جراح لم تندمل وشهادات حية..
لم تكن محافظة الغربية بعيدة عن حالة التوتر السياسي والأمني التي شهدتها مصر في الفترة التي سبقت ثورة 30 يونيو 2013 وما أعقبها من أحداث، إذ عاشت مدن المحافظة، وفي مقدمتها المحلة الكبرى وطنطا، وقائع تركت أثرًا في ذاكرة كثير من أبنائها، ولا تزال حاضرة في روايات أسر الضحايا والمصابين والمشاركين في تلك الأحداث، وتستعرض “الدستور” شهادات عدد من أبناء الغربية الذين عايشوا تلك المرحلة، إلى جانب الوقائع التي وثقتها التحقيقات أو البيانات الرسمية، بهدف توثيق جانب من ذاكرة المحافظة خلال تلك الفترة.
المحلة الكبرى.. واحدة من أبرز ساحات الأحداث
وشهدت مدينة المحلة الكبرى خلال تلك الفترة تجمعات ومظاهرات واشتباكات في محيط عدد من المنشآت العامة، من بينها ميدان الشون والمنطقة المحيطة بمجلس المدينة، حيث وقعت أعمال عنف وخسائر في بعض الممتلكات، بينما تعاملت الأجهزة الأمنية مع الموقف وفق الإجراءات المتبعة آنذاك، ولا تزال تلك المواقع تمثل بالنسبة لكثير من أبناء المدينة محطات ارتبطت بذكريات صعبة، خاصة لدى الأسر التي فقدت أبناءها أو تعرض أحد أفرادها للإصابة خلال تلك الأحداث، وأكد عدد من أهالي الضحايا والمصابين الذين استعادوا تفاصيل تلك الأيام، إلى جانب الإشارة إلى الوقائع التي تناولتها التحقيقات والتغطيات الصحفية في حينها، ماهي إلا محاولة لتوثيق جانب من ذاكرة المحافظة خلال واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخها الحديث.
ميدان الشون ومحيط مجلس مدينة المحلة.. مشاهد لا تغيب عن الذاكرة
لا يزال ميدان الشون والمنطقة المحيطة بمجلس مدينة المحلة الكبرى يمثلان بالنسبة لكثير من أبناء المدينة أحد أبرز الأماكن التي ارتبطت بأحداث تلك المرحلة، ويقول عدد من الأهالي إن هذه المنطقة شهدت حالة من التوتر والتجمعات المتكررة، أعقبها وقوع اشتباكات وأعمال عنف، دفعت قوات الأمن إلى التدخل لفرض السيطرة وإعادة الهدوء، ورغم مرور أكثر من عقد على تلك الأحداث، فإن المكان ما زال يحمل في ذاكرة سكانه صورًا لا تُنسى، فيما تتحدث أسر الضحايا عن أيام وصفتها بأنها كانت من أصعب ما مرت به المحافظة.
والدة أحد الضحايا: آخر كلمات ابني ما زالت تعيش معي
داخل منزلها بمدينة المحلة الكبرى، تجلس الحاجة أمنية م. ع أمام صورة نجلها، الذي فقدته خلال تلك الأحداث، مؤكدة أن السنوات لم تنجح في تخفيف ألم الفراق، وتروي الأم تفاصيل ذلك اليوم قائلة إن نجلها خرج من المنزل وهو مقتنع بضرورة المشاركة في حماية المنشآت العامة، قبل أن تتلقى اتصالًا يخبرها بإصابته، وتضيف ذهبت إلى المستشفى وأنا أتمسك بأي أمل في نجاته، لكنه كان في لحظاته الأخيرة، وقبل أن يرحل قال لي: “مستخسريهاش في مصر يا أمي” كانت آخر كلماته، وما زالت تتردد في أذني حتى الآن، مؤكدة أن صورة نجلها لا تفارقها، وأن ذكراه أصبحت جزءًا من تفاصيل حياتها اليومية، معتبرة أن السنوات قد تمضي، لكن الألم يبقى حاضرًا في قلوب الأمهات اللاتي فقدن أبناءهن، وأن الدولة راعت البعد الإنساني والإجتماعي لشهداء هذه المرحلة وأننا جميعًا فداء لمصر.
إصابة غيرت حياته إلى الأبد
وعلى الجانب الآخر، يروي الكابتن أحمد س.، أحد أبناء مدينة المحلة الكبرى، تفاصيل إصابته التي تعرض لها خلال الأحداث، مؤكدًا أن لحظات قليلة كانت كفيلة بتغيير حياته بالكامل، ويقول إنه أصيب بخرطوش في العين اليسرى، ما تسبب في فقدانه البصر بها، موضحًا أن الإصابة أثرت على حياته العملية والشخصية بصورة كبيرة، وأضاف كنت أعيش حياة طبيعية، لكن بعد الإصابة تغير كل شيء احتجت إلى سنوات حتى أتعامل مع وضعي الجديد، وما زلت أتذكر تفاصيل ذلك اليوم بكل ما حمله من خوف وتوتر، وأكد أن الإصابة لم تكن مجرد جرح جسدي، لكنها تركت أثرًا نفسيًا لا يزال يرافقه، مشيرًا إلى أن كثيرًا من أبناء المدينة يحتفظون بذكريات مماثلة عن تلك الفترة.
أهالي الغربية: سنوات مرت والذكريات لا تزال حاضرة
ويقول عدد من أهالي المحلة الكبرى إن تلك المرحلة تركت آثارًا عميقة في نفوس أبناء المدينة، خاصة لدى الأسر التي فقدت أبناءها أو تعرض أحد أفرادها لإصابة، مؤكدين أن الهدوء الذي تشهده المحافظة اليوم لا يمحو من الذاكرة تفاصيل تلك الأيام، وأضافوا أن كثيرًا من الأماكن التي شهدت الأحداث عادت إلى طبيعتها، إلا أن ذكرياتها لا تزال حاضرة في أحاديث الأهالي، الذين يتداولون قصصها كلما عادت الذكرى.
توثيق الذاكرة بين الشهادات والوثائق
ويرى مهتمون بتوثيق التاريخ والأحداث داخل محافظة الغربية، أن أحداث تلك المرحلة تمثل جزءًا من ذاكرة محافظة الغربية، وأن توثيقها يتطلب الجمع بين ما ورد في التحقيقات والوثائق الرسمية، وبين شهادات من عايشوا الأحداث، بما يسهم في تقديم صورة تاريخية متكاملة للأجيال الجديدة، وتبقى الشهادات الإنسانية والتجارب الحقيقية، بما تحمله من مشاعر الفقد والألم، جزءًا من رواية أبناء الغربية عن مرحلة استثنائية عاشتها المحافظة، لا تزال تفاصيلها حاضرة في ذاكرة كثيرين رغم مرور السنوات، ورغم أنه تبدلت ملامح كثير من الأماكن التي شهدت تلك الأحداث، إلا أن ذكرياتها لا تزال حاضرة لدى العديد من أبناء المحافظة، الذين يرون أن توثيق تلك المرحلة يمثل جزءًا من حفظ الذاكرة للأجيال المقبلة.



