صحة جريدة الجمهورية

سنوات التعب صنعتنى.. و«بلال شامة» علامة فارقة فى حياتى

منذ ظهوره اللافت فى تسعينيات القرن الماضى، لم يكن الفنان مجدى بدر مجرد وجه عابر على الشاشة، بل ممثلًا اختار أن يصنع حضوره بهدوء، بعيدًا عن الضجيج، معتمدًا على أدواته وقدرته على التلون والغوص فى أعماق الشخصيات. وعلى مدار أكثر من ثلاثة عقود، تنقل بدر بين عشرات الشخصيات والأعمال التى تجاوزت 150 عملاً ف...

سنوات التعب صنعتنى.. و«بلال شامة» علامة فارقة فى حياتى
9 مشاهدة

اقرأ من المصدر

جريدة الجمهورية

زيارة المصدر

منذ ظهوره اللافت فى تسعينيات القرن الماضى، لم يكن الفنان مجدى بدر مجرد وجه عابر على الشاشة، بل ممثلًا اختار أن يصنع حضوره بهدوء، بعيدًا عن الضجيج، معتمدًا على أدواته وقدرته على التلون والغوص فى أعماق الشخصيات.

وعلى مدار أكثر من ثلاثة عقود، تنقل بدر بين عشرات الشخصيات والأعمال التى تجاوزت 150 عملاً فنيًا، بداية من «ساكن قصادى»، مرورًا بـ«آدم» و«سرايا عابدين» و«ولد الغلابة» و«لمعى القط» و«جودر»، وصولاً إلى شخصية «بلال شامة» التى تركت بصمة كبيرة لدى الجمهور فى مسلسل «جعفر العمدة».. ورغم سنوات الخبرة والنجاح، لا يتحدث مجدى بدر عن نفسه باعتباره فنانًا وصل إلى نهاية الطريق، بل كممثل ما زال يخشى التكرار، ويؤمن بأن الموهبة وحدها لا تكفى دون خبرة وتجارب وصبر طويل، وأن كل شخصية جديدة تمثل تحديًا مختلفًا وفرصة لاكتشاف مساحة جديدة من الإبداع.

فى حواره مع «الجمهورية»، يفتح مجدى بدر قلبه للحديث عن سنوات المشوار، والأدوار التى اضطر إلى تقديمها، وعلاقته بالمخرجين، وموقفه من الشهرة والسوشيال ميديا، ودور زوجته الفنانة سامية عاطف فى حياته، وابنته داليدا، والأثر الذى يتمنى أن يتركه لدى جمهوره.

ويؤكد أن أعظم وسام يمكن أن يحصل عليه الفنان هو أن يترك أثرًا جميلاً فى وجدان الناس.

> بعد أكثر من ثلاثة عقود فى عالم التمثيل، كيف ترى اليوم العلاقة بين الموهبة والعمر؟ وهل تزداد الموهبة نضجًا أم يتسلل إليها الخوف من التكرار؟

>> العلاقة بين الموهبة والعمر علاقة تكامل وارتقاء مستمر. الموهبة مع التقدم فى السن، وكثرة الممارسة، وتقديم أدوار كثيرة، تمنح الفنان نوعًا من النضج والخبرة لا يمكن الوصول إليهما إلا بتراكم السنين.

أما الخوف من التكرار فأنا أراه شيئًا مهمًا وضروريًا، لأن أى ممثل يقلق من أن يكرر نفسه، فهو قبل الجمهور يشعر بأنه لم يقدم جديدًا. وهذا القلق يدفع الفنان إلى البحث عن أداء مختلف، حتى لو كانت هناك شخصيات متشابهة فى الشكل أو الظروف.

> عندما تنظر إلى مسيرتك، هل تشعر أنك كنت تختار أدوارك، أم أن الأدوار كانت تختارك وفقًا لما تقتضيه الظروف؟

>> فى البداية لا يكون أمام الممثل مساحة كبيرة للاختيار، لأن هناك مرحلة مهمة جدًا وهى مرحلة الانتشار وإثبات الوجود. فى تلك المرحلة تقبل أدوارًا كثيرة حتى يعرفك الجمهور وصناع العمل.

ومع مرور الوقت والخبرة، يبدأ الفنان فى امتلاك رؤية وقدرة أكبر على الاختيار، ويصبح لديه ثقل وخبرة أكثر من بداياته. هى مراحل متتالية، وكل مرحلة تقود إلى الأخرى.

