فى المشهد الثقافى العربى، تبرز أسماء لم تكتفِ بترك بصمة، بل صنعت مسارات كاملة ومؤثرة، وفى صدارتها تقف الدكتورة فاطمة البودى كنموذج رائد للمرأة العربية القوية والمثقفة، التى جمعت بين رصانة العلم وشغف الفن والأدب..لم تكن رحلتها فى عالم النشر مجرد إدارة لمشروع تجارى، بل كانت رسالة تنويرية وإنسانية امتدت لنحو ربع قرن، احتضنت خلالها أصوات المبدعين وشجعت شبان الموهوبين، استطاعت د. فاطمة البودى أن تعزز مكانة النشر كواحدة من أهم المنارات الثقافية، مكللة هذه المسيرة بحصد العديد من التكريمات والجوائز الإقليمية والدولية، منها تكريمات رفيعة من وزارات الثقافة فى الجزائر وعمان، وجائزة أفضل جناح بمعرض القاهرة الدولى للكتاب، فضلاً عن وصول العديد من أصدرات دارها للقوائم القصيرة والطويلة لجوائز عالمية وعربية مرموقة كجائزة البوكر، إنها حكاية امرأة آمنت بأن النشر رسالة ومغامرة واعية، وأن صناعة الكتاب هى صناعة الحياة
> لماذا لم تتخصصى فى النقد وتتفرغى له بعد تخرجك فى معهد النقد الفنى مباشرة؟
>> كتبت بالفعل عدة مقالات نقدية لأكثر من عمل، لكننى أفضل الحديث والقراءة أكثر من الكتابة، وكان من بين أصدقائى المقربين الروائى السودانى الكبير الراحل الطيب صالح، والدكتور سمير سرحان، وغيرهما من قمم الفكر والأدب، واقترحوا على تأسيس دار نشر تُعنى بنشر الترجمات العلمية تحديداً، شعرت حينها أن هذا المشروع سيساعد فى نشر الثقافة العلمية المترجمة، التى كان المنتج المتاح منها للأسف قليلا جدا. قررت إنشاء دار تفتح أبوابها للمترجمين الشغوفين بأعمال بعينها يرونها مشروع حياتهم ولا يجدون منافذ لنشرها واستمررت لخمس سنوات كاملة أصل الليل بالنهار لإنتاج كتاب علمى مترجم، رغم أن الكتب العلمية لا تحقق أرباحا تجارية كبيرة.
تجربة النشر
>وما سبب حماسك لاستكمال تجربة تأسيس دار نشر، رغم أن تجارة الكتب –كما يشاع– ليست التجارة الأكثر ربحا؟
>>ربما تكون كذلك فى البداية، لكن مع الوقت والاستمرارية يتحقق النجاح والاستقرار، كانت الهيئات والمكتبات الأكاديمية هى التى تنتج الأعمال العلمية، ومع الوقت تحمست لإدخال الإبداع الأدبى إلى قائمة الدار، وكان أول عمل روائى قدمته هو «صمت الطواحين» للأديب الراحل يوسف أبو رية، كما منحنى الأديب الكبير الطيب صالح حقوق نشر روايته الخالدة «موسم الهجرة إلى الشمال»، ومنذ تلك اللحظة تنوعت إصدارات الدار بين المعرفة العلمية والثقافية والعمل الأدبي، إننى أتحمس بشدة للموهوبين الذين ينشرون لأول مرة، وأعشق المغامرة الشريفة فى عالم الكتابة ولا أخشاها.
>رغم ما يثار عن غلاء أسعار الورق والأزمات الاقتصادية التى تؤثر على النشر، إلا أننا نشهد يومياً افتتاح دور نشر جديدة.. كيف ترين ذلك؟
>> فى الحقيقة، أغلب دور النشر التى تفتتح بشكل عشوائى تفتقر للأسس السليمة، لقد أصبحت هناك «موضة» سائدة، فشغف بعض الشباب بأن يصبحوا كتابا أو مشاهير جعلهم وقودا لهذه النوعية من الناشرين، وأطالب من خلال منبركم بضرورة وضع معايير وتدقيق صارم فى موافقات إصدار النشر
موضة الكتابة.
> ما رأيك فى موضات الكتابة المتعاقبة، بين الفانتازيا والواقعية، ومؤخرا ما يسمى بـ«أدب الرعب»؟
>> أنا أتحمس لأى كتابة تحمل عمقا علميا ولغة رصينة وبناء متماسكا يحترم عقل القارئ، هناك كاتبا مهما فى روايات الإثارة والترقب يمتلك لغة رائعة وثقافة غزيرة، وهو المهندس يحيى صفوت، فالكاتب الجيد يفرض نفسه فى أعماله مثل «جنينة المحروقي» وثنائية بر الضيف «الميراث» و»القصب»، وقد أصدرت له رواية بعنوان «ما أخفاه الرماد»، لا مشكلة فى مراعاة أذواق القراء المختلفة، بشرط أن يظل المستوى لائقا بما اعتادت الدار على تقديمه.
