سياسة الجزيرة

أربكت العواصم الأوروبية.. كيف تعامل زعماء الغرب مع مسدسات أردوغان؟

تحولت هدية الرئيس التركي أردوغان لقادة حلف شمال الأطلسي (الناتو) من لفتة بروتوكولية إلى رسالة سياسية لافتة، حيث أهدى كل زعيم مسدسا تركيا منقوشا باسمه ومرفقا بذخيرة حية.

أربكت العواصم الأوروبية.. كيف تعامل زعماء الغرب مع مسدسات أردوغان؟
1 مشاهدة

اقرأ من المصدر

الجزيرة

زيارة المصدر

لم تكن المسدسات التي وزعها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على قادة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في ختام قمة أنقرة مجرد هدايا بروتوكولية، بل بدت كرسالة سياسية وعسكرية تتجاوز الأعراف الدبلوماسية التقليدية، وما لبثت أن أثارت مفاجأة وارتباكا في عدة عواصم أوروبية.

فاختيار المسدسات التركية الصنع، التي نُقشت عليها أسماء أصحابها، ومعها ذخيرة حية ووثائق تصدير رسمية تتيح لهم نقلها إلى بلدانهم، حمل دلالات تتصل بمكانة الصناعات الدفاعية التركية، كما عكس رغبة تركيا في تقديم نفسها شريكا عسكريا وصناعيا مؤثرا داخل الحلف.

أما في الداخل التركي، فتبدو الصورة منسجمة مع سردية القائد القوي، التي تقوم على إبراز أنقرة كقوة مستقلة تمتلك قرارها السياسي وقدراتها التصنيعية والعسكرية، في وقت تتزايد فيه أهمية الصناعات الدفاعية التركية التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى أبرز أدوات النفوذ خارجيا.

هدية غير مألوفة

كان رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر هو أول من كشف أن أردوغان أهدى قادة الدول المشاركين في القمة الـ36 للناتو، التي استضافتها أنقرة يومي الثلاثاء والأربعاء، مسدسات شخصية منقوشا على كل منها اسم الزعيم الذي تسلمها، إلى جانب صناديق ذخيرة حية.

وقال ستارمر، خلال حديثه للصحفيين على متن الطائرة أثناء عودته إلى المملكة المتحدة، إن الرئيس التركي أرفق الهدية برسالة شخصية ووثائق رسمية تعفي السلاح من قيود التصدير التركية، في محاولة لتسهيل نقله إلى دول القادة المشاركين.

بيد أن رئيس الوزراء البريطاني أوضح أنه لم يتمكن من إدخال المسدس -الذي تضمن عُدة تنظيف و500 طلقة ذخيرة- إلى بلاده بسبب القوانين البريطانية الصارمة المتعلقة بحيازة واستيراد الأسلحة النارية.

وبحسب صحيفة الغارديان، بقي المسدس داخل السفارة البريطانية في أنقرة بانتظار استكمال الإجراءات القانونية الخاصة بإخراجه من الخدمة، بما يتوافق مع التشريعات البريطانية.

ويرتبط موقف رئيس الوزراء البريطاني بقانون الأسلحة النارية الذي شددت لندن بموجبه القيود على حيازة المسدسات منذ مجزرة دانبلين عام 1996، التي أسفرت عن مقتل 16 طفلا ومعلمتهم، وأدت إلى فرض أحد أكثر التشريعات صرامة في أوروبا بشأن الأسلحة الفردية.

كيف تعامل بقية الزعماء مع الهدية؟

ثارت تساؤلات بشأن ما إذا كان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، زعيم أكبر دولة في الناتو، قد تلقى الهدية نفسها، كونه في مقدمة المشاركين في القمة، وما الذي فعله بها إن كان قد أخذها.

لكن الأمر ظل غامضا، وفق ما رصدته صحيفة واشنطن بوست، ولم يصدر أي تعليق فوري من مسؤولي الإدارة الأمريكية في هذا الشأن.

وكذلك، قالت وكالة أسوشيتد برس إن البيت الأبيض لم يرد على الفور على أسئلة بشأن هدية أردوغان إلى الزعماء.

في غضون ذلك، توالت التعليقات من زعماء دول غربية أكدوا تلقيهم هذا المسدس، ونشر بعضهم صورا له عبر حساباتهم الرسمية على المنصات.

ولم يكن ستارمر الوحيد الذي واجه إشكالية التعامل مع الهدية التركية، فقد أفادت وكالة رويترز بأن رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي ويفر فوجئ بوجود مسدس وذخيرة داخل أمتعته، قبل أن يسلمه إلى شرطة مطار بروكسل لحفظه في مكان آمن. ونشر مكتب رئيس الوزراء البلجيكي صورا للمسدس في صندوقه الخشبي داخل حقيبة.

وكذلك، صرح رئيس كرواتيا زوران ميلانوفيتش بأنه لم يعلم بأمر الهدية إلا بعد عودته من القمة، فيما أعلن مكتبه أنه سيسلمها على الأرجح إلى متحف تابع للشرطة. وقال ميلانوفيتش "لم آخذه. أنا أضرب بأسلحة مختلفة"، في إشارة إلى أسلوبه السياسي.

أما رئيس الوزراء الكندي مارك كارني فقد أخذ مسدسه معه، لكنه ترك الذخيرة في تركيا، وفقا لما ذكره مسؤولون كنديون.

