كانت هناك مجموعة من الفئران تعيش فى صومعة غلال قديمة وكانت حياتهم مستقرة وهادئة حيث تتوافر الحبوب والمياه والفراغ الممتد للحركة ولا أثر لوجود ما يعكر صفوهم، وفجأة ظهر قط كبير داخل الصومعة ولم يعد يمر يوم إلا ويأكل أحد الفئران فى مشهد أثار رعب باقى الفئران، هنا شعر الجميع بالخطر فعقدوا اجتماعا طارئا صاخبا باحثين عن حل لتلك الأزمة الوجودية التى تهدد حياتهم جميعا، وبدأت الحلول تطرح على المؤتمر، اقترح احدهم حفر انفاق موازية مخفية لا يستطيع القط الجبار الوصول إلى مداخلها، واقترح آخر الاختباء وراء أكوام القش الموجودة فى جنبات الصومعة، واقترح ثالث الرحيل النهائى إلى مكان جديد، وفى لحظة صمت خرج فأر صغير ونشيط ولديه ميول قيادية ويمتلك كاريزما بين أقرانه الفئران، وقال لدى حل سحرى لن يخطر على بالكم، فصاحوا فى صوت واحد علينا به يا زعيم، قال نأتى بجرس ونعلقه فى رقبة القط فإذا همَّ بدخول الصومعة اهتزّ الجرس وانتبهنا جميعا فندخل إلى مخابئنا قبل وصوله الينا، هللت جموع الفئران وقالت يحيا الفأر العبقرى وتخيل أفكاره العبقرية، وبدأ الفأر يتلقى التهانى والتبريكات من زملائه على أفكاره العظيمة التى ستحميهم جميعا من خطر الموت والهلاك، ووسط هذه الفرحة والتهليل والتبريكات جاء صوت الفأر العجوز المحنك الذى يجلس فى مؤخرة الصفوف يراقب الموقف ولا يعلق، فقد عاش طوال حياته يرى ويسمع مثل هذه المؤتمرات والتى تنتهى إلى لا شىء وتستمر القطط فى أكل الفئران دون توقف، قال لهم الفكرة عبقرية والمقترح رائع والفأر صاحب الفكرة عظيم، لكن بقى لى سؤال واحد يبدو بسيطا لكنكم لم تنتبهوا إليه، قالوا فى صوت واحد تحدث يا بومة، كل حل تخرج علينا فيه بمشكلة، إنك فأر محبط متشائم وتجر علينا الهم والغم كلما تكلمت، قال لهم لا تزايدوا على خبرتي، أنا موافق على المقترح لكن من سيعلق هذا الجرس فى رقبة القط الملعون؟ انتهت القصة الافتراضية وبقيت الأفكار المقصودة، فما أكثر الأفكار والمقترحات التى لا تصل إلى مرحلة التنفيذ، الأحلام عريضة وكبيرة وتصل إلى عنان السماء، لكن من يملك أدوات التنفيذ ومن يملك جرأة المواجهة؟ هذه هى الاسئلة الحقيقية.
فكم من المؤتمرات تنتهى بقرارات رائعة؟ وكم من اللجان تخرج بتوصيات مبهرة؟ وكم من الخطط تبدو مثالية على الورق؟ لكن السؤال الذى يحدد النجاح أو الفشل دائمًا هو: من الذى سيعلق الجرس؟
فالسياسات لا تُقاس بجمال صياغتها، بل بقدرة أصحابها على تنفيذها.
والأحلام لا تتحول إلى واقع لأننا صفقنا لها، وإنما لأن هناك من تحمل مسئولية تحويلها إلى فعل.
ولهذا فإن التاريخ لم يكن يومًا ملكًا لأصحاب الأفكار وحدهم، بل لأصحاب الشجاعة الذين قبلوا أن يقتربوا من «القط» وهم يعرفون حجم المخاطرة.



