في كل مرة تقترب فيها صافرة البداية لكأس العالم، يعود السؤال القديم إلى الواجهة: هل يمكن لمنتخب عربي أن يكتب التاريخ ويرفع الكأس التي ظلت حكرا على قوى كروية كبرى منذ انطلاق البطولة؟
سؤال يبدو عاطفيا في ظاهره، لكنه في جوهره يكشف أزمة أعمق تتعلق بمشروع كرة القدم العربية نفسها: هل نحن نبحث عن لحظة مجد عابرة، أم نبني منظومة قادرة على صناعة بطل عالمي؟
اقرأ أيضا
لقد أثبتت منتخبات عربية في السنوات الأخيرة أنها لم تعد مجرد ضيف في المونديال، حيث ظهرت بأداء أكثر تنافسية، ونجحت بعض المنتخبات في تجاوز أدوار صعبة وتحقيق انتصارات تاريخية أمام كبار اللعبة.
لكن الانتقال من مرحلة إثبات الوجود إلى مرحلة التتويج يبدو طريقا مختلفا تماما، طريقا لا تصنعه الحماسة الجماهيرية ولا تصنعه الموهبة الفردية، بل تصنعه منظومة كاملة تبدأ من الطفل الصغير الذي يركل الكرة في الحي وتنتهي بلاعب يقف على منصة التتويج العالمية.
المشكلة الأساسية في كرة القدم العربية ليست غياب المواهب، فالعالم العربي لطالما أنجب لاعبين يمتلكون المهارة والقدرة على الإبداع.
أثبتت منتخبات عربية في السنوات الأخيرة أنها لم تعد مجرد ضيوف في المونديال، فقد ظهرت بأداء أكثر تنافسية، ونجحت بعض المنتخبات في تجاوز أدوار صعبة وتحقيق انتصارات تاريخية أمام كبار اللعبة
المشكلة أن الموهبة العربية كثيرا ما تولد خارج بيئة قادرة على صقلها وتحويلها إلى لاعب مكتمل، فاللاعب الموهوب يحتاج إلى أكثر من قدم ماهرة، ويحتاج إلى تكوين علمي، وتدريب حديث، ومنافسة قوية، ومسار احترافي واضح.
وهنا يكمن الفارق الحقيقي بين الكرة العربية والأنظمة الكروية الأكثر نجاحا في العالم.
لا تصنع الدول الكبرى أبطالها من خلال انتظار ظهور موهبة استثنائية، بل من خلال بناء منظومة تجعل ظهور اللاعب المميز نتيجة طبيعية للعمل المستمر.
فالأكاديميات الأوروبية ليست مجرد مدارس لتعليم مهارات كرة القدم، بل مؤسسات تصنع شخصية اللاعب، وتعلمه الانضباط، وتؤهله ذهنيا وبدنيا وتكتيكيا.
الموهبة وحدها لا تكفي
أما في العديد من التجارب العربية، فما يزال الاعتماد الأكبر قائما على الموهبة الفردية، وكأن اللاعب مطالب بأن ينقذ نفسه بنفسه.
فإذا ظهر لاعب استثنائي وامتلك القدرة على تجاوز العقبات، وصل إلى أوروبا وأصبح نجما، لكن هذه الحالات تبقى محدودة ونادرة ولا تكفي لصناعة منتخب بطل.
المنتخب الذي يفوز بكأس العالم لا يعتمد على لاعب موهوب فقط، بل على جيل كامل نشأ داخل مشروع رياضي متكامل. وكثيرا ما يُختزل مفهوم الاحتراف في انتقال اللاعب العربي إلى ناد أوروبي، لكن الاحتراف الحقيقي يبدأ قبل ذلك بكثير.
إنه ثقافة تبدأ من طريقة التدريب، ونمط الحياة الرياضية، والانضباط، وطريقة التفكير داخل الملعب وخارجه.
الأكاديميات الأوروبية ليست مجرد مدارس لتعليم مهارات كرة القدم، بل مؤسسات تصنع شخصية اللاعب، وتعلمه الانضباط، وتؤهله ذهنيا وبدنيا وتكتيكيا
ومما لا شك فيه أن الاحتكاك بالدوريات الأوروبية يمنح اللاعب العربي فرصة ثمينة للتطور، لأنه يضعه أمام نسق مختلف من المنافسة، ويجعله يواجه لاعبين ومدربين ينتمون إلى مدارس كروية متقدمة.
لكن المشكلة أن الوصول إلى هذه المرحلة يحتاج إلى قاعدة واسعة من اللاعبين المؤهلين، وليس إلى مجموعة قليلة من المواهب التي تشق طريقها وسط الصعوبات.
فالمنتخب الذي يريد الفوز بكأس العالم يحتاج إلى لاعبين اعتادوا منذ الصغر على المنافسة العالية، وليس إلى لاعبين يكتشفون هذا المستوى لأول مرة عند مواجهة المنتخبات الكبرى.
