قد تبدو عادة قضم الأظافر مجرد سلوك عابر يثير انزعاج الآباء والأمهات، لكنها في بعض الأحيان تكون رسالة خفية يبعث بها الطفل أو المراهق للتعبير عن قلق أو ضغوط لا يجد الكلمات المناسبة لوصفها فمتى تكون هذه العادة طبيعية ومتى تتحول إلى مؤشر يستحق الانتباه والتدخل؟
في كثير من البيوت يتكرر المشهد نفسه، أم تجلس إلى جوار طفلها وهو يذاكر دروسه، فتلاحظ أن أصابعه قد عادت إلى فمه للمرة العاشرة تنهره بلطف، فيتوقف قليلًا ثم يعود إلى ما كان يفعل وفي بيت آخر، يراقب أب ابنه المراهق وهو يشاهد التلفاز أو يتصفح هاتفه، فيجده يقرض أظافره حتى تكاد تختفي أطرافها.
غالبًا ما ينظر الآباء إلى هذا السلوك على أنه عادة سيئة تحتاج إلى مزيد من الحزم أو التذكير المستمر، لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير فخلف الأظافر المقروضة قد تختبئ مشاعر قلق أو توتر أو خوف أو احتياج نفسي لا يعرف الطفل كيف يعبر عنه بالكلمات.
ولعل أهم ما ينبغي أن ندركه أن الأطفال لا يملكون دائمًا القدرة على وصف ما يشعرون به فبينما يستطيع الراشد أن يقول: "أنا قلق" أو "أشعر بالضغط"، قد يعبر الطفل عن المشاعر نفسها من خلال سلوك متكرر، مثل قرض الأظافر أو شد الشعر أو كثرة الحركة أو اضطرابات النوم.
عندما تتحدث الأصابع بدلًا من الكلمات
يصنف المختصون قرض الأظافر ضمن السلوكيات التكرارية المرتبطة بالتوتر والانفعال، وهو من أكثر العادات شيوعًا بين الأطفال والمراهقين. وقد يبدأ في سن مبكرة ثم يختفي تلقائيًا، أو يستمر لسنوات متفاوتة الشدة.
واللافت للنظر أن كثيرًا من الأطفال لا يدركون أصلًا أنهم يمارسون هذا السلوك. فهو يحدث بصورة تلقائية أثناء التفكير أو التركيز أو الانتظار أو مواجهة المواقف المقلقة. وكأن الطفل يجد فيه وسيلة لا شعورية لتهدئة نفسه والتخفيف من توتره.
لذلك فإن التركيز على السلوك وحده دون فهم أسبابه يشبه معالجة عرض المرض مع تجاهل أسبابه الحقيقية.
لماذا يقرض الأطفال أظافرهم؟
لا يوجد سبب واحد يفسر هذه الظاهرة، بل تتداخل مجموعة من العوامل النفسية والسلوكية والبيئية.
ويأتي القلق في مقدمة هذه الأسباب فقد يشعر الطفل بالتوتر بسبب الدراسة أو الامتحانات أو المشكلات الأسرية أو صعوبة الاندماج مع أقرانه وفي ظل عدم قدرته على التعبير المباشر عن مشاعره، يبحث عن وسيلة تمنحه قدرًا من الراحة المؤقتة.
كما يلعب الملل دورًا مهمًا في بعض الحالات فالطفل الذي يقضي وقتًا طويلًا دون نشاط مشوق قد يلجأ إلى قرض أظافره بصورة تلقائية، حتى تصبح العادة مرتبطة بأوقات الفراغ أو مشاهدة التلفاز أو استخدام الهاتف.
ومن الأسباب الأخرى التقليد والمحاكاة فالطفل يتعلم من خلال الملاحظة أكثر مما يتعلم من خلال التوجيه، وقد يكتسب هذه العادة من أحد أفراد الأسرة أو من أصدقائه.
أما في مرحلة المراهقة، فتزداد الضغوط النفسية المرتبطة بتغيرات النمو الجسدية والانفعالية والاجتماعية، ما يجعل بعض المراهقين أكثر عرضة لممارسة هذا السلوك.
وفي عدد محدود من الحالات، قد يكون قرض الأظافر جزءًا من صورة نفسية أوسع ترتبط باضطرابات القلق أو الوسواس القهري أو اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، وهنا تبرز أهمية التقييم المتخصص.
آثار لا تتوقف عند شكل الأظافر
قد يبدو الأمر بسيطًا من الخارج، لكنه ليس دائمًا كذلك.
فعلى المستوى الصحي، يؤدي القرض المستمر إلى إتلاف الجلد المحيط بالأظافر وظهور التهابات مؤلمة ومتكررة، كما قد يسبب تشوه الأظافر أو ضعف نموها الطبيعي.
وتحمل اليدان يوميًا أعدادًا كبيرة من الجراثيم والبكتيريا، ومع تكرار انتقالها إلى الفم تزداد احتمالات الإصابة ببعض الالتهابات المعدية والمشكلات الصحية.
