دخلت "بي بي" مصر عام 1963، ومنذ ذلك الحين لم يكن وجودها مجرد استثمار أجنبي في مجموعة من الحقول. 63 عامًا صنعت شبكة من الأصول والخبرات والكوادر والمعرفة الفنية والعلاقات التشغيلية التي أصبحت جزءًا من بنية قطاع الطاقة المصري نفسه، استثمرت الشركة أكثر من 37 مليار دولار، منها نحو 16 مليار دولار خلال العقد الأخير، وأصبحت طرفًا رئيسيًا في عدد من أهم مشروعات الغاز في البلاد.
لهذا فإن الحديث عن تخارج "بي بي" وبيع جانب مهم من أصولها في مصر لا يجب أن يُختزل في سؤال: بكم ستباع؟ الأهم هو: من يشتريها؟ وهل يستطيع تشغيلها وتطويرها؟ ومن يضمن أمن الطاقة المصري في اليوم التالي للصفقة؟
لحظة لا تحتمل المجازفة
هذه الأسئلة تصبح أكثر إلحاحًا لأننا لا نتحدث عن انتقال ملكية في وقت تتمتع فيه مصر بفائض مريح من الطاقة. نحن نتحدث في لحظة يعاني فيها إنتاج الغاز المحلي من ضغوط واضحة، وأصبح تعويض أي نقص في الإنتاج يعني المزيد من الواردات والضغط على العملة الأجنبية والانكشاف على سوق غاز عالمية لا نتحكم في أسعارها أو ظروفها.
تنتج "بي بي" بصورة مباشرة نحو 15% من الغاز المصري، لكن أهميتها تتجاوز هذه النسبة. فهي ترتبط، منفردة أو من خلال شراكاتها، بمشروعات تمثل جزءًا أكبر من منظومة الغاز، بينما تمتد خبرتها من الاستكشاف والتنمية إلى الحفر والتشغيل وإدارة المشروعات والمياه العميقة.
وهنا يجب أن نفرق بين امتلاك الأصل والقدرة على تشغيله. يمكن شراء حصة في حقل ونقل الأسهم وتغيير اسم المالك، لكن الخبرة في تصميم الآبار والحفر والإكمال وسلامة الآبار والعمليات البحرية وإدارة المخاطر لا تنتقل بمجرد توقيع عقد بيع.
لذلك لا يجب أن يكون معيار الدولة في تقييم أي مشترٍ هو قدرته على دفع ثمن الصفقة فقط، وإنما قدرته المالية والفنية على تمويل الاستثمارات اللاحقة، والمحافظة على الإنتاج، وحفر الآبار وتنمية الاكتشافات وتحمل الالتزامات طويلة الأجل.
سؤال مشروع عن إنرجيان
وهنا تحديدًا يثير اسم “إنرجيان” سؤالًا مشروعًا. فالشركة التي تجري حاليًا محادثات حصرية لشراء بعض أصول "بي بي" في مصر بنحو مليار دولار، كانت قد وقعت في يونيو 2024 اتفاقًا لبيع محفظتها في مصر وإيطاليا وكرواتيا إلى “كارلايل”، ولم تكن الصفقة مجرد فكرة، بل اتفاق بيع فعلي، قبل إنهائه في مارس 2025 بعد عدم استكمال بعض الموافقات التنظيمية في الموعد المحدد. واليوم تعود الشركة نفسها لتسعى إلى توسع كبير في مصر من خلال شراء أصول "بي بي".
هذا لا يعني رفض "إنرجيان" كمستثمر أو التشكيك المسبق في قدرتها رغم ان الإفصاحات المالية للشركة تجعل تلك التساؤلات مشروعة جدا. لكنه يعني أن مصر لا يجب أن تترك أصولًا استراتيجية بهذا الحجم تنتقل إلى لاعب لديه شهية مرتفعة لتغيير محفظته والمغامرة الاستثمارية لمجرد أنه قدم عرضًا مناسبًا للبائع.
فمن كان مستعدًا منذ فترة قصيرة للخروج من أصوله في مصر من حقه أن يغير استراتيجيته، لكن من حق الدولة أيضًا أن تسأل: ما الذي تغير؟ وما مدى استدامة الالتزام الجديد؟ وهل يمتلك المشتري القدرة المالية والتشغيلية التي تضمن ألا نعود بعد عامين أو ثلاثة إلى الحديث عن بيع جديد؟
فالصفقة التي تبدو منطقية في ميزانية شركة قد تكون شديدة الخطورة في ميزان أمن الطاقة لدولة.