> هل التمثيل بالنسبة لك شغف أم مهنة أم طريقة لفهم العالم؟

التمثيل بالنسبة لى فى الأساس هواية أحبها جدًا، وحتى الآن أتعامل معه بهذه الروح، سواء فى الأداء أو التحضير للشخصية.

أما الاحتراف الحقيقي، فيكون فى الالتزام خلف الكاميرا، واحترام المواعيد، واحترام فريق العمل. لكن أمام الكاميرا أحب أن أظل محتفظًا بروح الهواية والشغف، لأن هذا هو ما يجعلنى أستمتع بما أقدمه.

> فى كثير من أعمالك نراك تصل إلى عمق الشخصية بهدوء ودون افتعال.. كيف تبنى الشخصية؟

>> أحاول فى البداية أن أقدم الشخصية كما هى مكتوبة، وأفهم أبعادها ودوافعها، ثم أضيف إليها بعض التفاصيل الخاصة بى التى أرى أنها يمكن أن تمنحها حياة وصدقًا أكثر.

> قدمت عددًا من الشخصيات السلبية.. كيف تتعامل معها؟

>> لا أبحث عن نموذج للشخصية السلبية فى الواقع لكى أقلده، ولكننى أقدم الشخصية كما هى مكتوبة، وأحاول أن أوصل رسالتها.

وفى النهاية، الدراما تقدم نماذج مختلفة من البشر، والشخص الذى يسير فى طريق خاطئ تكون لأفعاله نتيجة. وهذا جزء مهم من الرسالة التى يمكن أن تقدمها الأعمال الدرامية.

> يقال إن الممثل يكشف جزءًا من روحه فى كل شخصية يؤديها.. هل تشعر بذلك أمام الكاميرا؟

>> بالتأكيد. أحيانًا فى لحظات معينة أمام الكاميرا تمر أمامك سنوات طويلة من العمل والتعب والضغوط وكل الأشياء التى تحملتها فى حياتك ومشوارك.

هناك أشياء كثيرة مر بها الإنسان، وربما قدم أحيانًا أعمالًا أو أدوارًا وهو مجبر بسبب ظروف معينة، وكل هذه السنوات والخبرات تمر أمامك فى لحظات سريعة جدًا، وتجعلك تشعر بحالة من الرضا والحمد والشكر.

> ما أكثر الأدوار التى غيرت فيك شيئًا من الداخل، بعيدًا عن الشهرة والنجاح؟

>> أكثر الأدوار تأثيرًا هى تلك التى تترك أثرًا جميلاً عند الناس وتحقق بصمة حقيقية. وهذا هو المهم بالنسبة لى.

وبالتأكيد شخصية «بلال شامة» فى مسلسل «جعفر العمدة» كانت من الشخصيات المهمة جدًا فى حياتى، وردود فعل الجمهور عليها كانت كبيرة وأسعدتنى كثيرًا.

> بعد هذه الرحلة الطويلة، كيف يحتفظ الفنان بالدهشة والخوف وكأنه يقف لأول مرة أمام الكاميرا؟

>> أعتقد أن الإنسان يجب ألا ينسى بداياته أبدًا. ولو عاد بى الزمن إلى البداية، سأقول لنفسى: أنت لسه فى أول الطريق، لا تيأس واستحمل الضغوط.

الصبر وتحمل الظروف هما جزء أساسى من أى مشوار، والإنسان يجب أن يظل لديه ذلك الخوف الصحى الذى يجعله حريصًا على تقديم الأفضل.

> هل الممثل الجيد هو من يختبئ خلف الشخصية أم من يظهر من خلالها؟

>> أعتقد أن هناك توازنًا بين الاثنين. الممثل يقدم الشخصية كما كتبها المؤلف، لكنه فى الوقت نفسه يضيف إليها من روحه وخبرته ورؤيته.

المهم فى النهاية أن يشعر الجمهور بأنه أمام شخصية حقيقية، وليس ممثلاً يؤدى دورًا.

> كيف ترى تأثير السوشيال ميديا على المهنة وعلى الجيل الجديد من الفنانين؟

>> أنا شخصيًا لا أملك فيسبوك أو إنستجرام أو أى حساب على السوشيال ميديا، ولا أعرف فى الأساس ماذا يكتب عنى الناس.

لكن إذا وصلنى نقد حقيقى يمكن أن يضيف لي، بالتأكيد أراجع نفسى وأحاول أن أطور من أدائى وأغير ما يحتاج إلى تغيير.

