المشروعُ مواكبٌ لتوجهِ الدولةِ نحو توظيفِ تقنياتِ الذكاءِ الاصطناعيّ في مختلفِ المجالاتِ
في خطوة جديدة تعكس قدرة شابات جامعة الأزهر على توظيف التكنولوجيا الحديثة في خدمة المجتمع، أطلقت طالبات الفرقة الرابعة بكلية التمريض (بنات) جامعة الأزهر مشروع تخرجهن بعنوان “رؤية 360”. وهو مشروع توعوي مبتكر يعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي لتقديم محتوى صحي موثوق بأسلوب مبسط وجذاب يصل إلى جميع فئات المجتمع.
وينطلق المشروع من رؤية تؤمن بأن الصحة منظومة متكاملة لا يمكن تناولها من زاوية واحدة، بل يجب النظر إليها بصورة شاملة؛ ومن هنا جاء اسم “رؤية 360” ليعكس هذا المفهوم من خلال سلسلة من الحلقات التوعوية التي تقدم المعلومات الطبية والتمريضية وفق أحدث المعايير العلمية، وبأسلوب عصري يواكب التطور التكنولوجي.
ويجسد المشروع جهداً جماعياً لتسخير الذكاء الاصطناعي لتقليل الفجوة بين المعلومات الطبية المتخصصة والمواطن البسيط، إلى جانب خفض التكاليف المرتبطة بعمليات التصوير والإنتاج التقليدية، بهدف نشر الوعي الصحي القائم على أسس علمية دقيقة، والتصدي لانتشار المعلومات الطبية المغلوطة، وتعزيز ثقافة الوقاية والكشف المبكر -خاصة فيما يتعلق بمخاطر السمنة والنحافة- بما يسهم في رفع مستوى الثقافة الصحية داخل المجتمع.
قيادة أكاديمية ودعم لمبادرات الطالبات
تم تنفيذ المشروع برعاية الدكتورة آمال السباعي، أستاذ السمعيات بكلية الطب بنات جامعة الأزهر وعميدة كلية التمريض بنات جامعة الأزهر، والدكتورة رشا البربري، أستاذ الأمراض الجلدية بكلية الطب بنات جامعة الأزهر ووكيلة كلية التمريض بنات جامعة الأزهر.
وجاء المشروع تحت إشراف الدكتورة فاطمة عز الرجال، أستاذ مساعد تمريض صحة المجتمع بكلية التمريض بنات القاهرة جامعة الأزهر، وبمشاركة المعيدات بقسم تمريض صحة المجتمع:
ويضم فريق العمل من الطالبات: ياسمين أشرف، هاجر أيمن، كريمة عبدالله، يارا ياسر، ملك محمد، نورهان أبو زيد، مريم أحمد، ولاء رشدي، ماجدة السيد، فريدة عبدالمنعم، وهناء حمدي.
لغة الأرقام ومواكبة رؤية مصر 2030
تقول الدكتورة فاطمة عز الرجال إن فكرة مشروع “رؤية 360” انطلقت من رغبة الطالبات في تقديم مشروع مختلف ومواكب للتطور، يجمع بين المعرفة التمريضية والتكنولوجيا الحديثة، ويقدم رسالة صحية حقيقية للمجتمع. وكانت نقطة البداية هي الاعتماد على “لغة الأرقام” باعتبارها الأكثر تأثيراً في العصر الحالي.
وأوضحت أن اختيار موضوع “مؤشر كتلة الجسم” جاء لارتباطه المباشر بمستهدفات رؤية مصر 2030، التي تضع تحسين صحة المواطنين والوقاية من الأمراض المزمنة ضمن أولوياتها، خاصة أن كثيراً من المواطنين لا يدركون أهميته، رغم أنه أحد أهم المؤشرات التي تكشف مخاطر الإصابة بالعديد من الأمراض.
وأشارت إلى أن السمنة لم تعد مجرد مظهر خارجي، بل أصبحت عاملاً رئيسياً للإصابة بمرض السكري من النوع الثاني، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب والأوعية الدموية، فضلاً عن ارتباطها بزيادة احتمالات الإصابة ببعض أنواع السرطان.
وأضافت أن نمط الحياة الحديث الذي يعتمد على قلة الحركة والاعتماد المتزايد على الوسائل التكنولوجية أسهم بشكل كبير في ارتفاع معدلات السمنة، خاصة مع تراكم الدهون الحشوية حول منطقة الخصر، وهي من أكثر العوامل المرتبطة بأمراض القلب والسكر.
