الناشئة، بل ويمكن أن تصبح أداة مهمة لحفظ التراث اللغوي المصري وتوثيق اللهجات والتعبيرات التي قد تختفي مع مرور الزمن.

 والأهم أن إتاحة الخدمات مجانًا للأفراد والمؤسسات والمطورين تفتح الباب أمام المبرمج المصري ليبني فوقها، بدلًا من أن يبدأ كل مشروع من الصفر.

 لكن النجاح الحقيقي لن يقاس بعدد المستخدمين في الأسابيع الأولى، ولا بعدد مرات الترجمة أو التسجيل الصوتي. النجاح سيكون عندما تصبح «بالمصري» جزءًا من الحياة الرقمية اليومية للمصريين، وعندما يجد المطور والشركة والجامعة والصحفي والمؤسسة الحكومية فيها أداة عملية يمكن الاعتماد عليها.

 نحن أمام فرصة لاختبار نموذج مختلف: ذكاء اصطناعي لا يستورد فقط، وإنما يُطوَّر محليًا ويعبر عن المجتمع الذي يستخدمه.

 ولذلك فالمطلوب الآن ألا تبقى «بالمصري» مجرد تجربة تكنولوجية جميلة، بل أن تتحول إلى مشروع وطني مفتوح للتطوير والشراكات، تتسع قدراته كل يوم مع زيادة الاستخدام والبيانات والتطبيقات.

 فالذكاء الاصطناعي الذي لا يفهم لغتك، قد يساعدك، أما الذكاء الاصطناعي الذي يفهم لغتك وثقافتك، فيمكن أن يصبح شريكًا حقيقيًا في بناء مستقبلك، وهنا تحديدًا تبدأ الحكاية الحقيقية لـ«بالمصري».

[email protected]

مقالات ذات صلة