«صدق الشخصية»

> يقال إن التمثيل فى جوهره بحث عن الحقيقة.. عن أى حقيقة يبحث مجدى بدر فى كل دور؟

>> أبحث عن صدق الشخصية ونتيجة أفعالها. عندما أقدم شخصية تسير فى طريق خاطئ، يكون مهمًا بالنسبة لى أن يرى المشاهد النتيجة التى تصل إليها.

الدراما لا تقدم مجرد أحداث، لكنها تقدم تجارب ونماذج إنسانية، وفى النهاية كل فعل له نتيجة.

> هل تخاف من أن تُنسى بعد سنوات طويلة من العمل؟

>> لا أستطيع أن أحدد ما الذى سيتذكرنى به الناس، فهذا كله فى علم الغيب. لكن مجرد أن يتذكرنى الجمهور، فهذه فى حد ذاتها نعمة وفضل من ربنا.

الفنان لا يستطيع أن يفرض على الناس ما يتذكرونه، لكن يمكنه أن يجتهد ويقدم أعمالاً تترك أثرًا.

> فى أعمالك الأخيرة نلاحظ هدوءًا ونضجًا فى الأداء.. هل هو نتيجة الحياة أم خبرة المهنة؟

>> هما الاثنان معًا. تجارب الحياة والخبرة الناتجة عن طول ممارسة المهنة يكملان بعضهما البعض.

كل ما يمر به الإنسان فى حياته، وكل شخصية يقدمها، وكل تجربة يعيشها، تضيف إليه وتؤثر فى طريقة تفكيره وأدائه.

> عندما تنتهى من تصوير عمل، هل تترك الشخصية بسهولة أم تبقى معك؟

>> ربما طبيعة تعاملى مع التمثيل باعتباره هواية وشغفًا تجعلنى قادرًا على الفصل. الاحتراف والالتزام يكونان فى العمل، لكن بعد انتهاء التصوير أعود إلى حياتى الطبيعية.

> كيف تعيش اللحظة الأولى التى تتلقى فيها نصًا جديدًا؟

>> بصراحة، هذا سؤال لم أفكر فيه من قبل، لكن بالتأكيد القراءة الأولى تتأثر بخبرة الممثل وما اكتسبه من طول الممارسة. كل شخصية جديدة لها تفاصيلها وتحدياتها، وأحاول أن أكتشف ما يمكن أن أقدمه فيها. وكل شخصية جديدة تمثل لى تحديًا.

> بعد كل نجاح، ما أكثر شيء تشعر بثقله ومسئوليته؟

>> المسئولية بالتأكيد، لأن كل نجاح يجعل الجمهور ينتظر منك المزيد.

لكن فى النهاية أهم شيء بالنسبة لى هو أن أقدم العمل بشكل جيد، وأن أترك أثرًا جميلاً عند الناس. هذا هو الوسام الحقيقى بالنسبة لي.

> تحدثت كثيرًا عن دور زوجتك الفنانة سامية عاطف فى حياتك.. كيف يوازن فنانان فى بيت واحد بين الحياة والعمل؟

>> زوجتى دائمًا تساعدني، وأستشيرها فى كثير من الأمور والأدوار، وأخذ رأيها مهم بالنسبة لي. فوجود التفاهم والدعم بين الزوجين مهم جدًا، خصوصًا عندما يعمل الاثنان فى المجال نفسه، لأن كل طرف يفهم طبيعة عمل الآخر وظروفه.

«كلمة السر»

> فى زمن تتغير فيه أساليب العمل والدراما بسرعة، ما القيمة التى لاتزال مقدسة بالنسبة لك فى مهنة التمثيل؟

>> أهم شىء بالنسبة لى هو احترام المخرج، لأننى تربيت على أن المخرج هو سيد العمل وربان السفينة، وهو المسئول الأول عن الصورة النهائية للعمل.

الممثل يمكن أن يقدم وجهة نظره، ويضيف من خبرته، لكن فى النهاية هناك رؤية للمخرج يجب احترامها.

> هل ما زال الفن قادرًا على التغيير، أم أصبح مجرد وسيلة للترفيه؟

>> بالتأكيد الفن ما زال قادرًا على التأثير، لأن الدراما تنقل جزءًا كبيرًا من الواقع.

> عندما تشاهد ممثلاً آخر يؤدى دورًا كنت تتمنى تقديمه، كيف تتعامل مع هذا الشعور؟

>> أشاهده بعين المتفرج والمشاهد، وأحاول أن أستفيد من أسلوبه فى الأداء.