كما أن المشتري لا يشتري الإنتاج الحالي فقط. الأصول البترولية تحمل معها التزامات ممتدة لعقود، من صيانة المنشآت وسلامة الآبار وتمويل برامج التنمية، وصولًا إلى إغلاق الآبار والتخلي عنها في نهاية عمرها الاقتصادي. وفي المياه العميقة قد تصل تكلفة تأمين وإغلاق والتخلي عن بئر واحد، بحسب ظروفه، إلى عشرات الملايين من الدولارات.
لذلك يجب ألا تتحول الموافقة المصرية إلى مجرد إجراء تنظيمي. المطلوب اختبار حقيقي للملاءة المالية والقدرة الفنية، والتزامات واضحة بالحفر والتنمية والإنتاج، وضمانات للالتزامات المستقبلية، وخطة للمحافظة على الكفاءات المصرية.
الأصل الذي لا يظهر في التقييم
وربما تكون الكفاءات أهم أصول “بي بي” التي لا تظهر في أي تقييم مالي. فقد تكوّن عبر عقود رأس مال بشري مصري يمتلك خبرات في المياه العميقة وإدارة الحقول والمشروعات المعقدة وسلامة الآبار. هؤلاء لا يحملون معرفة مكتوبة فقط، وإنما ذاكرة تشغيلية كاملة للأصول التي يعملون عليها.
الأصول يمكن نقل ملكيتها في يوم واحد، أما الخبرة التي بُنيت خلال 63 عامًا فلا يمكن نقلها في ملحق للعقد.
فرصة أكبر من اختيار المشتري
لكن لماذا نفترض أن النهاية الطبيعية هي انتقال أصول «بي بي» من شركة أجنبية إلى شركة أجنبية أخرى؟ لماذا لا تستخدم مصر هذه اللحظة لبناء نواة شركة وطنية قوية تمتلك، مع الوقت، القدرة على التشغيل والتطوير، وليس مجرد امتلاك حصص في الامتيازات؟
التجربة الروسية تقدم مثالًا مهمًا، مع اختلاف الحجم والظروف. فقد استخدمت روسيا إعادة ترتيب ملكية أصولها النفطية والغازية لتعزيز لاعبين وطنيين كبار، وكان استحواذ «روسنفت» عام 2013 على «تي إن كيه-بي بي»، بما فيها حصة «بي بي»، محطة رئيسية في هذا المسار. لم تكن الفكرة مجرد نقل ملكية، بل تجميع أصول وقدرات تشغيلية ومعرفة داخل لاعب وطني يستطيع إدارتها وتطويرها.
ولا أدعو إلى أن تدفع الخزانة المصرية مليار دولار لشرائها “رغم انها تدفع حاليا هذا المبلغ في 10 أيام فقط لشراء شحنات الوقود”، ولا إلى إنشاء كيان حكومي بيروقراطي جديد. المطلوب نموذج أكثر ذكاءً: مشاركة مصرية مؤسسية وتجارية، وربما تحالف مع مستثمر مالي أو فني، يسمح بنقل المعرفة والقدرة التشغيلية وتكوين نواة لاعب وطني محترف يستطيع بمرور الوقت أن يصبح مشغّلًا حقيقيًا في المياه العميقة والمشروعات الكبرى.
لدينا شركات وطنية وكوادر شديدة الكفاءة وعقود من الخبرة في قطاع البترول. لكن هناك فارقًا كبيرًا بين أن تمتلك الدولة حصة في امتياز، وبين أن تمتلك شركة مصرية القدرة التكنولوجية والإدارية والمالية على تشغيل الأصل والمنافسة إقليميًا.
مصر قدمت حوافز كبيرة للشركاء الأجانب، وسددت متأخرات وعدلت شروطًا لاستعادة الاستثمار والإنتاج ولم تجني شيئا سوى تخارج لأكبر اللاعبين واستبدالهم بشركات أصغر وأقل خبرة. ومن الطبيعي بل من الضروري أن تستخدم مصر أدواتها التنظيمية والتعاقدية، ليس لمنع الاستثمار الأجنبي، وإنما لضمان أن تخدم الصفقة أمن الطاقة المصري.
خروج “بي بي” بعد 63 عامًا لا يجب أن يكون مجرد خبر عن بائع ومشترٍ ومليار دولار، بل فرصة لإعادة التفكير في شكل وجود مصر نفسها داخل صناعتها الأكثر استراتيجية.
فإذا كانت "بي بي" ستغادر بعض هذه الأصول، فلا ينبغي أن تغادر معها المعرفة والخبرة والقدرة على التشغيل، ولا أن نكتفي بتسليمها لأول مشترٍ قادر على إتمام الصفقة.
السؤال ليس فقط: من يشتري أصول “بي بي”؟، بل: هل تستطيع مصر أن تجعل من هذه اللحظة بداية لبناء لاعب وطني، حتى لا نظل بعد 63 عامًا أخرى نسأل السؤال نفسه؟