وقد تتأثر الأسنان واللثة أيضًا نتيجة الضغط المستمر على الأسنان الأمامية، خصوصًا لدى الأطفال الذين يمارسون هذه العادة بشكل مكثف ولسنوات طويلة.
أما الجانب النفسي فلا يقل أهمية فبعض الأطفال والمراهقين يشعرون بالخجل من شكل أيديهم، ويحاولون إخفاءها عن الآخرين، وقد ينعكس ذلك تدريجيًا على ثقتهم بأنفسهم وصورتهم الذاتية.
خطأ يقع فيه كثير من الآباء
حين يلاحظ الوالدان هذه العادة، تكون الاستجابة الأولى غالبًا هي التوبيخ أو التهديد أو التذكير المتكرر.
لكن الدراسات والخبرات الإكلينيكية تشير إلى أن العقاب والسخرية والضغط النفسي لا تساعد على التخلص من السلوك، بل قد تؤدي إلى تفاقمه.
فالطفل الذي يشعر بالتوتر بسبب الانتقاد المستمر يصبح أكثر حاجة إلى الوسيلة التي تخفف توتره، فيلجأ إلى قرض أظافره بصورة أكبر وهكذا تدخل الأسرة في دائرة مغلقة من اللوم والتكرار دون الوصول إلى نتيجة حقيقية، إن الطفل لا يحتاج في هذه الحالة إلى من يوبخه بقدر ما يحتاج إلى من يفهم ما الذي يدفعه إلى هذا السلوك.
ماذا يمكن للأسرة أن تفعل؟
الخطوة الأولى هي الملاحظة الهادئة.
حاولوا معرفة الأوقات التي يزداد فيها السلوك هل يحدث قبل الامتحانات؟ هل يظهر بعد التعرض لموقف مزعج؟ هل يرتبط بمشكلات معينة في المدرسة أو المنزل؟
الخطوة الثانية هي فتح باب الحوار فالأطفال يحتاجون إلى من يستمع إليهم بصدق دون أحكام مسبقة. وقد تكشف جلسة هادئة عن مخاوف أو ضغوط لم يكن أحد يعلم بوجودها.
ومن المفيد تشجيع الطفل على ممارسة أنشطة تشغل اليدين وتساعد على تفريغ التوتر، مثل الرسم والتلوين والأعمال اليدوية والرياضة.
كما يعد التعزيز الإيجابي من أكثر الأساليب نجاحًا فبدلًا من التركيز على عدد مرات الفشل، ينبغي الاحتفاء بكل تقدم يحرزه الطفل مهما بدا صغيرًا.
ولا ينبغي أن ننسى أن المناخ الأسري الدافئ والمستقر يظل من أهم عوامل الوقاية والعلاج. فالطفل الذي يشعر بالأمان والاحتواء يكون أكثر قدرة على التعامل مع الضغوط بصورة صحية.
متى نلجأ إلى المختص؟
في كثير من الحالات تختفي هذه العادة تدريجيًا مع التقدم في العمر، لكن هناك مؤشرات تستوجب طلب المساعدة المتخصصة.
من هذه المؤشرات استمرار القرض بصورة شديدة لفترة طويلة، أو حدوث نزيف وجروح متكررة، أو تأثر الحياة اليومية للطفل أو المراهق بسببه.
كما ينبغي استشارة الطبيب أو الأخصائي النفسي إذا صاحب السلوك أعراض أخرى مثل القلق المفرط، واضطرابات النوم، وتراجع الأداء الدراسي، أو ظهور سلوكيات متكررة أخرى مثل شد الشعر أو إيذاء الجلد.
ففي مثل هذه الحالات قد يكون قرض الأظافر مجرد عرض لمشكلة أعمق تحتاج إلى تشخيص وعلاج متخصص.
ما وراء الأظافر المقروضة
في المرة القادمة التي تلاحظ فيها طفلك يقرض أظافره، لا تنظر فقط إلى أصابعه، بل حاول أن تنظر إلى ما وراءها.
اسأل نفسك: ما الذي يقلقه؟ ما الذي يخيفه؟ ما الذي يحاول قوله ولا يجد الكلمات المناسبة للتعبير عنه؟
فالأطفال لا يطلبون المساعدة دائمًا بالكلمات. أحيانًا يطلبونها بعادة صغيرة تتكرر كل يوم، أو بسلوك يبدو عابرًا في ظاهره، بينما يخفي وراءه مشاعر تحتاج إلى من يراها ويفهمها.
إن الإصغاء إلى هذه الرسائل الصامتة لا يساعدنا فقط على التخلص من عادة غير مرغوبة، بل يقربنا أكثر من عالم أبنائنا الداخلي. وحين يشعر الطفل أن هناك من يفهمه ويحتويه، يصبح أكثر قدرة على مواجهة قلقه ومخاوفه بطرق صحية وآمنة.
وفي النهاية، قد تكون الأظافر المقروضة هي أول ما تراه أعيننا، لكن المشاعر الكامنة خلفها هي ما يستحق حقًا أن نلتفت إليه.



