كثيرًا ما كتبت عن الأزهر الشريف، وجامعته، ومستشفياته، وكنت دائمًا أرى أن المؤسسات الكبيرة لا تكبر بتاريخها وحده، وإنما بقدرتها على مراجعة نفسها، وتطوير أدواتها، ومواكبة العصر دون أن تتخلى عن هويتها، ولذلك لم أتردد يومًا في الإشادة حين تستحق الإشادة، كما لم أتردد في إبداء الملاحظات حين يكون النقد واجبًا، لأن الكلمة أمانة، والإنصاف قيمة لا يجوز التفريط فيها.
ومن هذا المنطلق، أكتب اليوم عن ما قرأته في وسائل الإعلام المنشورة، وما شهدته مستشفى الحسين الجامعي التابعة لجامعة الأزهر من افتتاحات وتطويرات وإنشاءات جديدة، في احتفال جرى يوم الخميس 30 يوليو 2026، بحضور الدكتور إبراهيم صابر، محافظ القاهرة، وفضيلة الأستاذ الدكتور سلامة جمعة داود، رئيس جامعة الأزهر، في آخر يوم عمل لسيادته بعد انتهاء مدته القانونية كرئيس لجامعة الأزهر، وفضيلة الشيخ أيمن عبد الغني، وكيل الأزهر، ولفيف من قيادات الأزهر الشريف، وممثلي الوزارات والهيئات المختلفة، في مشهد يعكس حجم الاهتمام الذي أولته الدولة والأزهر لهذا الصرح الطبي العريق.
وقد اخترت لهذا المقال عنوان "افتتاح لا يخص مبنى بل فكرة"؛ لأن ما جرى لم يكن مجرد افتتاح مبانٍ جديدة أو واجهات أكثر جمالًا، وإنما إعلان عن فكرة مؤداها أن المستشفى الجامعي ينبغي أن يكون مؤسسة طبية متكاملة، تواكب التطور العلمي، وتحترم المريض، وتوفر للطبيب بيئة عمل تليق برسالته، وتؤكد أن الاستثمار الحقيقي هو الاستثمار في الإنسان.
لقد شمل التطوير أقسامًا عديدة، ورفعًا لكفاءة البنية التحتية، وتحديثًا لغرف العمليات والرعايات الحرجة، وتطويرًا لأقسام الكبد والجهاز الهضمي، والتجميل، والعظام، والأنف والأذن، وعلاج الأورام، وعمليات الطوارئ، إلى جانب الوصول إلى الحدود الآمنة لمكافحة العدوى، ومنجزات في التطوير الرقمي، واعتماد اشتراطات الحماية المدنية، وتدعيم المستشفى بأحدث الأجهزة الطبية، وهي خطوات لا تنعكس على المبنى وحده، وإنما على جودة الخدمة التي يتلقاها المريض.
وهنا أتوقف قليلا عند ما أتصوره أيقونة الإنجاز في أي تطوير ضخم كالذي شهدته مستشفى الحسين الجامعي، وأقصد هنا الأستاذ الدكتور أحمد عبد الجليل، مدير عام مستشفى الحسين الجامعي، وأستاذ التخدير والرعاية المركزة، وأقولها بوضوح حتى لا يظن أحد أن وراء هذه الكلمات معرفة أو مصلحة؛ فأنا لا أعرف الرجل معرفة شخصية، ولم ألتقه يومًا، ولا تربطني به أي علاقة، سواء علاقة عمل أو صداقة أو غيرها، لكنني أؤمن بأن احترام الجهد قيمة في حد ذاته، وأن من حق كل من يعمل بإخلاص أن يجد من يذكره بالخير، وهذا ما اعتدت عليه دوما في كتاباتي، لأنه من المؤلم ألا تقع الإشادة في موقعها في كثير من الإنجازات على أرض مصر، وما أعلن عنه من حجم التطوير، وما ظهر على أرض الواقع، يجعل الإشادة واجبًا لا مجاملة.
وما علمته عن الدكتور أحمد عبد الجليل، أنه من عائلة طبية مشهود لها بالكفاءة، تضم نخبة من الأطباء والأكاديميين، ولعل من اللافت أنه ينتمي إلى بيت عُرف بالانضباط والالتزام؛ فهو نجل الراحل المغفور له بإذن الله، الفريق محمد عبد الجليل، أحد قادة القوات المسلحة، وأحد أبطال حرب أكتوبر المجيدة، ومن ينشأ في مدرسة تُعلي من قيمة الواجب، وتحترم النظام، وتؤمن بأن الإنجاز هو معيار التقدير، لا يكون غريبًا أن يحرص على أن تتحدث النتائج عن نفسها قبل أن تتحدث الكلمات.
ومن هنا، لم يكن مستغربًا أن يشهد حفل الافتتاح كلمات امتنان لما أولته الدولة المصرية، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، من اهتمام بمشروع تطوير مستشفى الحسين الجامعي، وهو ما أكده المتحدثون خلال الاحتفال، كما لم تغب الإشادة بالدور الذي قامت به الجهات التنفيذية المختلفة حتى خرج المشروع بهذه الصورة المشرفة، فالإنجازات الكبرى لا تصنعها مؤسسة بمفردها، وإنما تتحقق حين تتكامل الإرادة مع الرؤية، ويجتمع الدعم مع حسن الإدارة.
