سياسة جريدة الدستور

غربان لا تأكل الموتى

انطلقَ لسانها يستعيد سنوات الشقاء: - ضاقت علينا الحياة، سافر الرجلُ إلى العراق وراء لقمة العيش، ثمَّ اندلعت الحربُ واختفى. حاولتُ تقصى مصيره لكننى فشلت، ولم يكن أمامى سوى الانتظار، وعندما جفَّ الأمل فى عودته عادت جثته مع أولاد الحلال الذين نجوا بمعجزة من الموت. كان غريبًا، ليست له عائلة، ولا يمتلك م...

غربان لا تأكل الموتى
2 مشاهدة

اقرأ من المصدر

جريدة الدستور

زيارة المصدر

انطلقَ لسانها يستعيد سنوات الشقاء:

- ضاقت علينا الحياة، سافر الرجلُ إلى العراق وراء لقمة العيش، ثمَّ اندلعت الحربُ واختفى. حاولتُ تقصى مصيره لكننى فشلت، ولم يكن أمامى سوى الانتظار، وعندما جفَّ الأمل فى عودته عادت جثته مع أولاد الحلال الذين نجوا بمعجزة من الموت. كان غريبًا، ليست له عائلة، ولا يمتلك مقبرة، فدفناه إلى جوار أبى، رحمة الله على الجميع.

مَن ذاك الرجل الذى اختفى فى الحرب! أىَّ حرب؟! كان غريبًا بلا عائلة، ولم تكن له مقبرة! عمَّن تحكى تحديدًا هذه السيدة التى تفوح منها رائحةُ الثوم والتعب؟ وأين سيدفنون جثتى؟ مع نجية عبدالرحمن، أم يلقونها إلى الضفَّة الأخرى وسط الجثامين الضائعة فى كبريت؟ وكيف مات الأسطى فتحى؟ أمن كثرة الضحك مات الرجل؟!

- وبعد أن استقرَّ الجثمان تحت التراب وصار الموت رسميًّا وحقيقيًّا سُدَّت أبوابُ الحياة أمامى، وصار لزامًا مواجهة حقيقة الفقر والوحدة. بحثتُ كثيرًا عن عمل بشهادتى الجامعية ولم أجد، تصوَّر! يبدو أن البلد لم يعد بحاجة إلى معلمين، أو لم يعد بحاجة للتعليم من الأساس، وعلى ذلك تنقلت بين أشغال بعيدة تمامًا عن دراستى، حتى انتهيتُ إلى محلِّ عطارة أشتغلُ فيه بائعة. جاهدتُ الأيام المرة حتى عرضَ علىَّ صاحبُ العطارة الزواج، لم أتردَّد كثيرًا للموافقة، فلدىَّ طفلان بحاجة إلى عيشة كريمة، وأنا بحاجة لرجل يعيننى على الأيام، أجل لم يعد بجانبى أحد؛ مات أبى بعد زيجتى الأولى بعام، ولحقته أمى بعامين، أما أخى فغارقٌ فى نجاحاته بالقاهرة، لكنه ولكرمه ترك لى شقةَ الأسرة لأعيش فيها مع أبنائى- أخذتْ عيناها تدور بين الجدران ثمَّ استقرَّت إلى السقف- أتتذكرُ هذه الشقة كيف كانت قديمًا؟!

وعادتْ لصمتها مرَّة أخرى كأنها اكتفتْ من سرد الألم، أو لتعطينى فرصة لتذكر الأيام القديمة، أو لألتقطَ أنفاسى من الفواجع ثمَّ استطردت:

- لم تدخلْ لقمة عيش جوفَ أطفالى خالية من الإذلال والإهانة من طرفِ زوجى الثانى، وكأنه تزوَّجنى من أجل كبحِ الأنفة واستفحال الدَّناءة فى العالم. ولما يئستُ من غلظتِه طلبت الطلاق بعد أن أنجبتُ منه طفلًا- أسقطتْ نظرها إلى الرضيع الذى تحمله- وعدتُ للبحث عن العمل حتى استقررتُ كمعلمة فى روضة للأطفال، لذلك كله لم أبتعدْ عن السويس، لم تكن ثمة فرصةٌ للرحيل.

ثمَّ أطلقت تنهيدة عميقة، وسألتنى بهدوء كما لو أنَّها لم تلقِ لتوَّها قنبلة نسفت كلَّ أسباب الحرب:

- وماذا عن أحوالك؟ إنَّهم يبحثون عنك فى كلِّ مكان.

ماذا عن أحوالى؟! إنَّ ما حكته السيدة التى تجلس باستسلام بين أولادها من زواجها الأول والثانى لا يعنى سوى أننى كنت أحاربُ نفسى! هل حاربت الشيطانَوهزمت نفسى؟ وهل يدرى الله بما حدث، ألديه فكرة؟ وما كلُّ هذه الأسئلة التائهة عن إجابة؟ لم يعدْ بوسعى الاستمرار بينما الغربان راكدةٌ فوق الحصير تتفرج هازئة على النهاية الهزلية.

ثمَّ سألتنى بلا أى حماسة:

- أحقًّا ما تذيعه نشراتُ الأخبار؟

أدرتُ عينى إلى الصغيرة التى تتمدَّد على الأريكة، يبدو أنها فى العاشرة من عمرها، إنها نسخةٌ فقيرة من سلوى، لا تمتلك ابتسامة واحدة تقدِّمها للعالم. كيف ستواجهينَ يا صغيرتى المدينة التى يسكنها الشيطان؟

ولم يتوقفِ استفهامُ سلوى الخالى من الحماسة:

- أقتلتَ كلَّ أفراد جماعتك وهربتَ من الجبل الذى كنت تسكنه؟ هل صحيح أنك انتقمتَ منهم بعدما قتلوا صاحبك؟

ثمَّ زفرت أنفاسَ الاستفهام عن الدم الذى أسلْته، وتعجَّبت فى المطلق:

- مَن يصدق كلَّ ما جرى!

وسقطَ الصمتُ على الصالة الفقيرة مرَّة أخرى، وفى لحظة استفاقة سألتها:

- هل أحببتنى يومًا؟

قلبتْ شفتيها بلا مبالاة، وقالت:

- لا جدوى من السؤال.

- عدتُ إلى السويس من أجل إجابة!

- لا عقل من البداية..

- هل أحببتِنى يومًا؟

- لا نفع للإجابة.

ثمَّ أطرقتْ وقالت بينما تغوصُ نظراتها بين الحصير:

- كنتُ وقتئذٍ صغيرة، وحسبتُ أن ذاك حبّ، لكن القلوب تتغير.

عندَ الباب، قدمتِ اعتذارًا؛ إنها متأسفةٌ لما حدث. أتقدِّم اعتذارًا عن خديعة الماضى أم صدقِ الحاضر؟ لا داعٍ للأسف يا سلوى، الحقُّ أننى مَن يدين لك به؛ لقد خضتُ حروبًا بينما كان الحبُّ منهزمًا منذ البداية، لا تعتذرى لأعمى عن وجود الشمس.

هكذا، ينتهى الحبُّ مذيَّلًا بأسفٍ يحيطه طفلان فقدا أباهما فى الحرب، وطفلٌ ثالث وليدُ المذلة.

كَرَّرَتْ فى أسى:

- أنا آسفة.

قلتُ وأنا أتعثر على السلالم المتشرخة:

مقطع من رواية «غربان لا تأكل الموتى»

مقالات ذات صلة