قال السياسي الفلسطيني محمد جودة، إن أي اتفاق سلام أو تفاهم استراتيجي بين واشنطن وطهران لا يعني بالضرورة نهاية الأزمات في الشرق الأوسط، لكنه يغيّر طبيعة هذه الأزمات فالمنطقة عاشت خلال العقدين الماضيين على إيقاع الصراع الأمريكي الإيراني، وكان جزء كبير من التوتر في غزة ولبنان والعراق وسوريا انعكاسًا لهذا الاشتباك غير المباشر.
وتابع جودة في تصريحات خاصة لـ"الدستور": “اليوم، إذا افترضنا أن الطرفين توصلا إلى تفاهم مستقر وليس مجرد هدنة سياسية مؤقتة، فإننا نكون أمام انتقال من مرحلة إدارة الصراع بالقوة إلى مرحلة إدارة المصالح بالتفاوض، وهذا تحول مهم جدًا”.
وحول ملف غزة، قال جودة لا أعتقد أن الاتفاق وحده قادر على إنتاج حل سياسي نهائي، فجوهر الأزمة هناك فلسطيني-إسرائيلي بالدرجة الأولى، لكن ما يمكن أن يتغير هو البيئة الإقليمية المحيطة بالحرب فكلما تراجع التوتر بين واشنطن وطهران، تقل احتمالات استخدام غزة كساحة رسائل متبادلة بين القوى الإقليمية والدولية، وهذا قد يفتح المجال أمام ترتيبات طويلة الأمد تتعلق بوقف النار وإعادة الإعمار وإدارة القطاع، ومع ذلك، ستظل العقبات الكبرى مرتبطة بمستقبل الحكم في غزة، وشكل السلطة الفلسطينية، والموقف الإسرائيلي من أي تسوية سياسية.
وحول ملف لبنان، أشار “جودة” إلى أنه يقف أمام مرحلة مختلفة تمامًا، فلبنان كان تاريخيًا من أكثر الساحات تأثرًا بالعلاقة الإيرانية الأمريكية وإذا استقر التفاهم بين الطرفين، فمن المرجح أن تتزايد الضغوط الدولية والإقليمية باتجاه تثبيت الهدوء على الحدود الجنوبية وإعادة الاعتبار لدور الدولة اللبنانية.
ولفت إلى أن ذلك لن يحدث بصورة دراماتيكية أو سريعة، لكننا قد نشهد انتقالًا تدريجيًا من منطق المواجهة العسكرية المفتوحة إلى منطق التوازنات السياسية والأمنية.
وأوضح جودة أن المسألة الأهم هنا أن المنطقة كلها تبدو متجهة نحو ما يمكن تسميته “مرحلة خفض المخاطر”، أي أن لا أحد من القوى الكبرى أو الإقليمية يمتلك مصلحة حقيقية في حرب واسعة جديدة الولايات المتحدة تريد التفرغ لأولويات أخرى، وإيران تحتاج إلى استقرار اقتصادي، والدول العربية تركّز على التنمية والاستثمارات، وحتى إسرائيل تواجه تحديات داخلية وأمنية تجعلها أكثر حذرًا تجاه الحروب المفتوحة.
وتابع: “لكن في المقابل، لا ينبغي المبالغة في التفاؤل فالشرق الأوسط مليء بالنزاعات التي أصبحت لها ديناميكياتها الذاتية، غزة ليست مجرد ملف إيراني، ولبنان ليس مجرد ساحة نفوذ، وسوريا والعراق واليمن لكل منها حساباته الداخلية المعقدة، لذلك فإن الاتفاق، حتى لو كان تاريخيًا، لن يصنع سلامًا شاملًا بين ليلة وضحاها”.
واختتم: "التقدير الأقرب للواقع هو أننا قد نشهد خلال السنوات المقبلة انخفاضًا في مستوى الاشتعال الإقليمي، مع استمرار بؤر التوتر نفسها ولكن ضمن سقوف أقل خطورة، بمعنى آخر المنطقة قد تخرج من مرحلة الحروب الكبرى إلى مرحلة التسويات الجزئية والهدن الطويلة، وهو تطور مهم، لكنه لا يرقى بعد إلى مستوى السلام الشامل الذي ينهي جذور الصراعات القائمة


