أعترف بأننى حزين.. وبأننى مثل تلك الملايين التى كانت تنتظر نصرًا على بُعد عشر دقائق.. هى دقائق فقط وكان الشارع المصرى سينفجر بعدها طربًا.. ربما كنا سنصل إلى مباراة أخيرة.. وربما كنا سنحلم لأسبوع آخر.. أعترف أيضًا بأننى توهمت. مثل كل تلك الملايين أيضًا بأن الكرة عادلة.. منَ قال هذا؟.. الحياة برمتها ليست عادلة يا صديق.
ما حدث للفريق المصرى أمام الأرجنتين لم يكن مشهدًا منفصلًا.. عما يحدث فى دروب الاقتصاد والعلوم والسياسة بالقطع.. لا تحزنوا لأنهم سرقوا انتصاركم المستحق فى عشر دقائق.. لقد سرقوا دولًا بكاملها فى أقل من ذلك.
ما حدث.. أننا بالأساس ذهبنا إلى هناك ونحن نعرف أننا خاسرون.. من قبل أن نسافر.. كنا نعرف أنها مجرد محاولة.. ألم يقل الإعلان الذى شارك فيه أهم لاعبينا إننا لا نستطيع ولكن.. مش يمكن.. كان من الطبيعى أن نقول إنه ليس مستحيلًا.. وإن الحلم.. أى حلم مش بعيد.. لكننا نعرف أننا لم نكن جاهزين بما يكفى.. لم نثق فى حسام حسن واختياراته بما يكفى.. لم نثق فى قدرتنا على تجاوز الخطوط الأولى.. لكننا مثل كل مرة.. كان عشمنا فـ الله كبير.. نشعر من داخلنا بأننا متعبون وأننا نستحق الفرح.. وكان عشمنا فـ الله فقط.
الشعب الطيب.. راضٍ عما قدمه أبناء مصر.. راضٍ عما فعله حسام فى مواجهة صهاينة العالم.. شعبنا الحقيقى راضٍ عن انتصار معنوى.. راضٍ عن أن حسام انتصر عليهم فى معركة الإنسانية.. فرح بأن رجلًا مصريًا قال لهم إننا مع أهل فلسطين وإن خسر مباراته فـ الملعب..
يعرف المصريون أن حكم المباراة لم يكن عادلًا بما يكفى.. وربما نعترف داخل صدورنا بأننا مقصرون أيضًا.. وأن هناك عيوبًا فنية ساعدت الحكم ولاعبى الأرجنتين ومكنتهم من سرقة الفرح.. والمباراة.
الكرة مثل غيرها.. فى العلوم.. فـ الاقتصاد.. فـ السياسة.. كل الطرق تؤدى إلى نفس النهاية.. نحن لسنا على ما يرام.. الطريق لا يزال طويلًا لنحصل على كل ما نريد.. عندما حصل نجيب محفوظ على نوبل.. شككنا فى أسباب فوزه.. تركنا كل ما أبدع ومسكنا فى أن هناك من يستحقها لكنه حرم منها لموقفه من الصهاينة.. السياسة حاضرة إذن.. فى بطولات كثيرة حضرت إسرائيل.. وغابت العدالة.. وفى كل مرة.. نغضب.. نشجب.. ندين.. نحزن.. ثم نذهب إلى الفراش لننام ونعود إلى ما كنا عليه.
وماذا بعد الغضب؟.. الـ«فيفا» فاسد.. الحكم غير محايد.. المدرجات ظالمة.. سماء أمريكا لم تكن معنا.. ومن قال إنها كانت معنا فى يوم من الأيام.. المهم وماذا بعد الغضب؟.. هل نعود لشاشات إلهاء المواطنين وتسخين الجماهير ضد بعضها بعضًا؟.. وأهلى وزمالك وكده.. ولا هنقول.. نقطة ومن أول السطر.
نقطة ومن أول السطر.. هيثم حسن ابن قرية بسيطة فى جزيرة بعيدة بأسوان.. وهناك آلاف مثل هيثم يلعبون الكرة فى الحماد.. ماذا ستفعل وزارة الرياضة لهم؟.. هل سنفكر فى مشروع قومى لاكتشاف هؤلاء؟.. ملايين الأطفال فى مصر يحبون الكرة.. موهوبون حقًا.. إنهم الآن يحلمون بهجرة مثلما هو حال أسرة هيثم حسن.. هل سندرس تجربة صلاح؟.. هل نستفيد من رحلته؟.. لقد دعا الرئيس فى أكثر من مناسبة لاكتشاف ورعاية الموهوبين.. فهل نفعل؟.. هل يعيد وزير التعليم حصص الرياضة والموسيقى إلى مدارسنا؟.. والأهم هل سنعطى لدروس التاريخ والجغرافيا حقها فى مناهجنا وبرامجنا وأفلامنا ومسلسلاتنا؟.. الأبطال لا يولدون فجأة.. الأبطال لا تصنعهم مسلسلات أحمد العوضى ومحمد رمضان.
منذ شهور.. أصبح لدينا قانون جديد ينظم أحوال الرياضة فى بلادنا.. لا أعتقد أننا توقفنا حياله جيدًا.. ربما ينظم الكثير من أحوال البزنس.. لكن القوانين وحدها لا تكفى أن يكون لدينا مشروع وطنى حقيقى.
هل أدركتم الآن ماذا تعنى القوى الناعمة؟. لم تكن مجرد بطولة كرة قدم.. لقد نجح اللاعبون فيما فشل فيه الكثيرون.. لقد التف العرب جميعهم حول مصر مجددًا.. هى لحظة توحدت فيها مشاعر الشعوب نعم.. ربما لن تغير شيئًا فى سياسات الحكام نعم.. لكنها كشفت عمّن صرفوا المليارات وأنفقوا السنوات فى السراديب للقضاء على تلك المشاعر الجمعية فى سبيل خلق واقع عربى شرق أوسطى جديد له حدود جديدة واقتصاد جديد ودين جديد. ما فعله فريق مصر لا يمكن اختصاره فى هدف هنا أو هناك.. جيل جديد من شباب وفتيات مصر فى كل شبر فى العالم خرجوا يرفعون علمها ويلقنون من سعوا واحتلالها فكريًا درسًا جديدًا فى محبتها.. هذا الجيل يستحق أن نفكر فيه بشكل أفضل.. شكرًا حسام حسن.. شكرًا محمد صلاح.. شكرًا لكل فرد من أفراد بعثة مصر.. نحن فى انتظاركم لنحتفل بكم.. لا تحزنوا.. الحياة ليست عادلة بما يكفى نعم.. لكننا فرحون بأننا مصريون.. وهذا يكفى.