ومن الخطأ تفسير هيمنة أوروبا وأمريكا اللاتينية على كرة القدم العالمية بأنها مجرد نتيجة للثروة أو التاريخ، فهذه الهيمنة تقوم على منظومات متجذرة، وعلى قدرة مستمرة في إنتاج اللاعبين والمدربين والأفكار.
القارة الأوروبية بنت صناعة كروية متكاملة: أندية قوية، ودوريات تنافسية، وأكاديميات متطورة، واستثمارات ضخمة في العلم الرياضي.
أما أمريكا اللاتينية، فرغم اختلاف ظروفها الاقتصادية، فقد حافظت على ثقافة كروية تنافسية عميقة صنعت أجيالا من النجوم.
في المقابل، ما تزال الكرة العربية في كثير من الأحيان تتحرك برد فعل أكثر من تحركها وفق مشروع طويل الأمد، تتوهج عند ظهور جيل مميز، ثم تعود إلى البحث عن بداية جديدة بعد انتهاء ذلك الجيل.
وهذه هي الحلقة التي يجب كسرها.
من الخطأ تفسير هيمنة أوروبا وأمريكا اللاتينية على كرة القدم العالمية بأنها مجرد نتيجة للثروة أو التاريخ. فهذه الهيمنة تقوم على منظومات متجذرة، وعلى قدرة مستمرة في إنتاج اللاعبين والمدربين والأفكار
أيضا، زيادة عدد المنتخبات المشاركة في كأس العالم منحت العديد من الدول فرصة أكبر للوصول إلى البطولة، وهو أمر قد يخدم المنتخبات العربية والأفريقية التي كانت تواجه صعوبات كبيرة في التأهل.
لكن التأهل لا يعني المنافسة على اللقب.
المشاركة في كأس العالم تمنح الخبرة، لكنها لا تصنع بطلا بمفردها. فالمنتخب الذي يريد الوصول إلى القمة يحتاج إلى استثمار كل مشاركة في بناء شخصية قوية، وليس الاكتفاء بفرحة الحضور.
لقد أثبت تاريخ البطولة أن المفاجآت ممكنة، وأن منتخبات لم تكن مرشحة استطاعت الوصول بعيدا، لكن هذه المفاجآت نفسها كانت نتيجة عمل طويل وليس مجرد لحظة حماس.
المنظومة الشاملة
وقد شهدت بعض الدول العربية خلال السنوات الماضية استثمارات ضخمة في كرة القدم، وتم تطوير منشآت رياضية وبناء ملاعب عالمية واستقطاب خبرات أجنبية، وهذه خطوات مهمة بلا شك، لكنها لا تكفي وحدها.
كرة القدم الحديثة لا تُبنى بالمنشآت فقط، بل بتطوير المنظومة الكروية بشكل كامل، وبينها انتقاء المواهب ورعايتها، واختيار المدربين الذين يطورون اللاعبين، والمناهج التي تصنع الأجيال.
المطلوب ليس فقط أن يكون لدينا لاعبون موهوبون، بل أن يكون لدينا لاعبون قادرون على اتخاذ القرار الصحيح تحت الضغط، وعلى مواجهة أقوى المنتخبات في العالم بثقة وخبرة.
ليس مستحيلا أن يستطيع منتخب عربي الفوز بكأس العالم، لكنه أيضا ليس أمرا ممكنا إذا بقيت كرة القدم العربية تعتمد على الاستثناءات.
فيمكن -نظريا- لمنتخب عربي أن يصبح بطلا للعالم، لكن ذلك يحتاج إلى تحول جذري في طريقة التفكير: من البحث عن النجم إلى صناعة الفريق، ومن الاحتفال بالموهبة إلى بناء المنظومة، ومن الاستثمار في اللحظة إلى التخطيط لعقود قادمة.
الحلم موجود، والجماهير العربية تملك شغفا لا يقل عن أي جماهير في العالم. لكن الشغف وحده لا يرفع الكؤوس، كما أن الموهبة وحدها لا تصنع الأبطال.
كأس العالم لا يُمنح لمن يحلم به أكثر، بل لمن يستعد له بشكل أفضل.
كرة القدم الحديثة لا تُبنى بالمنشآت فقط، بل بتطوير المنظومة الكروية بشكل كامل، وبينها انتقاء المواهب ورعايتها، واختيار المدربين الذين يطورون اللاعبين، والمناهج التي تصنع الأجيال
ولعل اليوم الذي يحمل فيه لاعب عربي الكأس الذهبية لن يكون يوما جاء من فراغ، بل ثمرة سنوات طويلة من العمل الهادئ، وتكوين حقيقي يبدأ من القاعدة، وإيمان بأن كرة القدم ليست مجرد مباراة تُلعب في تسعين دقيقة، بل مشروع أمة يُبنى عبر أجيال.
