تخوض مستعمرتان عملاقتان من النمل الأرجنتيني في ولاية كاليفورنيا الأمريكية صراعًا إقليميًا مستمرًا منذ سنوات طويلة، في ظاهرة علمية لافتة تشبه حروب الاستنزاف، إذ تتواجه آلاف النملات على حدود مناطق النفوذ، دون أن تتمكن أي من المستعمرتين من القضاء على الأخرى أو فرض سيطرتها الكاملة.
30 مليون نملة تسقط سنويًا في صراع بين مستعمرتين عملاقتين بكاليفورنيا
حسب المعلومات المنشورة عن هذه الظاهرة، تدور المواجهات بين مستعمرة تُعرف باسم Very Large Colony وأخرى تُسمى Lake Hodges Colony، بالقرب من مدينة سان دييجو، فيما تُقدّر الخسائر على امتداد خط المواجهة بنحو 30 مليون نملة سنويًا.
وتكمن غرابة هذه الحرب في طبيعة النمل الأرجنتيني، الذي يتميز بقدرته على تكوين مستعمرات فائقة الحجم تضم أعشاشًا متعددة ومترابطة، وتسمح لأفرادها بالتعاون والتحرك بين الأعشاش دون عدوان يُذكر فيما بينها.
لكن هذا السلوك يتغير عندما تلتقي أفراد مستعمرات مختلفة؛ إذ تتعامل النملات القادمة من مستعمرات متنافسة باعتبارها غريبة عنها، فتندلع مواجهات تتضمن العض والإمساك بالأفراد المعادية، ما يؤدي إلى سقوط أعداد كبيرة من النمل، وفقًا لدراسة علمية نُشرت في مجلة «Molecular Ecology» عام 2006.
وتشير المعلومات المتاحة إلى أن إحدى المستعمرات العملاقة تمتد على نطاق جغرافي واسع، فيما تشكل الحدود الفاصلة بينها وبين مستعمرة «Lake Hodges» منطقة اشتباك متكررة، تتواصل فيها المواجهات دون حسم نهائي.
ولا تعتمد المواجهات بين النمل الأرجنتيني على الاشتباك الجسدي وحده، بل تؤدي الإشارات الكيميائية دورًا مهمًا في سلوكه الدفاعي والهجومي.
وتشير أبحاث كيميائية إلى أن النمل الأرجنتيني يفرز مركبات، من بينها الإيريدوميرميسين والدوليكوديال، ضمن إفرازات غدد متخصصة. وتدخل هذه المواد ضمن منظومة كيميائية يستخدمها النمل في التفاعلات الدفاعية والتعامل مع التهديدات.
ورغم أن وصف هذه الإفرازات بأنها أسلحة كيميائية يمنح المشهد طابعًا حربيًا، فإنها في الواقع آليات بيولوجية طبيعية لدى الحشرات، ولا تعني بالضرورة أن جميع هذه المركبات تؤدي الدور نفسه في كل مواجهة.
لماذا لا تنتهي الحرب بانتصار إحدى المستعمرتين؟
وتكشف الدراسات العلمية أن الحدود بين مستعمرات النمل الأرجنتيني قد تظل واضحة ومستقرة نسبيًا، رغم استمرار الاشتباكات بينها، مع اختلاف معدلات العدوان والخسائر من منطقة إلى أخرى.
وأظهرت دراسة منشورة عام 2006 أن الباحثين رصدوا حدودًا سلوكية واضحة بين مستعمرات مختلفة، وسجلوا مواجهات متكررة خلال زيارات ميدانية امتدت ستة أشهر، مع تفاوت أعداد النمل الذي سقط خلال تلك الاشتباكات.
وتوضح هذه الظاهرة كيف يمكن لكائنات صغيرة أن تنشئ مجتمعات ضخمة، وتدافع عن مناطق نفوذها بصورة جماعية، فيما تستمر المنافسة بين المستعمرات المتجاورة دون أن تؤدي بالضرورة إلى انتصار حاسم لأي طرف.