كما يستحق الأستاذ الدكتور حسين أبو الغيط، عميد كلية طب البنين بجامعة الأزهر، كل التقدير على دعمه ومتابعته لهذا المشروع، وعلى ما عكسته كلماته من اعتزاز بما تحقق، حين وصف هذا اليوم بأنه "يوم عيد". فالمؤسسات لا تنجح بقرار فرد، وإنما بتكامل الأدوار بين الإدارة والقيادة والأطقم الطبية والإدارية التي تعمل في صمت بعيدًا عن الأضواء.
ولا شك أن هذه الإنجازات ما كانت لتسير بهذا الإيقاع، ولا أن تخرج بهذه الصورة، لولا الدعم والمتابعة اليومية التي قام بها الأستاذ الدكتور محمود صديق، نائب رئيس جامعة الأزهر للدراسات العليا والبحوث، والمشرف العام على المستشفيات الجامعية، فقد بدا واضحًا، من خلال ما تحقق على أرض الواقع، أن المشروع لم يكن مجرد أعمال إنشائية، وإنما كان جزءًا من رؤية متكاملة لتطوير المستشفيات الجامعية، تقوم على تحديث البنية التحتية، والارتقاء بالخدمة الطبية، والاستثمار في الإنسان قبل الحجر، وهي رؤية استحقت أن تثمر هذا الإنجاز.
وقد عرض الدكتور صديق تفاصيل التطوير، وما أكد عليه، أن هذا المشروع هو امتداد لمسيرة بدأت في عهد الأستاذ الدكتور محمد المحرصاوي، رئيس جامعة الأزهر السابق، رحمه الله، ثم استكملها فضيلة الأستاذ الدكتور سلامة جمعة داود، وهذه هي قيمة المؤسسات الحقيقية؛ أن تتواصل مسيرة البناء دون أن تبدأ من جديد مع كل قيادة.
واعتبارًا من الأول من أغسطس، يتولى الأستاذ الدكتور محمود صديق القيام بأعمال رئيس جامعة الأزهر، تنفيذًا لقرار فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، وذلك بصفة مؤقتة لحين اختيار رئيس الجامعة وفقًا للإجراءات القانونية المقررة، وهنا أجدني أستعيد ما كتبته في أكثر من مقال هنا على صفحات الدستور، وفي رؤيتي حول تطوير قانون الأزهر، حول ضرورة إعادة النظر في قصر منصب رئيس جامعة الأزهر، عبر عقود طويلة، على أساتذة الكليات الشرعية وحدهم، مع كامل التقدير لمكانتهم العلمية؛ إذ كنت ولا أزال أرى أن في ذلك حرمانًا للكليات العملية من حقها في أن تقدم أبناءها لقيادة الجامعة، رغم ما تضمه من قامات علمية وإدارية رفيعة.
ولعل هذه تكون فرصة تستحق أن تُمنح كامل حقها، لا لأنها تخص شخصًا بعينه، وإنما لأنها تمثل تجربة جديدة في إدارة جامعة الأزهر، يقودها أستاذ من كلية الطب، وأحد الأسماء البارزة في جراحة العظام، سبق له أن نجح في عمادة كلية الطب، ثم في موقع نائب رئيس الجامعة، وارتبط اسمه بتطوير قطاع المستشفيات الجامعية.
إننا لا ننتظر نجاح هذه التجربة لمصلحة شخص، وإنما لمصلحة مؤسسة بحجم جامعة الأزهر، ونريد أن تتسع الجامعة لكل كفاءاتها، وأن تؤمن بأن القيادة تُمنح على أساس القدرة والإنجاز، لا على أساس الانتماء إلى قطاع بعينه، ونريد للأزهر أن يتحرر من بعض التقاليد الإدارية التي فرضتها العادة أكثر مما فرضها القانون، وأن يفتح الباب أمام تنوع الخبرات وتبادل الأدوار، بما يحقق صالح الجامعة ورسالتها، لذلك قد ترى الدولة تحويل الفترة المؤقتة إلى مستمرة، انتصارا للتجربة الأولى في تاريخ جامعة الأزهر.
وإذا كُتب لهذه التجربة أن تستمر وتنجح، فإنها لن تُحسب للدكتور محمود صديق وحده، كأول رئيس للجامعة في تاريخها من كلية عملية، وإنما ستُحسب أيضًا لفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، بوصفها خطوة جريئة نحو توسيع دائرة الاختيار، وترسيخ مبدأ أن الكفاءة هي معيار القيادة، وهو ما أرجو أن يصبح نهجًا دائمًا في جامعةٍ كانت، وستظل، منارةً للعلم والفكر في العالم الإسلامي.