يحتاج اللاعب العربي، بصورة عامة، إلى ترسيخ ثقافة الانتصار، على الرغم من النتائج المشرفة التي حققتها بعض المنتخبات العربية في نهائيات كأس العالم.
فعلى المستوى القاري، تبقى المنافسة مألوفة، حيث تسود روح التحدي والسعي إلى التتويج بالألقاب.
أما في كأس العالم، فإن طبيعة المنافسة تختلف تماما، إذ ترتفع وتيرة المباريات، وتزداد صعوبة المواجهات أمام منتخبات تمتلك خبرات طويلة وتجارب متراكمة، إلى جانب نخبة من اللاعبين الذين اعتادوا المنافسة في أعلى المستويات، وهو ما يجعل الصراع على اللقب أكثر تعقيدا.
وهذا الواقع يفرض على المنتخبات العربية تحديات كبيرة في مواجهة هذه القوى الكروية، ويجعل تحقيق النتائج الإيجابية مهمة تتطلب إعدادا استثنائيا، وليس مجرد الطموح أو الرغبة في المنافسة.
ولكي يفرض اللاعب العربي نفسه في البطولة العالمية، لا بد أن يكون مهيأ بدنيا وذهنيا، وأن يمتلك مهارات فنية عالية تمنحه القدرة على مجاراة أفضل لاعبي العالم.
حلم العرب وأفريقيا أيضا
أما على المستوى الجماعي، فإن النجاح يعتمد على تكامل أفراد المنتخب، بحيث يكون كل لاعب مكملا لزميله، ويتحد الجميع حول أسلوب لعب واضح، وطموح مشترك، وإيمان راسخ بإمكانية تحقيق نتائج إيجابية.
وربما تظل هذه العناصر من أبرز ما يحتاج إليه اللاعب العربي اليوم، إذا أراد أن يقترب من تحقيق الحلم الكبير.
وقد شكل الإنجاز التاريخي للمنتخب المغربي في كأس العالم قطر 2022، بوصوله إلى نصف النهائي، نموذجا ملهما، ودليلا على أن بلوغ المربع الذهبي ليس مستحيلا، بل يتطلب الثقة بالإمكانات الفردية والجماعية، والعمل الجاد، وروح المنافسة الحقيقية.
لقد أبهر المنتخب المغربي العالم بما قدمه، وأثبت أن المنتخبات العربية قادرة على الوصول إلى أعلى المستويات عندما تتوفر لها المقومات المناسبة.
لكي يفرض اللاعب العربي نفسه في البطولة العالمية، لا بد أن يكون مهيأ بدنيا وذهنيا، وأن يمتلك مهارات فنية عالية تمنحه القدرة على مجاراة أفضل لاعبي العالم
وقد قدمت المنتخبات الأفريقية مستويات جيدة وحققت نتائج مشرفة، وهو ما يعكس التطور الذي تشهده كرة القدم في القارة السمراء.
ومع ذلك، يبقى طموحنا أكبر، فنحن نتطلع إلى رؤية منتخب عربي، أو أفريقي، يعتلي منصة التتويج بكأس العالم.
وسيكون ذلك إنجازا تاريخيا يشرف الكرة العربية والأفريقية، وهو حلم ليس بعيد المنال، لأن كرة القدم لا تعترف بالمستحيل، وكل شيء فيها ممكن بالإعداد الجيد والإرادة الصادقة.
كرة القدم لعبة تقوم على المنافسة الشريفة، وتكافئ اللاعب المجتهد الذي يبذل أقصى ما لديه، ويواصل تطوير مستواه من خلال التدريب والاحتراف والانضباط.
فالنجاح لا يعتمد على الموهبة وحدها، بل يحتاج أيضا إلى الهدوء، والتركيز، والالتزام، وهي صفات أساسية ينبغي أن يتحلى بها كل لاعب يسعى إلى تحقيق الإنجازات وتشريف كرة القدم العربية.
وقد أثبت الرياضيون العرب في ألعاب أخرى، مثل ألعاب القوى، قدرتهم على تحقيق الإنجازات العالمية والفوز بالميداليات الذهبية، وهو ما يؤكد أن الطاقات العربية قادرة على المنافسة عندما تتوفر لها البيئة المناسبة.
ومن هنا، ينبغي الاستفادة من هذه النماذج الناجحة، والجمع بين الموهبة الفطرية والعمل المنظم، مع تطوير برامج التكوين والإعداد البدني والذهني والفني.
فاللاعب العربي يمتلك الموهبة، لكن هذه الموهبة تحتاج دائما إلى الرعاية والتطوير، من خلال إشراف فني احترافي وإعداد متكامل، حتى يصبح قادرا على تمثيل منتخبه بأفضل صورة، والمنافسة على أعلى المستويات، وتحقيق الحلم الذي تنتظره الجماهير العربية منذ سنوات طويلة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



