سياسة جريدة الجمهورية

«لا حرب.. لا سلم» والمعادلة الثلاثية المستحيلة

ما يحدث من مناوشات وضربات متفرقة بين أمريكا وإيران يؤكد ان الهدنة كانت احتياجًا مؤقتا للطرفين، لا نتاج قناعة بعجز الحرب.. مجرد وقفة اضطرارية، وفسحة لالتقاط الأنفاس، وتحضير لجولة آتية حتمًا، والوضع الآن؛ أن الجبهة ليست فى قتال ولا تهدئة، بل مُناوشات فى دائرة مُغلقة، كلٌّ طرف يحرص على التمسك بموقعه دا...

«لا حرب.. لا سلم» والمعادلة الثلاثية المستحيلة
14 مشاهدة

اقرأ من المصدر

جريدة الجمهورية

زيارة المصدر

ما يحدث من مناوشات وضربات متفرقة بين أمريكا وإيران يؤكد ان الهدنة كانت احتياجًا مؤقتا للطرفين، لا نتاج قناعة بعجز الحرب.. مجرد وقفة اضطرارية، وفسحة لالتقاط الأنفاس، وتحضير لجولة آتية حتمًا، والوضع الآن؛ أن الجبهة ليست فى قتال ولا تهدئة، بل مُناوشات فى دائرة مُغلقة، كلٌّ طرف يحرص على التمسك بموقعه داخلها، ولا يضغط بثقله لإخراج الآخر تمامًا.

وفى سجلات الدبلوماسية، هناك قاعدة أساسية: «إذا أردت أن تعرف حقيقة ما يحدث، فلا تنظر إلى ما يُقال على المنصات، بل راقب ما يُفعل فى الخلف»، وما يحدث اليوم بين واشنطن وطهران، بل هو نموذج صارخ على «ازدواجية المسار» التى تحكم العلاقات الدولية فى لحظات التحول: «مسار للعلن، ومسار للسر».

فى العاصمة التركية، خلال قمة حلف شمال الأطلسى هذا الشهر يوليو 2026، خرج الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بتصريح بدأ للوهلة الأولى وكأنه «إعلان حرب دبلوماسي»: «أعتقد أن التفاهم مع إيران انتهي»، لم يكن هذا الكلام عابرًا، بل تكرّر فى مواقف عدّة، وكأن الهدف هو «تثبيت الحكم» فى الوعى العام قبل أن تُغلق الأبواب فعلياً.

لكن القراءة المتأنية للتفاصيل تكشف مفارقة، فالمذكرة التى وقعها الطرفان فى 18 يونيو 2026، بوساطة قطر وباكستان، والتى نصت على وقف القتال ورفع الحصار البحري، لا تزال قائمة فى الجوهر، فما يحدث ليس «إنهاءً» للاتفاق، بل هو «إعادة تموضع» فى خطاب العلن، بينما تستمر الاتصالات فى القنوات الخلفية.

فى توقيت متزامن، كان رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو على موعد مع «الاصطياد فى الماء العكر». ففى زيارة ميدانية لجنوب لبنان، أعلن أن إسرائيل «لن تخرج من جنوب لبنان حتى تزول التهديدات».

هذه التصريحات ليست مجرد رد عسكري، بل هى رسالة سياسية متعددة الأوجه:

– داخلياً: التمهيد للانتخابات المقبلة عبر عرض «الرجل القوي» الذى لا يهادن.

– إقليمياً: الضغط على لبنان وحزب الله لخلق واقع جديد على الحدود.

– دولياً: اختبار مدى التزام واشنطن بالتحالف الاستراتيجى مع إسرائيل فى ظل تقلبات السياسة الأمريكية.

هنا تكمن «حرفة» السياسة فى الشرق الأوسط: تحويل التهديد إلى ورقة تفاوض، واستخدام الحرب الكلامية كبديل عن الحرب الفعلية، مع الحفاظ على قنوات اتصال تسمح بالرجوع عن الحافة فى اللحظة الأخيرة.

إن ما يجرى اليوم فى المثلث «واشنطن ـ طهران ـ تل أبيب» يعكس أزمة أعمق فى إدارة الصراع الإقليمي، فبدلاً من البحث عن تسوية شاملة تعالج جذور التوتر، تكتفى الأطراف بـ «إدارة الأزمات» بشكل آني، مما يحول المنطقة إلى ساحة دائمة للتوتر المتجدد.

إسرائيل تريد ضمانات أمنية مطلقة، إيران تريد رفع العقوبات والاعتراف بدورها الإقليمي، وأمريكا تريد الحفاظ على هيمنتها دون دفع ثمن باهظ، هذه المعادلة الثلاثية المستحيلة هى مصدر عدم الاستقرار المزمن فى الشرق الأوسط.

ويبقى السؤال المهم: هل تؤدى هذه «الحرب الكلامية» إلى تفاهم حقيقي، أم أنها مجرد تأجيل للصدام؟ التاريخ يعلمنا أن التصريحات النارية قد تكون أحيانًا مقدمة لتسوية، وقد تكون غطاءً لتصعيد.

مقالات ذات صلة