وعن اختيار اسم المشروع، أوضحت أنه يعبر عن فكرة التغيير الشامل في أسلوب الحياة؛ بحيث ينظر الإنسان إلى صحته من جميع الزوايا، ويتعرف على نتائج اختياراته اليومية وما قد تؤول إليه حالته الصحية إذا أهمل العادات السليمة أو استمر في نمط حياة غير صحي.
وقد جاء المشروع مواكباً لتوجه الدولة نحو توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات، والتي يجب أن تُستخدم كوسيلة للإبداع ودعم التفكير البشري، لا كبديل للعقل أو الاجتهاد.
وقالت إن فريق العمل استثمر أدوات الذكاء الاصطناعي في إنتاج سلسلة من الفيديوهات التوعوية، مع خطة لإطلاق قناة على منصة “يوتيوب” لنشر المحتوى الصحي والوصول إلى أكبر شريحة من الجمهور، بما يسهم في رفع الوعي الصحي بأسلوب عصري وجذاب.
وأشادت بالدور الكبير الذي قامت به الدكتورة ياسمين حمدي، المعيدة بالقسم، مؤكدة أنها بذلت جهداً استثنائياً في تعلم أدوات الذكاء الاصطناعي وتطبيقها عملياً، ونقلت خبرتها إلى الطالبات حتى استطعن المشاركة الفعالة في تنفيذ المشروع وإخراجه بالصورة اللائقة.
كما أضافت أن المشروع حظي بإشادة عدد من المتخصصين الذين أكدوا أن مستوى المحتوى والإنتاج قادر على المنافسة، مؤكدة أن جوهر مهنة التمريض لا يقتصر على تقديم الرعاية داخل المستشفيات، بل يمتد إلى التثقيف الصحي باعتباره أحد أهم أدوات الوقاية من الأمراض وتحسين جودة الحياة.
وأشارت إلى أن نشر الثقافة الصحية وتغيير العادات الغذائية والسلوكية الخاطئة يمثلان خط الدفاع الأول لحماية المجتمع، وأن السمنة والنحافة كلتيهما تمثلان مشكلات صحية تستوجب الوعي والتعامل العلمي، وأن الحفاظ على الوزن الطبيعي يسهم في الوقاية من العديد من الأمراض المزمنة، وهو ما يسعى مشروع “رؤية 360” إلى ترسيخه لدى أفراد المجتمع.
رؤية إنسانية وتأثير مجتمعي
وأعربت الدكتورة رشا البربري عن فخرها بالمستوى الذي قدمته طالبات الفرقة الرابعة من خلال مشروع تخرجهن “رؤية 360″، مؤكدة أنه يمثل نموذجاً للمشروعات التي تتجاوز الجانب الأكاديمي لتقدم خدمة حقيقية للمجتمع.
حيث يستهدف المشروع جميع فئات المجتمع، سواء الأصحاء أو المرضى، من خلال نشر الوعي الصحي وتشجيع المواطنين على متابعة حالتهم الصحية، بما يسهم في الاكتشاف المبكر لأي تغيرات أو مؤشرات قد تنذر بالإصابة بالأمراض، وهو ما ينعكس إيجاباً على سرعة التشخيص وبدء العلاج في الوقت المناسب.
وأشادت بالدور الذي قام به فريق الإشراف العلمي بقيادة الدكتورة فاطمة عز الرجال، وبمشاركة الدكتورة ياسمين حمدي ومعيدات قسم تمريض صحة المجتمع، مؤكدة أنهن قدمن الدعم العلمي والأفكار التي ساعدت الطالبات على تنفيذ المشروع، إلى جانب الجهد الكبير الذي بذلته الطالبات أنفسهن حتى خرج المشروع بهذه الصورة المتميزة.
وأكدت أن أكثر ما لفت انتباهها هو حرص الطالبات على توظيف ما تعلمنه لخدمة المجتمع، وأن الهدف من الدراسة بكلية التمريض لا يقتصر على إعداد أبحاث للحصول على الدرجات، وإنما تخريج كوادر مؤهلة تمتلك القدرة على المشاركة الفاعلة في خدمة المجتمع وتقديم مبادرات تترك أثراً حقيقياً في حياة المواطنين.
