لم يكن الفلاح المصري، قبل ثورة 23 يوليو 1952، يخشى الجفاف أو ضعف المحصول بقدر ما كان يخشى مأمور المركز وجابي الضرائب والمرابي الأجنبي، كان يزرع الأرض بيديه، لكنه كثيرًا ما يحصد الديون، ويكدح طوال العام ليكتشف أن ثمرة تعبه ذهبت إلى غيره.
يكشف الكاتب الصحفي والمؤرخ صلاح عيسى، في كتابه «الثورة العرابية»، جانبًا من واحدة من أقسى مراحل الريف المصري، حين تحولت الأرض إلى وسيلة لجباية الضرائب، وأصبح الفلاح أسيرًا لنظام جمع بين الاستغلال الداخلي والهيمنة الأجنبية.
ويروي صلاح عيسى، نقلًا عن الكاتب الإنجليزي دونالد ماكينزي والاس في كتابه «مصر والمسألة المصرية»، أن الفلاح إذا عجز عن سداد الضريبة، لم يكن يجد مهلة أو إعفاء، بل كان مدير المديرية يستدعي مرابيًا يونانيًا ليرهن أرضه مقابل قرض جديد، ثم يتقاسم المسؤول والمرابي أرباح الصفقة، بينما يخرج الفلاح مثقلًا بدين أكبر من سابقه.
وهكذا لم يعد الفلاح يزرع ليطعم أسرته، بل ليجمع قيمة الضريبة، ثم يسدد فوائد الدين، حتى أصبحت الأرض التي ورثها عن آبائه تنتقل تدريجيًا إلى الدائنين الأجانب، بينما يبقى هو عاملًا فيها بعد أن كان مالكًا لها.
ولم تتوقف المعاناة عند حدود الحقول، فبحسب صلاح عيسى، امتد الظلم إلى الجيش أيضًا، فمنذ عهد محمد علي، اعتمدت الدولة على الفلاحين في بناء الجيش، لكنها حرمتهم من الوصول إلى المناصب القيادية، وأبقت القيادة في يد الأتراك والشراكسة، خوفًا من أن يمتلك أبناء الريف نفوذًا قد يهدد السلطة.
وجاء سعيد باشا ليكسر هذه القاعدة، ففتح باب الترقي أمام الضباط المصريين، وهو القرار الذي أتاح للفلاح أحمد عرابي أن يصعد في صفوف الجيش، ويصبح لاحقًا قائدًا لأول حركة وطنية طالبت بحق المصريين في حكم بلادهم.
ويشير صلاح عيسى إلى أن عرابي لم يكن فلاحًا عاديًا؛ فقد نشأ في أسرة شيخ قرية، الأمر الذي منحه ثقة بالنفس جعلته يرفض الإهانة التي اعتاد كثير من الجنود المصريين تحملها على أيدي القادة الشراكسة. وفي الوقت الذي كانت سنوات القهر قد أضعفت روح المقاومة لدى كثير من الفلاحين، كان عرابي يرى أن الكرامة لا تقل أهمية عن الخبز.
وتكشف مذكرات عرابي، التي أرسلها إلى صديقه ويلفريد بلنت، عن العلاقة الخاصة التي جمعته بسعيد باشا، وتأثره بأفكاره الإصلاحية.
ومن المواقف التي يوردها صلاح عيسى أن سعيد أهدى عرابي كتاب «تاريخ نابليون»، فقرأه في ليلة واحدة، ثم أخبره أن سر قوة نابليون لم يكن في شخصه، بل في جيش وطني منظم، وأن مصر تستطيع أن تمتلك جيشًا كهذا.
لكن الحلم لم يدم طويلًا، فمع الخديو إسماعيل، ثم الخديو توفيق، عادت السياسة القديمة، واستُبعد الضباط المصريون من مواقع القيادة، بينما دفعت أزمة الديون الحكومة إلى تقليص أعداد الضباط والجنود المصريين، في الوقت الذي استمرت فيه معاناة الفلاح تحت وطأة الضرائب والديون.
ويرى صلاح عيسى أن هذا المشهد صنع حالة من الغضب المتراكم في الريف والجيش معًا، وأن الثورة العرابية لم تكن مجرد تمرد عسكري، بل كانت صرخة خرجت من حقول الفلاحين قبل أن تصل إلى ساحات عابدين.
ورغم أن ثورة يوليو 1952 جاءت بعد ذلك بسبعين عامًا، فإنها ورثت ريفًا أنهكته عقود طويلة من السخرة والضرائب والديون، وهي المعاناة التي وثقها صلاح عيسى لتبقى شاهدًا على واحدة من أصعب الصفحات في تاريخ الفلاح المصري.
لتحرر ثورة يوليو الفلاح المصري من الضرائب وتهديه قانون الإصلاح الزراعي الذي وزع ثروة الإقطاعيين على الفلاحين.