وسئل كارني لاحقا في مؤتمر صحفي عن هدية أردوغان، فقال ضاحكا إنه لم يكن يتوقعها، وأضاف أنها جعلت هديته للرئيس التركي وهي شراب القيقب الذي تشتهر به كندا، تبدو دون المستوى، وفق تعبيره. وأوضح أن القانون لا يخوله استخدام هذا المسدس في كندا، وأنه ينوي إيداعه أحد المتاحف بعد تعطيله.

من جانبه، احتفى رئيس سلوفاكيا بيتر بيليغريني بالهدية أمام كاميرات وسائل الإعلام، حيث حمل المسدس واستعرضه أمام الصحفيين على متن طائرته.

ونشر رئيس وزراء المجر الجديد بيتر ماجار صورة للهدية عبر منصة إكس، قائلا: "هدية غير عادية من الرئيس أردوغان في قمة الناتو.. مسدس ماغنوم مع الذخيرة واسمي محفور عليه". لكنه لم يوضح ماذا فعل بالهدية.

وفي بولندا، بقي المسدس المخصص للرئيس كارول ناوروتسكي بانتظار استكمال إجراءات التخليص الجمركي، فيما أكد مساعده أنه سيُحفظ في مكان مناسب يضمن سلامته ويحفظ قيمته كهدية، مبينا أن "لا أحد سيستخدمه لإطلاق النار".

أما عن هولندا والسويد، فقد نُقلت المسدسات إلى سفارتي البلدين في أنقرة، وتقرر تعطيل المسدس الهولندي بشكل دائم، بينما ينتظر المسدس السويدي استكمال إجراءات الاستيراد.

وكذلك، تلقت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، الهدية نفسها، والتي شملت مسدسا شخصيا وذخيرة ومجموعة تنظيف.

وأفاد متحدث باسم فون دير لاين بأن رئيسة المفوضية الأوروبية فوجئت بالهدية، و"شكرت الرئيس أردوغان على هذه اللفتة"، مبيّنا أنها تعتزم التبرع بالمسدس بعد تعطيله إلى متحف عسكري، بينما أوضح مسؤول في المجلس الأوروبي أن السلاح سيخضع للإجراءات الأمنية والقانونية المعمول بها في بلجيكا.

كما أعلنت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني إيداع المسدس ضمن مقتنيات الهدايا الرسمية في مقر الحكومة الإيطالية، في حين يعتزم رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس التبرع به إلى متحف الحرب في أثينا. أما المستشار الألماني فريدريش ميرتس فقد أبقى الهدية في العاصمة التركية.

مسدس "القمر الفضي".. ما قصته؟

وهدية أردوغان عبارة عن مسدس دوار من طراز "غوموشاي (القمر الفضي) .357 ماغنوم"، وهو سلاح نادر أنتجته شركة "كوسان" التركية في تسعينيات القرن الماضي، ثم انتقل إلى شركة الصناعات العسكرية التركية "إم كيه إي"، ويوصف بأنه أول مسدس دوار يصمم ويصنع محليا في تركيا.

ويضاهي هذا السلاح مسدسات "كولت بايثون" و"إس آند دبليو" الدوارة، وتحوي خزنته 6 طلقات، لكن الهدية -وفق رواية رئيس وزراء بريطانيا- تضمنت 500 طلقة.

وأظهرت صور عدة نشرها زعماء الناتو هذا المسدس وقد وُضع داخل صندوق خشبي يحمل العلم التركي وشعار حلف الناتو، إلى جانب لوحة تعريفية كُتب عليها باللغتين التركية والإنجليزية: "غوموشاي.. أول مسدس دوار يُنتج في بلادنا".

وقال المتحدث باسم رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إن جميع القادة تلقوا نفس الطراز، وقد حُفرت عليه أسماؤهم.

ويحمل اختيار هذا الطراز دلالة رمزية تتجاوز قيمته المادية، إذ أرادت أنقرة تقديم نموذج يمثل تاريخ صناعتها العسكرية الوطنية، في وقت باتت فيه الصناعات الدفاعية إحدى أبرز أدوات النفوذ التركي في الخارج.

وخلال السنوات الأخيرة، تحولت الصناعات الدفاعية إلى ركيزة أساسية في السياسة الخارجية التركية، مدفوعة بنجاح الطائرات المسيّرة والأنظمة العسكرية في اختراق أسواق جديدة في أوروبا وآسيا وأفريقيا والشرق الأوسط.

وجاءت الهدية التركية على هامش قمة ناقشت ملفات ترتبط مباشرة بالأمن والدفاع، من بينها تعزيز الإنفاق الدفاعي للدول الأعضاء، ومستقبل الدعم الغربي لأوكرانيا، فضلا عن ملفات تتعلق بالصناعات الدفاعية ومبيعات الأسلحة.

وبحسب مشروع "مسح الأسلحة الصغيرة"، ومقره جنيف، احتلت تركيا المرتبة الثالثة عالميا بين أكبر مصدري الأسلحة الصغيرة خلال الفترة بين عامي 2019 و2024، بصادرات بلغت نحو 3 مليارات دولار، خلف الولايات المتحدة الأمريكية وإيطاليا.

العلامات

مقالات ذات صلة