وأضافت أن المشروع نجح في تبسيط المعلومات الطبية وتقديمها بلغة يفهمها الجميع بما في ذلك غير المتخصصين، وأن هذه القدرة على تبسيط المعرفة ونشرها تمثل إنجازاً يستحق التقدير، ويعكس وعي الطالبات بدورهن المجتمعي ورسالة مهنة التمريض.
منصة رقمية وتقنيات ذكاء اصطناعي مبتكرة
أكدت الدكتورة ياسمين حمدي أن مشروع “رؤية 360” يمثل تجربة مبتكرة لتوظيف الذكاء الاصطناعي في مجال التثقيف الصحي، من خلال تقديم محتوى تمريضي يعتمد على أساليب رقمية حديثة تجمع بين الدقة العلمية وسهولة الوصول إلى مختلف فئات المجتمع.
وأوضحت أن المشروع لا يقوم على فكرة تطبيق إلكتروني، وإنما يعتمد على إنتاج سلسلة من الفيديوهات التوعوية التي تسلط الضوء على أهمية الاكتشاف المبكر لمخاطر السمنة والنحافة، مع تبسيط المفاهيم الطبية المرتبطة بمؤشرات الصحة العامة، وفي مقدمتها “مؤشر كتلة الجسم” و”محيط الخصر”، باعتبارهما من أهم المؤشرات التي تساعد الأفراد على تقييم حالتهم الصحية بصورة مبدئية.
وجاء اختيار الاسم ليعبر عن فلسفة المشروع القائمة على النظرة الشاملة لصحة الإنسان؛ بحيث لا يقتصر التقييم على الوزن أو الشكل الخارجي، وإنما يمتد إلى العلاقة بين التغذية ونمط الحياة وتأثيرهما في مختلف أجهزة الجسم، بما يساعد على تكوين صورة متكاملة عن الحالة الصحية.
ويستهدف المشروع بناء منصة رقمية تثقيفية تقدم معلومات صحية مبسطة تستند إلى الأدلة العلمية، وتساعد المواطنين على فهم المؤشرات الحيوية المرتبطة بأجسامهم وتحويلها إلى خطوات عملية تعزز الوقاية من الأمراض المزمنة وتشجع على تبني نمط حياة صحي ومتوازن.
وأضافت أن فريق العمل حرص على تصحيح عدد من المفاهيم الشائعة المرتبطة بالوزن والتي تعتمد على الانطباعات الشكلية، مؤكدة أن الحكم على الحالة الصحية يجب أن يستند إلى معايير علمية معتمدة وليس إلى المظهر فقط.
وكشفت أنه تم تصميم شخصية افتراضية لممرضة ترتدي الزي الرسمي لكلية التمريض بجامعة الأزهر لتقديم المحتوى، مع دمج ظهور الطالبات داخل الفيديوهات لإضفاء طابع واقعي يعزز مصداقية الرسالة. واستخدم فريق المشروع عدداً من أدوات الذكاء الاصطناعي، من بينها برامج لإنشاء الصور وتحويلها إلى فيديوهات متحركة، وبرامج لإنتاج التعليق الصوتي باللهجة المصرية، بما يضمن وصول الرسائل التوعوية إلى الجمهور بصورة أكثر بساطة وقرباً.
مما أسهم في خفض تكاليف الإنتاج بشكل كبير، وأتاح تنفيذ العمل بجودة احترافية دون الحاجة إلى استئجار مواقع تصوير أو توفير معدات تصوير متخصصة، كما منح الفريق مرونة كبيرة في تنفيذ مراحل المشروع من أي مكان.
وأضافت أن الفيديوهات نُشرت عبر الصفحة الرسمية لكلية التمريض بجامعة الأزهر بهدف الوصول إلى أكبر عدد من المواطنين وتشجيعهم على الاهتمام بصحتهم وإجراء الفحوص اللازمة عند وجود مؤشرات تستدعي ذلك، مؤكدة أن دور التمريض في هذا المشروع يظل دوراً توعوياً يهدف إلى نشر الثقافة الصحية، بينما يظل التشخيص ووضع الخطة العلاجية من اختصاص الأطباء.
فالمشروع يمثل نموذجاً لكيفية دمج التكنولوجيا الحديثة بالعلوم التمريضية، وتقديم محتوى صحي موثوق ومنخفض التكلفة يواكب التطور الرقمي ويعزز دور التمريض في نشر الوعي الصحي داخل المجتمع.