> ما المعايير التى تجعلكِ متحمسة لترشيح عمل ما لنيل جائزة دون غيره؟
>> تراكم الخبرة، لقد وصلت إلى مرحلة أختار فيها ما أنشره بعناية شديدة، وهو ما يسبب أحيانا عتبا من بعض الأصدقاء، لقد تعبت كثيرا أنا وفريقى على مدار 27 عاما لبناء اسم هذه الدار والحفاظ على رصيدها،حصدت الدار والعديد من كتابها جوائز وتكريمات رفيعة.
> هل تشغلك الجوائز؟
>> حصلنا على جائزة أفضل جناح بمعرض القاهرة الدولى للكتاب اكثر من مرة ومن اكثر من معرض دولي، ووصلت أعمال مبدعين تعاملوا معنا – أمثال ميرال الطحاوى وأحمد عبد اللطيف وربيعة – إلى القوائم القصيرة والطويلة لجوائز كبرى مثل البوكر، وفى كل عام يحصد أحد كتاب الدار جائزة مرموقة، كما تم تكريمى شخصياً من وزارتى الثقافة فى الجزائر وسلطنة عمان ومن عدة جهات عربية، الجوائز تقدير جميل، لكن المعيار الأهم هو البقاء فى ذاكرة القارئ.
تحقيق الذات
> كيف اقتحمتِ سوق النشر واستطعت إثبات وجودك وتحقيق مكانة بارزة بين أوائل الناشرين؟
>>لم أجد معاناة كبيرة فى انتزاع مكانى، فكل شخص ينال مكانته بشخصيته ودائرة معارفه وإخلاصه، لن يقبل أى معرض دولى مشاركتك ما لم تكن لديك قائمة نشر محترمة، كانت أول مشاركة خارجية لى فى معرض الشارقة الدولى للكتاب بكتابين مهمين للشاعر الكبير فاروق شوشة والعالم الدكتور فاروق الباز، وهما قامتان فى الوطن العربي، وكانت بداية موفقة بتوفيق من الله ثم بالإصرار والعمل بروح الأسرة الواحدة مع فريق عملي.
> هل تنظم الدار أنشطة ثقافية موازية للنشر؟
>> نعم، أسست صالون «العين» الثقافى لمناقشة إصدارات الدار والأعمال المتميزة الصادرة فى دور نشر أخرى أيضا.
>لاحظت خلال حضورى لمناقشات الكتب فى الدار أنك لا تشاركين بالحديث فى أغلبها.. ما السبب؟
>> هذا مقصود، فأنا أفضل بشدة أن يتقدم النقاد والكتاب الشباب لإدارة ورعاية هذه المناقشات، تهمنى تشجيع الطاقات الشابة ومساندة الآخرين، تماما كما وجدت من ساندنى ووقف بجانبى فى بداية مسيرتي.
ورش الكتابة
>هل تفكرين فى تنظيم ورش لتعليم الكتابة أو السيناريو داخل الدار؟
>> لا، أنا لا أؤمن بورش الكتابة الإبداعية، وأرى أن معظمها تحول إلى وسائل للتكسب، قد تكون مقبولة إذا قدمت بشكل مجاني، لكنى أرى عموما أن من لا يمتلك الموهبة الحقيقية لن تنفعه الورش مهما حضر، والدليل أن أغلب الأعمال القائمة على فكرة الورش تأتى باهتة وغير مؤثرة، فكيف لعمل فنى يفترض فيه التكامل أن تتشتت أفكاره بين عدة رؤى؟ هذه الورش تشبه جروبات القراءة على الإنترنت، وهى سلاح ذو حدين، فإذا أسس الجروب شخص واعى وحيادى لا يهدف للربح يستفيد الجميع، أما الجروبات القائمة على الإعلانات المدفوعة فلا طائل منها.
> هل ستظلين متمسكة بمبادئكِ مهما بلغت الضغوط الاقتصادية أو السوقية؟
>>أنا أنتعش بالتحدي! أدافع بحرارة عن الكتاب الذين يعملون معي، وأروج للعمل الجيد بمحبة، وأرشحهم للجوائز والمنصات، فهذه رسالة، الفارق الحقيقى بين ناشر وآخر هو مدى اهتمام الدار ورعايتها الإنسانية والإبداعية لمن يتعاملون معها.
> هل يمكن للكاتب العربى أن يعيش ويكسب من الكتابة يوماً ما؟
>>فى الواقع الحاضر، لا يوجد كاتب يعيش فقط من عائد الكتابة فى عالمنا العربى وإذا وجدنا من يبيع كتاباته بكثرة أو يمتهن الكتابة الروائية كدخل أساسي، فهذه استثناءات نادرة وليست قاعدة عامة.




