سياسة جريدة الجمهورية

الأكاديمية العسكرية.. مصنع رجال الدولة

رجل الدولةورجال الدولة.. فارق كبير بين رجل السياسة ورجل الدولة، رجل السياسة عينه على المنصب، والانتخابات وكيفية إرضاء الناخبين ولو على حساب مقاصد الوطن العليا. رجل الدولة ليس من يثق الناس به فحسب، بل من يجعل الناس يثقون بأنفسهم.. رجل الدولة عينه على المقاصد والغايات، ومنخرط فى إعداد الأجيال القادمة،...

الأكاديمية العسكرية.. مصنع رجال الدولة
15 مشاهدة

اقرأ من المصدر

جريدة الجمهورية

زيارة المصدر

رجل الدولةورجال الدولة..

فارق كبير بين رجل السياسة ورجل الدولة، رجل السياسة عينه على المنصب، والانتخابات وكيفية إرضاء الناخبين ولو على حساب مقاصد الوطن العليا. رجل الدولة ليس من يثق الناس به فحسب، بل من يجعل الناس يثقون بأنفسهم.. رجل الدولة عينه على المقاصد والغايات، ومنخرط فى إعداد الأجيال القادمة، ليبنى وطنًا مستقرًا ومزدهرًا لسنوات قادمة.

رجل الدولة يغلب المصلحة العامة على المصلحة الشخصية الضيقة، وما فيه مصلحة وطنه أولًا، ولا يستهدف مكسبًا شخصيًا أو مغنمًا، يجتهد مخلصًا فى ما يفيد وطنه على المدى الطويل، لا يعتمد على وجوده الشخصى فقط، بل يبنى مؤسسات قوية قادرة على الصمود فى مواجهة التحديات.

رجل الدولة يمتلك القدرة على اتخاذ قرارات صعبة وشجاعة فى وقت الأزمات، ويتحمل مسئوليتها الكاملة دون وجل أو تردد، القيادة تُختبر فى العواصف وصعاب الأمور، لا فى أوقات الهدوء والراحة، القائد المسئول لا يملك رفاهية الوقت، ولا رفاهية المنصب . القيادة ليست مغنماً ولكنها مسئولية.

الكاتب الأمريكى وارن بينيس يلخص القيادة الحكيمة فى كلمات: «القيادة هى ترجمة الرؤيا إلى واقع ملموس»، رجل الدولة (القائد) لا يكتفى بطرح المشكلات أو إلقاء الخطب العصماء، بل يقدم حلولًا وبدائل حقيقية وقابلة للتنفيذ على أرض الواقع، ويشرع فى تنفيذها مؤمنًا بحق وطنه فى الارتقاء.

حديث الرئيس «عبدالفتاح السيسى» فى حفل تخرج الدورة رقم (6) للجهات والهيئات القضائية (وزارة العدل)، من الأكاديمية العسكرية المصرية، لا يصدر إلا عن رجل دولة، يملك مواصفات رجل الدولة الذى عركته الخطوب، ويمتلك الشجاعة فى طرح المشكلات، ويقدم وينفذ مشروعًا وطنيًا مؤمنًا بحق شعبه فى حياة كريمة. ويصح فى المقال قول نابليون بونابرت، لا نحكم شعبا إلا بأن نريه المستقبل، القائد هو تاجر الأمل.

إجمال حديث الرئيس لايغنى عن تفصيل، يتحدث عن مشروع وطنى لصناعة رجال الدولة، وصناعة الرجال من أصعب وأعقد الصناعات، وتحتاج إلى صبر وجلد وإيمان بأن تصنيع الرجال مهمة الأجيال المؤتمنة على الأوطان.

ورثت الجمهورية الجديدة حزمة أمراض موروثة مزمنة وسارية، واستفحلت فى دولابها الوظيفي، الوساطة والمحسوبية والاتكالية والأنمالية، وعدم تحمل المسئولية بل والتهرب منها، وشاعت فيروسات معدية متحورة وخطيرة من عينة (وأنا مالي، وأنا استفدت إيه، ولو خرب بيت أبوك خد لك منه قالب). أخشى غابت المصلحة الوطنية فى غيابات جب سحيق، وشاهت مقاصد الوطن العليا فى الأعين، وتفشت الفردية والأنانية، والمحاباة، والمجاملات، وقطع الطريق على المجتهدين، وقبر المواهب، ووأد الطاقات الخلاقة، ودفن زهور الوطن، وحجب شمس العلم والمعرفة، وسيادة الاتكالية، وزعم الرفض للرفض، والنكوص عن تأدية الواجب، والخلط بين العام والخاص وغيرها كثير مما أصاب العقل الجمعى فأقعده عن بلوغ الغايات.