وحتى لو شعرت أن هناك شيئًا لم يعجبنى فى طريقة تقديم الشخصية، فأنا أراقبه وأتعلم منه، حتى أتجنب الوقوع فى الخطأ نفسه إذا واجهت موقفًا مشابهًا.

> هل تشعر أحيانًا بأنك دفعت ثمن الصدق الفنى؟

>> أى مشوار طويل له ثمن. سنوات العمل الطويلة والضغوط والأشياء التى يتحملها الإنسان كلها جزء من الرحلة. لكن فى النهاية، عندما تنظر إلى ما مررت به، تجد نفسك فى حالة من الحمد والشكر على كل ما وصلت إليه.

> كيف يحافظ الفنان على توازنه الداخلى وسط ضغوط المهنة؟

>> التجارب فى الحياة والخبرة الناتجة عن طول ممارسة المهنة لهما دور كبير جدًا فى تشكيل شخصية الإنسان والفنان. ومع الوقت تتعلم كيف تتعامل مع الضغوط، وكيف تستمر دون أن تفقد نفسك أو شغفك.

> بعد هذه المسيرة، ما الحلم الفنى الذى لم يتحقق بعد؟

>> كل الشخصيات التى لم أقدمها حتى الآن تستفزنى.

أى شخصية جديدة أراها مختلفة وتحتوى على تحدٍ، أتمنى أن أقدمها للناس. الممثل الحقيقى يظل دائمًا يبحث عن الشخصية الجديدة.

> لو لم تكن ممثلاً، ماذا كنت ستكون؟

>> لا أعرف بالضبط، ولا أستطيع أن أجزم بمهنة أخرى.

لكننى أحب أن أعمل أشياء بيدي، وأحب التنظيم فى البيت، ويومى مليء بالقراءة والأصدقاء، وهذه الأشياء تشغل جزءًا مهمًا من حياتى بعيدًا عن التمثيل.

> هل ترى فى ابنتك داليدا امتدادًا فنيًا لك؟

>> أنا ليس لى يد فى هذا الموضوع. إذا كان ربنا كتب لها هذا الطريق وقسمه لها، فسيكون.

> كيف تحسم الصراع بين ما تريده أنت كممثل وما يطلبه المخرج؟

>> قبل بداية العمل أحاول أن أصل إلى اتفاق وفهم واضح للشخصية، وإذا لم نصل إلى نتيجة مشتركة قد أعتذر عن الدور.

لكن بمجرد أن أبدأ العمل، أحترم رؤية المخرج، لأننى تربيت على أن المخرج هو سيد العمل. وإذا كانت لدى وجهة نظر أو إضافة، أطرحها بشكل يخدم الشخصية والعمل.

> ما أكثر لحظة شعرت فيها أنك اكتشفت نفسك كممثل؟

>>عندما وجدت أننى قادر على ترك أثر جميل عند الناس وبصمة جيدة من خلال الشخصيات التى قدمتها.

هذه اللحظة تجعل الفنان يشعر بأن ما يقدمه يصل بالفعل إلى الجمهور.

> من المخرج الذى تشعر أنه قرأ روحك الفنية بصدق؟

>> الحقيقة أننى كنت محظوظًا بالتعامل مع عدد كبير من المخرجين، ولذلك من الصعب أن أذكر اسمًا واحدًا فقط.

هناك مخرجون كثيرون تعاملوا معى بحنكة واحترافية، ومن بينهم على سبيل المثال لا الحصر المخرج محمد سامى، وقدمت معه ثلاثة مسلسلات هى «آدم» و«ولد الغلابة» و«جعفر العمدة».

كما أعتز بالتعاون مع المخرج عمرو عرفة فى «سرايا عابدين» و«لمعى القط»، والمخرج إسلام خيرى فى «جودر.. ألف ليلة وليلة».

كل واحد منهم له بصمته وطريقته الخاصة، وأنا كنت محظوظًا جدًا بالتعامل معهم.

> وأخيرًا.. ماذا يعنى لك أن يقال: «مجدى بدر ممثل من طراز خاص»؟

>> هى مسئولية كبيرة فى المقام الأول، لأن الفنان يجب أن يظل حريصًا على ما يقدمه.

وهى أيضًا وسام جميل، خصوصًا إذا كان نتيجة حب الناس وتقديرهم. وفى النهاية، أهم شيء بالنسبة لى أن أستمر فى تقديم أدوار جيدة، وأن أترك أثرًا طيبًا عند الجمهور.

فالأثر الجميل عند الناس هو الوسام الحقيقى الذى أعتز به.

مقالات ذات صلة