ومن الجوانب المضيئة في هذا المشروع أيضًا، ما أُعلن عن الدور الذي قام به بيت الزكاة والصدقات المصري في دعم عدد من الأقسام بأحدث الأجهزة الطبية، وهو دور يعكس فهمًا عميقًا لمعنى الزكاة والصدقة حين تتحول إلى بناءٍ لمؤسسات تخدم الإنسان وتحفظ كرامته، كما أن ما أُشير إليه من جهود الدكتورة سحر نصر، الأمين العام لبيت الزكاة والصدقات المصري، يؤكد أن العمل المؤسسي المشترك بين الأزهر ومؤسسات الدولة قادر على تحقيق إنجازات حقيقية يشعر بها المواطن البسيط قبل غيره.
ولعل للمشهد دلالة أخرى لا تخفى؛ فقد جاء هذا الافتتاح في اليوم الأخير لولاية فضيلة الأستاذ الدكتور سلامة جمعة داود رئيسًا لجامعة الأزهر، وأحسب أن أجمل ختام يمكن أن يتركه أي مسؤول بعد سنوات من العمل ليس كلمات الوداع، ولا عبارات الثناء، وإنما مشروع جديد، ومستشفى أكثر تطورًا، ومؤسسة أصبحت أفضل مما كانت عليه، فالمنصب إلى زوال، أما الإنجاز فهو الذي يبقى شاهدًا لصاحبه.
ولا يعني هذا أن الطريق قد اكتمل، أو أن مؤسسات الأزهر لم يعد أمامها ما تطمح إليه، فكل مؤسسة ناجحة تدرك أن التطوير عملية مستمرة لا تتوقف، لكن الإنصاف يقتضي أن نعترف بما تحقق، وأن نشجع كل خطوة صحيحة، لأن ثقافة الهدم وحدها لا تبني وطنًا، كما أن ثقافة التصفيق المطلق لا تصنع تقدمًا.
ويبقى الأمل أن يكون ما شهدناه في مستشفى الحسين الجامعي بدايةً لنهجٍ يمتد إلى جميع مستشفيات جامعة الأزهر، لا أن يبقى تجربةً منفردة، فهذه المؤسسة ليست مجرد جامعة تضم كليات ومستشفيات، وإنما هي المرجعية الدينية والعلمية الأعرق في العالم الإسلامي، وهو ما يحمّلها مسؤولية مضاعفة في أن يكون كل ما يصدر عنها أقرب إلى الكمال في الفكر، والإدارة، والعلم، والخدمة، ومن ثم فإن ما تحقق في مستشفى الحسين يجب أن يصبح معيارًا يُقاس عليه، وخطة عمل تُعمم على سائر مستشفيات الجامعة.
إننا نريد أن نرى هذا المستوى من التطوير في كل مستشفى يتبع جامعة الأزهر، وأن تصبح مستشفياتها نموذجًا يُحتذى في جودة الرعاية، واحترام المريض، وصون كرامة الطبيب، وتقديم خدمة طبية تليق بالإنسان، وبعظمة مهنة الطب، وبمكانة الأزهر نفسه، وأنا على يقين بأن ذلك ليس حلمًا بعيد المنال، فالأزهر ذاخر بكوادره العلمية والإدارية، والجامعة قادرة على ذلك، وإنما هدف يمكن تحقيقه متى توافرت الإرادة، طالما استمرت المتابعة، وحافظ الجميع على روح العمل التي أنتجت هذا الإنجاز.
والكلمة الأخيرة، أننا حين نكتب فإنما نبتغي الإصلاح، وحين نشيد فإنما نمنح كل ذي حق حقه، ولذلك فإن من الواجب أن نشد على يد الأستاذ الدكتور أحمد محمد عبد الجليل، مدير مستشفى الحسين الجامعي، الذي نجح مع فريق العمل في ترجمة رؤية الجامعة وقياداتها إلى واقع ملموس، وأن يحظى بكل دعم يمكنه من استكمال هذه المسيرة، حتى تصبح مستشفى الحسين الجامعي منارةً بين المستشفيات الجامعية في مصر، فالطريق مازال طويلا، ثم ننقل هذه التجربة الناجحة، بروحها وفلسفتها، إلى جميع مستشفيات جامعة الأزهر، ليصبح النجاح ثقافةً عامة، لا إنجازًا استثنائيًا.
واليوم، وأنا أكتب عن مستشفى الحسين الجامعي، لا أكتب مجاملة لأحد، ولا دفاعًا عن أحد، وإنما أكتب احترامًا لفكرة أؤمن بها دائمًا؛ وهي أن من واجبنا أن نقول للمخطئ: أخطأت، وأن نقول للمجتهد: أحسنت.
ولهذا أقول بكل صدق: إن ما شهدته مستشفى الحسين الجامعي ليس مجرد افتتاح لمبانٍ جديدة، وإنما افتتاح لفكرة تستحق أن تستمر... فكرة أن المؤسسات العريقة تستطيع أن تجمع بين أصالتها التاريخية، وقدرتها على التجدد، وأن تبقى دائمًا في خدمة الإنسان، وهي الرسالة التي يستحق الأزهر الشريف أن يحملها، وأن يظل نموذجًا لها، ونطمح في ذلك في ظل رئيس جديد للجامعة ينتمي إلى مدرسة عملية تطبيقية جديدة لا تقل شأنًا عن سابقتها.