الدورات الإعدادية التى تتكفل بها الأكاديمية العسكرية المصرية، ليست بغرض (عسكرة الدولة) كما يشيع إخوان صهيون ومواليهم فى الشتات، ويتبعهم الغاوون بين ظهرانينا تسفيهًا وتسخيفًا بغرض لا يخفى عن كثير، والغرض مرض، والأذية طبع.

عذرهم أنهم لا يعرفون، تهدف الاكاديمية إلى صناعة رجال الدولة، وهى صناعة ثقيلة، تأهيل شباب الوطن على أداء مهامهم الوظيفية بكفاءة وتجرد واحترافية. الوظيفة العامة ليست للمباهاة والاستعلاء والتسيد على الناس. ترجمتها الخدمة العامة بمنطوق خادم القوم سيدهم وليس سيدًا عليهم، وشهدنا صورًا من الاستعلاء الكريه، والتسيد البغيض، والتكبر على الناس، واستضعافهم، واستباحة عوزهم وهوانهم على الناس.

تثقيف شباب الوطن فى مستقبل حياتهم العملية بواجبات وموجبات الوظيفة العامة، ومقاصد الوطن العليا ومحددات الأمن القومى والحفاظ على الدولة الوطنية قوية مستقرة فى وجه الخطوب، استثمار فى مستقبل الوطن، تخريج دفعات من رجال الوطن ذخرًا للوطن، ذخيرة للمستقبل.

استثمار فى اعداد فريق وطنى عامل فى الوزارات والهيئات والمؤسسات التى تعانى نقصًا فادحًا فى الكفاءات لأسباب ليست خافية، وكلفت الوطن كثيرًا من منعته وقوته، رجال الوطن يعتبرون لوطنهم، ويرعون مصالح شعبهم، ويقفون احترامًا للعلم والنشيد الوطني.

إعادة الاعتبار للوظيفة العامة فى أعين الشارع ضرورة مستوجبة، الموظف العام الذى كان يمشى بين الناس خادمًا لهم، ميسرًا لحاجاتهم، ملبّيًا لطلباتهم، محافظًا على حقوقهم، هذا هو الموظف العام فى مراتبه، وفهمه لواقعه المعاش، وفقهه لمقاصد وطنه العليا.

الفكرة فى مشروع الدورات التأهيلية للمرشحين لشغل الوظائف العامة، على منصة القضاء أو على المنبر أو فى الديوان العام، أو السلك الدبلوماسي، مستغربة (كما قال الرئيس) لأنها ولدت غريبة دون تحضير مجتمعي، وتمليك الأهداف والمعلومات اليقينية للنخب المستغربة، حسنًا فعل الرئيس بالشرح والتحليل، استفاض الرئيس فى الشرح، ورسم الفكرة وعمل عليها، فكرة طيبة كشجرة طيبة، مثمرة فى المستقبل القريب.

الدورات التأهيلية تعالج خللًا ونقصًا فادحًا فى ذخيرة الرجال المؤمنين برسالتهم، والمؤتمنين على مصالح العباد، ويجتهدون فى الصلاة فى محراب الوطن. الأكاديمية العسكرية ليست بديلًا عن الكليات المدنية، كما يشاع وتعمل على إشاعته جماعات لا تؤمن بوطن ولا ترعى حدود الله فى وطنها، فكرة لا تستهدف تخريج عسكريين، ولكنها معبر تأهيلى للمرشحين لشغل الوظائف العامة، ترفد المؤسسات العامة، برجال الدولة فى القضاء والخارجية والأوقاف والجامعات والمستشفيات وسائر المصالح العمومية وغيرهم كثير يمرون من ممر الأكاديمية العسكرية يكملون ما فاتهم،  من دروس وعلوم وثقافات، يتلقون دروسهم على خبراء ثقات فى شتى العلوم التى تشكل العقلية الراجحة التى ستؤتمن على مصالح البلاد والعباد.

هرمنا ونحن نعانى من انخفاض معدلات أداء شاغلى الوظائف العامة، وتراجع مستويات الأداء، وتولى غير الأكفاء، والاعتماد على الثقة كمعيار أخير فى الاختيار، وشاهت المعايير، وتخلفت الاختبارات، وشاعت الوساطة والمحسوبية، والمجاملات، وصارت الشكوى عامة تصم الآذان.

فى الأكاديمية العسكرية تطبق القواعد والمعايير والشروط على الجميع، الكل سواء، لا مكان للمحاباة، ولا مروق من الواجبات، حتى التربية البدنية من موجبات التربية الوطنية فى الأكاديمية، معلوم لابد أن تُهذَّب العقول قبل أن تُصقل الأجساد، فصلاح الظاهر يبدأ من نقاء الباطن، ولا يستقيم بناءٌ تُهمل أساساته.

