سياسة جريدة الدستور

توتر بين أمريكا وإسرائيل بسبب إيران.. ونائب ترامب يقود راية العصيان ضد نفوذ تل أبيب في واشنطن

توتر بين أمريكا وإسرائيل بسبب إيران.. ونائب ترامب يقود راية العصيان ضد نفوذ تل أبيب في واشنطن
28 مشاهدة

اقرأ من المصدر

جريدة الدستور

زيارة المصدر

تشهد العلاقات الأمريكية الإسرائيلية في المرحلة الراهنة واحدة من أكثر فتراتها تعقيدًا منذ سنوات، ليس بسبب تراجع التحالف الاستراتيجي بين البلدين، وإنما نتيجة اتساع فجوة الرؤى بشأن كيفية التعامل مع إيران، إضافة إلى تصاعد الجدل داخل الولايات المتحدة حول النفوذ الإسرائيلي في دوائر صنع القرار، وما أثارته تصريحات نائب الرئيس الأمريكي الأخيرة بشأن إسرائيل وقضية رجل الأعمال الراحل جيفري إبستين، وهي تصريحات فتحت بابًا واسعًا للنقاش السياسي والإعلامي حول حدود العلاقة الخاصة بين واشنطن وتل أبيب، ومدى تأثير جماعات الضغط الإسرائيلية على السياسة الأمريكية، في وقت تواجه فيه الإدارة الأمريكية تحديات داخلية وخارجية متزايدة.

ويعد الملف الإيراني المحور الرئيسي للخلافات الحالية، إذ تتبنى الإدارة الأمريكية نهجًا يقوم على المزج بين الضغوط الاقتصادية والردع العسكري مع الإبقاء على قنوات للحوار الدبلوماسي، بينما ترى الحكومة الإسرائيلية أن أي مساحة للتفاوض مع طهران تمنحها فرصة لإعادة ترتيب أوراقها وتعزيز قدراتها العسكرية والنووية. ومن هذا المنطلق، تضغط إسرائيل بصورة مستمرة من أجل تبني سياسة أكثر تشددًا، تشمل تشديد العقوبات وعدم تقديم أي تنازلات يمكن أن تُفسر باعتبارها تراجعًا عن سياسة الاحتواء الصارمة.

وزادت حدة الجدل بعدما أدلى نائب الرئيس الأمريكي بتصريحات غير مسبوقة في حدتها، حيث أشار إلى ضرورة إعادة النظر في بعض المسلمات المتعلقة بالعلاقة مع إسرائيل، كما تطرق إلى الجدل الدائر حول قضية جيفري إبستين، متحدثًا عن ضرورة الكشف عن جميع الحقائق المرتبطة بالشبكات التي كانت تحيط به، وأكد وجود صلات بين إبستين وجهاز الموساد الإسرائيلي.
وجدد نائب الرئيس جاي دي فانس هجومه على بعض أعضاء الحكومة الإسرائيلية، متهمًا إياهم بشن "حملة تأثير أجنبي" للتأثير على الرأي العام الأمريكي وإفشال الاتفاق مع إيران. مشيرًا إلى حملة ممولة جيدًا للتأثير على الرأي العام الأمريكي ضد الاتفاق. وأكد فانس أن هناك من يحاول التلاعب بالرأي العام الأمريكي لإبقاء الحرب مستمرة إلى أجل غير مسمى". وجاءت هذه التصريحات في سياق التوتر المتجدد حول مضيق هرمز، حيث دافع فانس عن النهج الدبلوماسي لإدارة ترامب، مؤكدًا أن الولايات المتحدة تمتلك "كل الأوراق" وتفضل الحل الدبلوماسي على استمرار التصعيد العسكري. أثارت تصريحاته اليوم موجة جديدة من الغضب في تل أبيب، وتعزز صورة فانس كصوت "أمريكا أولًا" الذي يرفض الضغوط الخارجية.

ويعكس هذا الجدل تغيرًا تدريجيًا في طبيعة النقاش السياسي داخل الولايات المتحدة، إذ لم يعد الحديث عن النفوذ الإسرائيلي في واشنطن يقتصر على دوائر أكاديمية أو مراكز أبحاث، بل أصبح حاضرًا بصورة أكبر في السجال السياسي والإعلامي، خاصة مع تصاعد الانقسام الحزبي وتنامي الأصوات المطالبة بإعادة تقييم شكل الدعم الأمريكي لإسرائيل وربطه بالمصالح القومية الأمريكية أولًا.

ولا يمكن إنكار أن إسرائيل تمتلك حضورًا قويًا داخل المشهد السياسي الأمريكي من خلال جماعات الضغط المؤثرة، وفي مقدمتها لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC)، إلى جانب شبكات واسعة من العلاقات السياسية والاقتصادية والإعلامية. وقد نجحت هذه المؤسسات عبر عقود في بناء قاعدة دعم قوية داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بما ساهم في ترسيخ مكانة إسرائيل باعتبارها أحد أهم الحلفاء الاستراتيجيين للولايات المتحدة.

إلا أن هذا النفوذ يواجه اليوم تحديات متزايدة، سواء بسبب التحولات الديموغرافية داخل المجتمع الأمريكي، أو نتيجة صعود تيارات سياسية أكثر انتقادًا للسياسات الإسرائيلية، خاصة فيما يتعلق بالحرب في غزة والاستيطان ومستقبل القضية الفلسطينية. كما أصبحت قطاعات من الشباب الأمريكي أكثر استعدادًا لطرح تساؤلات حول حجم المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل ومدى توافقها مع أولويات السياسة الداخلية.

الخلاف الحالي لا يمثل قطيعة بين البلدين بقدر ما يعكس اختلافًا في إدارة الملفات الإقليمية. فالولايات المتحدة ما زالت تعتبر إسرائيل شريكًا استراتيجيًا أساسيًا في الشرق الأوسط، بينما تدرك إسرائيل أن استمرار الدعم الأمريكي يمثل ركيزة رئيسية لأمنها القومي. لذلك فإن الخلافات، مهما بلغت حدتها، تظل محكومة باعتبارات استراتيجية أعمق تمنع تحولها إلى أزمة تهدد جوهر التحالف.

ومع ذلك، فإن استمرار التباين بشأن إيران قد يؤدي إلى زيادة الضغوط المتبادلة خلال الفترة المقبلة، خصوصًا إذا اتجهت واشنطن إلى إحياء مسارات دبلوماسية مع طهران أو تخفيف بعض القيود الاقتصادية مقابل التزامات نووية جديدة، وهو ما قد تعتبره إسرائيل تهديدًا مباشرًا لأمنها، فتسعى إلى ممارسة مزيد من الضغوط السياسية داخل الولايات المتحدة للحيلولة دون ذلك.

إثارة ملفات حساسة مثل قضية إبستين تزيد من حدة الاستقطاب الداخلي الأمريكي، وتفتح الباب أمام معارك سياسية وإعلامية جديدة حول طبيعة العلاقة الخاصة بين واشنطن وتل أبيب وحدود تأثير جماعات الضغط في صناعة القرار.
وفي المحصلة، تبدو العلاقات الأمريكية الإسرائيلية أمام مرحلة إعادة توازن أكثر منها مرحلة انفصال. فالتحالف الاستراتيجي بين البلدين لا يزال قائمًا على أسس أمنية وعسكرية واقتصادية راسخة، لكنه يواجه في الوقت ذاته ضغوطًا متزايدة ناجمة عن اختلاف الأولويات تجاه إيران، وتصاعد الجدل الداخلي الأمريكي بشأن حدود النفوذ الإسرائيلي في عملية صنع القرار.

مقالات ذات صلة