في تاريخ السينما، كثيرًا ما تتقاطع الأفكار وتتشابه الرؤى، لكن هناك خيطًا رفيعًا يفصل بين "الاستلهام الذكي" و"الاقتباس الحرفي المشوه". يأتي الفيلم المصري "فاميلي بيزنيس" (2026)، من إخراج وائل إحسان وبطولة النجم محمد سعد وغادة عادل، ليضعنا أمام حالة صارخة من التطابق الفكري والقصصي مع الفيلم الكوري الجنوبي الشهير "طفيلي" (Parasite - 2019) للمخرج بونغ جون هو، الحائز على أربع جوائز أوسكار.
من يتابع الخط الدرامي لـ "فاميلي بيزنيس" سيتملكُه شعور جارف بالـ "ديجا فو". القصة تدور حول عائلة مصرية فقيرة (يقودها محمد سعد في دور دياب الهباش)، تعاني من ضيق ذات اليد وتقتات على السرقات البسيطة. عندما تُسد في وجوههم الأبواب، يبتكر الأب خطة جهنمية: تسلل أفراد الأسرة فردًا تلو الآخر للعمل لدى عائلة شديدة الثراء، مع إخفاء صلة قرابتهم وهوياتهم الحقيقية، والظاهر للعلن أنهم "مجموعة من المحترفين الغرباء.
البناء هو ذاته العمود الفقري لفيلم Parasite حيث عائلة "كيم" تعيش في قبو وتتسلل إلى قصر عائلة "بارك". التطابق لا يتوقف عند الفكرة العامة، بل يمتد إلى تصاعد الأحداث.
الابن الموهوب يجد ثغرة للظهور كمعلم والابنة تدعي المهارة الفنية لتصبح أخصائية سلوك وتعديل تدريسي للأطفال والأب يحل محل السائق بعد حيلة ذكية للتخلص من السائق القديم ولكن التطابق الفج يظهر في الفارق الكبير ف الفيلم الكوري، استخدم المخرج بونغ جون هو الجغرافيا (السلم الصاعد والهابط، البيوت تحت الأرض مقابل القصور المرتفعة) كرمزية بصرية تعكس الفجوة الطبقية السحيقة. أما في "فاميلي بيزنيس"، فقد تم اختزال هذا التناقض الصارخ إلى مجرد مواقف هزلية تهدف لاستجداء الضحك، والاعتماد على الأسلوب المعتاد للنجم محمد سعد في إطلاق الإيفيهات المعتمدة على المبالغة الحركية واللفظية، حيث عاني "فاميلي بيزنيس" من انفصام واضح في شخصيته الفنية. من ناحية، يطمح النص (الذي صاغته ورشة كتابة) إلى تقديم سينما مغايرة ومقتبسة من نص عالمي رفيع المستوى، ومن ناحية أخرى، يرفض الفيلم التخلي عن كليشيهات الكوميديا المصرية التجاريةـ فالعمل يعاني من أزمة هوية حادة؛ رغبة في محاكاة سينما الغرب والشرق المتطورة، وخوف من التخلي عن إيفيهات منتهية الصلاحية، محمد سعد، الذي يمتلك موهبة تمثيلية جبارة تظهر بوضوح عندما يبتعد عن النمطية (كما فعل سابقًا في فيلم الكنز)، يقع هنا مجددًا في فخ "إعادة تدوير الذات". بدلًا من قيادة عائلته في الفيلم بذكاء اجتماعي مظلم يتناسب مع خطورة الخدعة، نراه يرتد إلى شخصية الكوميديان الذي يعتمد على الحركات الجسدية المفرطة.
مما يُفقد الحكاية خطورتها وتشويقها. كيف لعائلة بهذا القدر من البلاهة والارتجال أن تخدع عائلة ثرية من المفترض أنها واعية؟ هنا تسقط الحبكة في فخ عدم الواقعية، وتصبح الخطة تسير "بالبركة" لا بالذكاء.
ينتهي Parasite بدرس قاضٍ يوضح أن الطفيلية لا تثمر إلا دمارًا للطرفين، تاركًا المشاهد في حالة صدمة وفزع وتأمل فلسفي. في المقابل، يصر "فاميلي بيزنيس" على مغازلة شباك التذاكر بنهاية تحاول تلميع الصورة وتخفيف وطأة السقوط الأخلاقي للعائلة عبر الكوميديا والمواقف الإنسانية الساخرة.
في المجمل، "فاميلي بيزنيس" ليس فيلمًا سيئًا بالكامل إذا ما تم التعامل معه كوجبة كوميدية خفيفة لموسم الأعياد، لكنه يظل سقطة في سجل الاقتباس السينمائي. لقد أخذ صناع العمل "الهيكل العظمي" لتحفة كورية جنوبية، لكنهم نزعوا منها روحها وفلسفتها، واستبدلوها بـ "خلطة تجارية مكررة" جعلت الفيلم يبدو كنسخة باهتة عاجزة عن ترك أثر حقيقي طويل الأمد. كان الأجدر بمحمد سعد والمخرج وائل إحسان تقديم دراما اجتماعية حقيقية ومكتوبة بخصوصية الشارع المصري، بدلًا من التطفل على "طفيلي" لا يشبه واقعنا في شيء سوى السطح.