مصانع الرجال فى الأكاديمية العسكرية يجتهد قادتها المؤتمنين فى التنفيذ الأمين لفكرة الرئيس، الأكاديمية تعمل بكامل طاقتها لإعداد رجال الدولة وفق برامج تأهيلية حديثة، وفق أحدث ما أنتجته مصانع الرجال عالميًا.. ومدير الأكاديمية العسكرية اللواء أركان حرب «محمد صلاح التركي» حمل الأمانة، إعداد وتأهيل الطلبة العسكريين والكوادر المدنية لمختلف وظائف الدولة، توكيدًا على أهمية بناء الإنسان وانضباط المؤسسات لخدمة المصلحة العليا  للوطن.

الفكرة على وقتها، لا نملك رفاهية الوقت، الحاجة ماسة لرجال الدولة فى مختلف المواقع، فى المدرسة والمسجد والجامعة والأكاديمية، فى المصنع والحقل، فى الوزارة والمحافظة والمؤسسة والهيئة، الجهاز الإداري، دولاب الدولة يحتاج إلى عمرة عميقة تطيل عمره، وترفده بأسباب الاستدامة، والنجاح على شرط، على أيدى رجال الدولة الذين يستبطنون مقاصد الوطن العليا ويؤدون وظائفهم بتجرد وإخلاص فى حب وطن يستحق الخلود.

عانى الجهاز الإدارى لعقود طالت، من جملة أمراض مزمنة وسارية حتى ساعته، شاعت المحسوبية والواسطة، وصارت الخدمات رهنا بالمجاملات، والاختيارات وقفًا على الوساطات، وبعمدية جرى تجنيب الكفاءات، الوطن نزف كثيرًا من مصادر قوته البشرية، نزيف مستدام كان حتمًا لابد من إيقافه، وتحويل المسار نحو معبر محايد لا يعتبر لوساطات ولا مجاملات، معبر تعبر منه الكفاءات بناءً على مواصفات، وتستنفر الطاقات، وتجلى المواهب.

الأكاديمية العسكرية ليست بديلًا عن الكليات المدنية ولا تقوم بدورها، بل تصقل المواهب المدنية كما تصقل المواهب العسكرية، وتنمى الكفاءات والمواهب، وتضع الشباب الواعد الذى تفوق مدنيًا على أول الطريق الوطنى الصحيح متسلحين بالعلم والمعرفة والولاء.

فكرة دورات الأكاديمية العسكرية تعيد الاعتبار للوظيفة العامة، ومعايير الاختيار، لقد تمت استباحة الوظيفة العامة، وإهدار المعايير تحت وطأة المجاملات والوساطات والمحسوبيات، وتضرر كثير من الشباب، وصار الإهدار عنوانًا، والمحسوبية طقسًا، والمجاملات من المرعيات، فتولى الأمر غير أهله.

التطبيع مع الفكرة يحتاج وقتًا، وقبل الوقت قناعة، والقناعات تتولد من التجارب، والتجارب لابد لها من معايير حاكمة، كانت الحاجة ماسة إلى كيان جديد، بفكر جديد، يطبق معايير صارمة لا تجامل ولا تحابى أحدًا على حساب المصلحة العامة.

الوظيفة العامة ليست حصرًا على فئة ممن يملكون كروت التوصيات، وليست حكرًا على ذوى الأصول، وليست مطية لمن لا يملكون مؤهلاتها، الطبيب النابه كالمهندس النابه، حاصل تحصيل علومه المدنية، نظرية وتطبيقية، وعلومه الإنسانية، ثقافته العامة، وعلوم الإدارة، إدارة موهبته ووظيفته، وقسم الولاء أولًا، الذى يترجم إخلاصًا للوطن من بعد الله.

الدورات التأهيلية فى الأكاديمية العسكرية ليست نزهة خلوية، ضبط وربط ونظام، وعلوم وفنون وثقافات، وتجلية معانى الولاء والانتماء، وتحصين جيل من الشباب الواعد من المغريات التى تنتج تشوهات، إنما يأكل الذئب الشاة القاصية التى لم يتم تحصينها بموجبات الولاء.

فرصة وسنحت لصنوف الشباب للتعايش معًا، وفهم بعضهم الآخر، وما يجمعهم أكثر كثيرًا مما يفرقهم، فرصة التعايش بين شباب الوطن، كل فى تخصصه يجمعهم كيان واحد، يتلقون فيه ما تيسر من موجبات الوظيفة، ويتعلمون الانضباط، ويفقهون مقاصد الوطن العليا، والتعبير مشتق من المقاصد الشرعية، ليس بعيدًا عنها، الغايات والأهداف الكبرى التى وضعها الشارع الحكيم لتحقيق مصالح العباد، حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل، وتجمع المقاصد بين الضروريات التى تقوم عليها حياة الناس، والحاجيات تلبية حاجات الناس، وتحسين جودة الحياة، وجميعها من مقاصد الوطن العليا التى هى منهاج الأكاديمية العسكرية.

مقالات ذات صلة