قد يبدو العقار هادئًا، والأبواب موصدة كعادتها، ولا شيء يثير الشكوك سوى رائحة غريبة تتسلل إلى السلم أو غياب جار اعتاد الجميع رؤيته كل صباح، لكن خلف هذه الأبواب، قد تكون هناك قصة لم يعلم بها أحد، أو جريمة ظلت حبيسة الجدران لأيام، حتى تكشفها الصدفة.
في كثير من الأحيان، لا تبدأ التحقيقات ببلاغ عن قتل أو اختفاء، بل باتصال من أحد الجيران يشكو من انبعاث رائحة كريهة، أو من صاحب عقار لاحظ غياب المستأجر لفترة طويلة، دقائق قليلة بعد كسر الباب تكون كافية لتحويل البلاغ العادي إلى قضية تتصدر صفحات الحوادث.
جرائم لم يكتشفها أحد إلا بعد فوات الأوان
وفي مايو 2026، عثرت الأجهزة الأمنية في المريوطية بالجيزة على جثة شاب في حالة تحلل داخل شقته، بعدما أبلغ الأهالي عن رائحة كريهة تنبعث من الوحدة السكنية.
وانتقلت قوات الأمن إلى المكان، وفرضت كردونًا أمنيًا، فيما بدأت النيابة التحقيق لكشف ملابسات الوفاة وما إذا كانت هناك شبهة جنائية.
وقبلها بعام، شهدت منطقة الطوابق بالهرم واقعة مشابهة، بعدما أبلغ السكان عن رائحة غريبة تنبعث من إحدى الشقق، لتكشف المعاينة العثور على جثة شخص يحمل جنسية أجنبية في حالة تعفن متقدمة، وأمرت النيابة بتفريغ كاميرات المراقبة وسماع أقوال الجيران للتحقق من ملابسات الواقعة.
ولم تكن هذه الوقائع استثناءً، ففي الإسكندرية كشف بلاغ من الجيران عن انبعاث رائحة كريهة من شقة سكنية، لتكتشف الأجهزة الأمنية وفاة مُسن داخل منزله منذ نحو أسبوع، بعدما عاش بمفرده ولم ينتبه أحد لاختفائه إلا بعد انتشار الرائحة.
وتؤكد هذه الوقائع أن البلاغات التي تبدو بسيطة قد تكون بداية لكشف لغز كبير، وأن دور الجيران والمحيطين لا يقل أهمية عن دور كاميرات المراقبة أو التحريات الجنائية، خاصة في الجرائم أو الوقائع التي تمر أيامًا دون أن يلاحظها أحد.
ويرى متخصصون أن العزلة الاجتماعية، وارتفاع معدلات السكن الفردي، وانشغال الجميع بحياتهم اليومية، جعلت اكتشاف بعض الجرائم أو حالات الوفاة يتأخر كثيرًا، وهو ما يمنح الجناة فرصة لإخفاء الأدلة، أو يجعل الضحايا يظلون أيامًا خلف أبواب مغلقة دون أن يشعر بهم أحد.
ورغم تطور وسائل البحث الجنائي، تبقى بعض القضايا رهينة الصدفة؛ رائحة غير معتادة، شكوى من جار، أو باب لم يُفتح منذ أيام… تفاصيل صغيرة قد تتحول إلى بداية تحقيق يكشف ما كان مخفيًا خلف الجدران.




