ثقافة جريدة الدستور

وليد اللحظة و ديناميكية توليد اللحظة!.. معرض لوليد نايف

إن أول ما جذبني إلى معرض الفنان وليد نايف هو شخصية الفنان المثقف نفسه. شخصية عابرة للحضارات القديمة من أرض الرافدين بالعراق إلى أرض النيل وما تحمله هاتان الحضارتان

1 مشاهدة

اقرأ من المصدر

جريدة الدستور

زيارة المصدر

هل هو صرخة عابرة في لحظة من الزمن أم هو شخصية فنان  يخترق حُجُب التاريخ والجغرافيا والزمن  معا ؟

إن أول ما جذبني إلى معرض الفنان وليد نايف  هو شخصية الفنان المثقف نفسه. شخصية عابرة للحضارات القديمة من أرض الرافدين بالعراق إلى أرض النيل وما تحمله هاتان  الحضارتان القديمتان من لغة بصرية وأبجدية متحولة ومتشابكة وممتدة عبر التاريخ. والعنوان الذي أختاره وليد ( وليد اللحظة ) يؤكد حضور شخصية الفنان  و ما يحمله من أسقاط مُتعمد وطريف لأسمه هو شخصيا، ولذلك فقد وضع الفنان نفسه في إطار واحد كعنصر من عناصر اللوحة...التي تخترق الأزمان..لتولد حيث قرر الفنان نفسه على السطح الأبيض..فكل لوح  ميلاد جديد لفنان يحمل إرث ثقافي وحضاري لحضارات عظيمة أنارت العالم القديم ؛ حيث يعبر بها من خلال  اللوحة إلى عالمنا المعاصر.. وحيث تمتد اللحظة من قديم الأزل وإلى الأزل !


ولقد بدا أن وليد نايل في معرضه الأخير بقاعة ياسين بالزمالك قد طور من 
فكره ورؤيته وأسلوبه التشكيلي الذي بدأ به منذ وقت  طويل ؛ حيث أصبح أكثر تكثيفا وعمقا ويحمل رؤية أوضح وأسلوبا معقدا من التكوينات والطبقات  اللونية والتأثيرات البدائية المتعمدة  كالكشط والمحو والتنوع في  الملامس وغيرها من التكنيكات المُركبة  المتراكبة مما منح الأعمال ثراءًا وبعدا آخر للزمن أو الأزمان المتعاقبة مع أحتفاظه بالشكل المحايد للأنسان وتشكيلاته الديناميكية الأقرب الى المدرسة المستقبلية في الفن التشكيلي، التي تعتمد على إبراز ديناميكية الحركة كعنصر  أساسي في التكوين، مثلما يعبر عن هذة الفلسفة،البيان التكنيكي لفناني المستقبلية في عام 1919:" كل شيء في حركة دائمة..  ليس هناك أي شيء أمام أعيننا ساكن..الفرس في حالة الركد ليس له أربع أرجل بل له عشرون رجلا أما أعيننا، وبين أرجله العشرين وهو في حالة حركة تتكون أشكال هندسية معظمها على شكل مثلثات..على الفن أن يكون ديناميكيا من حيث البنية لا أن يظهر الحركة كمشهد سينمائي بل كطاقة كونية فقط..إن الأشكال التي نستخدمها على أقمشة لوحاتنا ليست فقط تعابير عن الديناميك بل إنها الديناميك نفسها  "


كما أن هذة الحركة الديناميكية  المخترقة للزمن بأشكال ورموز بدائية  تبدو وكأنها  صرخة الأنسان الأول  في ( لحظة ) أصطدامه الأولي  بهذا الكون..مثل صرخة ال ( وليد) عند قدومه إلى هذة الحياة، مجردا من المعرفة أو الحكمة أو اللغة. إنها لحظة ألم خالصة !
وفي رأي أن اللعب بالحروف وتحويرها في الكثير من أعمال وليد نايف ربما يرجع إلى فلسفة ما مفاداها عدم جدوى اللغة نفسها أو عدم قدرتها عن التعبير عن الاَم البشر أو مخاوفهم اللا محدودة.
في كتابها ( جسد متألم ) تقول الكاتبة  إلين سكاري في صنع العالم وتفكيكه: عندما يسمع أحدنا عن ألم جسدي يعانيه شخص آخر، قد تبدو الأحداث الدائرة في داخل ذلك الشخص واقعة تحت أرض عميقة  ذات طبيعة مبهمة،تنتمي إلى جغرافيا غير مرئية  لا واقعية لها، مع أن ثمة علامات عليها، لأنها لم تعلن بعد عن نفسها على السطح المرئي من الأرض." 


و كأن الكاتبة تصف لوحة من لوحات الفنان وليد في تشكيلاتها التي تتضمن صرخات من الألم والبحث عن الذات في كل الأتجاهات دون اللجوء إلى لغة بعينها  مفهومة أو محددة لنا. ونظرية الكاتبة المفكرة مبنية على فكرة أن الألم بكل أشكاله الجسدية والنفسية ليس له لغه تعبر عنه، بل أنه يحطم اللغة ويفككها فلا يصدر من الأنسان أي حروف أو كلمات سوى كله( أه ) فقط وهذا ما لجأ إليه وليد نايف في تجريد شكل الأنسان ووظيفة الحروف في تكوين معنى واضح..لتصبح اللوحة لمجموعة من الاَهات المتتالية كمقطوعة موسيقية ذات لحن واحد وترددات  متذبذبة، متناغمة أو متصادمة أحيانا.


و لكن هل الفنان يعبر  عن ألمه الشخصي وتمزقه الداخلي بشكل خاص أم أنه يعكس كمراَة، كل ما يعاني منه عصره ومجتمعه  الذي فقد كل ثوابته وتفككت كل بنياته الفكرية واللغوية بفعل النظرة الفردية والسطحية والعملية العلمية   والأستهلاكية للعالم ولوجود الأنسان نفسه ؟! 
لتعود  الين سكاري في محاولة لشرح فكرتها  التي ربما تجيب عن هذا التساؤل الخاص بالفكرة التي قام عليها معرض ( وليد اللحظة )،لتقول:" سيظهر للعيان تدريجيا، السبب في أن الألم يتطلب بشكل رئيسي، تشظية اللغة وهدمها...لقد عودنا الفلاسفة المعاصرون على التسليم بأن أحوال وعينا الباطنية تصحبها بشكل متواتر موضوعات في العالم الخارجي." 


و لذلك فأن وليد نايف يمثلنا كلنا في تصوير ترددات صرخاتنا الواعية واللاواعية عبر تأوهاته و خربشاته المتألمة  و تكويناته المتمردة الساخطة  على جدار اللحظة داخل إطار الزمن اللا متناهي للوحة.

 

مقالات ذات صلة