حكاية المشروع: تكامل الجهود وتفاعل جماهيري
لم يكن مشروع “رؤية 360” مجرد فكرة أكاديمية، بل كان ثمرة عمل جماعي تقاسمت فيه طالبات الفرقة الرابعة بكلية التمريض بجامعة الأزهر الأدوار؛ بدءاً من البحث العلمي وكتابة المحتوى، مروراً بإنتاج الفيديوهات باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، وصولاً إلى نشرها والتفاعل مع الجمهور:
- هاجر أيمن: أوضحت أن أحد المحاور الرئيسية للمشروع تمثل في استعانة فريق العمل بعدد من برامج الذكاء الاصطناعي لإنتاج الصور وتحويلها إلى فيديوهات متحركة وتوليد الأصوات، بما ساهم في تقديم محتوى احترافي يجمع بين الدقة والجاذبية.
- مريم أحمد: تحدثت عن التحديات التي واجهت الفريق، مثل تدريب برامج الذكاء الاصطناعي على إخراج التعليق الصوتي باللهجة المصرية بصورة طبيعية، خاصة أن إنتاج مقطع قصير كان يستغرق وقتاً طويلاً حتى يخرج بالشكل المطلوب.
- ياسمين أشرف: أكدت أن تحويل أعضاء الجسم (مثل القلب والكلى) إلى شخصيات تتحدث وتتفاعل مع المشاهد جعل المحتوى أكثر جذباً للأطفال والشباب والكبار، مما أظهر أثر المشروع سريعاً داخل المدينة الجامعية؛ حيث بدأت زميلاتها في طرح أسئلة حول الوزن المثالي وكيفية حساب مؤشر كتلة الجسم، وهو ما اعتبرته دليلاً على نجاح الرسالة التوعوية في إثارة اهتمام الجمهور.
- يارا ياسر: أوضحت أن المشروع يستهدف الفئات العمرية من 18 عاماً فأكثر.
- ماجدة السيد: أكدت أن المشروع لم يكن ليخرج بهذه الصورة لولا الدعم الأكاديمي المستمر من أعضاء هيئة التدريس.
- ولاء رشدي: أضافت أن المشروع يقدم للمواطن معلومات عملية تساعده على كيفية الوصول إلى الوزن المثالي بطريقة صحية.
- كريمة عبدالله (قائدة الفريق): أوضحت أن اختيار موضوع التغذية جاء لأنها تمثل الأساس الذي تنطلق منه صحة الإنسان، وأن معظم الأمراض المزمنة ترتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالعادات الغذائية ونمط الحياة.
وأكدت الطالبات أن جميع المعلومات الطبية الواردة في الفيديوهات والبروشورات جرى توثيقها بالرجوع إلى إرشادات منظمة الصحة العالمية لضمان دقة المحتوى.
وأوضحن أن إعداد الحلقات اعتمد على العمل الجماعي؛ إذ تولت كل طالبة البحث في أحد الموضوعات أو أعضاء الجسم، ثم جرى إعداد النصوص العلمية وتحويلها إلى أوامر مخصصة لبرامج الذكاء الاصطناعي قبل إنتاج الصور وتحريكها وإضافة الأصوات وتجميعها في الصورة النهائية.
وضمت السلسلة حلقات متنوعة تناولت:
- النحافة: أسبابها، طرق علاجها، والتمارين المناسبة لزيادة الكتلة العضلية.
- السمنة: مضاعفاتها الصحية والنفسية.
- الوزن الطبيعي وزيادة الوزن: كيفية الوصول إلى الوزن المثالي وفق الأسس العلمية.
وحول ردود الفعل، أكدت الطالبات أن الفيديوهات حققت تفاعلاً ملحوظاً عقب نشرها عبر الصفحة الرسمية لكلية التمريض وحساباتهن الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي؛ حيث تلقين العديد من الاستفسارات من المواطنين، خاصة السيدات في الفئة العمرية بين 30 و40 عاماً، وكذلك من أفراد الأسرة والأصدقاء، وهو ما عكس نجاح المشروع في الوصول إلى الجمهور المستهدف.
كما كشفت الطالبات أن “رؤية 360” لن يتوقف عند موضوع التغذية، بل يمثل بداية لسلسلة توعوية أوسع تتناول موضوعات صحية وتمريضية متنوعة خلال الفترة المقبلة، استمراراً لرسالة المشروع في نشر الثقافة الصحية وتقديم معلومات طبية موثوقة بأسلوب عصري يعتمد على التكنولوجيا الحديثة.



