تقنية جريدة الجمهورية

حدث فى إيفيان

عندما تذكر إيفيان يتبادر إلى الذهن ذلك المنتجع الفرنسى الساحر المطل على ضفاف بحيرة جنيف، حيث المياه المعدنية الشهيرة والجبال الخضراء والهدوء الذى يبحث عنه الأثرياء والنبلاء ومشاهير العالم منذ أكثر من قرن، لكن الحقيقة أن إيفيان لم تعد مجرد مدينة للاستشفاء أو الاستمتاع بالطبيعة، بل تحولت مع مرور الزمن إلى محطة لصناعة التاريخ ومسرح […]

حدث فى إيفيان
12 مشاهدة

اقرأ من المصدر

جريدة الجمهورية

زيارة المصدر

عندما تذكر إيفيان يتبادر إلى الذهن ذلك المنتجع الفرنسى الساحر المطل على ضفاف بحيرة جنيف، حيث المياه المعدنية الشهيرة والجبال الخضراء والهدوء الذى يبحث عنه الأثرياء والنبلاء ومشاهير العالم منذ أكثر من قرن، لكن الحقيقة أن إيفيان لم تعد مجرد مدينة للاستشفاء أو الاستمتاع بالطبيعة، بل تحولت مع مرور الزمن إلى محطة لصناعة التاريخ ومسرح تجتمع فوقه السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا فى لحظات فارقة من عمر العالم.

>>>

وصلت إلى إيفيان قادماً من جنيف، وبين الطرق الجبلية الهادئة والفنادق الفاخرة والإجراءات الأمنية المكثفة، بدا واضحاً أن المدينة الصغيرة تستضيف حدثاً أكبر بكثير من مساحتها الجغرافية. هنا يجتمع قادة العالم وكبار صناع القرار، وهنا تُطرح الأسئلة الكبرى المتعلقة بمستقبل الاقتصاد العالمى والتجارة والتكنولوجيا والأمن الدولى.

>>>

كنت أتساءل طوال الطريق: من يحكم العالم اليوم؟ هل مازالت القوة العسكرية هى صاحبة الكلمة الأولى؟ أم أن القوة الاقتصادية أصبحت المتحكم الحقيقى فى حركة الدول؟ لكن ما رأيته فى إيفيان قادنى إلى استنتاج مختلف؛ فالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعى أصبحا اليوم اللاعب الأكبر والأكثر تأثيراً. لم تعد المعركة الأساسية تدور حول الدبابات والصواريخ فقط، ولا حول المصانع والأسواق فحسب، بل حول من يمتلك المعرفة والخوارزميات والقدرة على التحكم فى البيانات وصناعة المستقبل.

>>>

وسط هذا المشهد الدولى المعقد حضرت مصر بقوة. فقد وصل الرئيس عبد الفتاح السيسى للمشاركة فى أعمال القمة، فى تأكيد جديد على المكانة التى باتت تحتلها مصر فى المعادلات الدولية. وهذه ليست المرة الأولي، فقد شارك الرئيس من قبل فى قمة بياريتز ممثلاً للقارة الأفريقية، بينما يشارك اليوم ممثلاً لصوت الجنوب العالمى ومنطقة الشرق الأوسط فى لحظة دولية شديدة الحساسية.

>>>

نشاط رئاسى مكثف ولقاءات ثنائية وجماعية تعكس إدراك القوى الكبرى لأهمية الدور المصري، ليس فقط باعتبار مصر دولة محورية فى الشرق الأوسط، وإنما أيضا باعتبارها دولة تمتلك رؤية سياسية متوازنة ودبلوماسية نشطة وقدرة على التواصل مع مختلف الأطراف الدولية. إنها قوة الأفكار قبل قوة السلاح، وقوة التأثير قبل قوة الضجيج، وإن كانت كل هذه الأدوار تستند فى النهاية إلى حقيقة راسخة تتمثل فى وجود دولة قوية يحميها جيش وطنى قادر على صون الأمن والاستقرار.

>>>

فى المقابل كانت الصين هى الحاضر الغائب فى معظم النقاشات. الجميع يتحدث عنها حتى عندما لا تكون موجودة فى القاعة. الاقتصاد الصيني، التكنولوجيا الصينية، النفوذ الصيني، وسلاسل الإمداد المرتبطة ببكين، كلها ملفات حاضرة فى خلفية المشهد.

>>>

أما الرئيس الأمريكى فقد جاء إلى القمة مرتدياً ثياب المنتصر بعد التوصل إلى اتفاق مع إيران، وهو إنجاز يسعى إلى توظيفه سياسياً وإستراتيجياً. لكن ذلك لم يمنع استمرار الخلافات التقليدية مع الشركاء الأوروبيين، خاصة فرنسا. فالضرائب المفروضة على شركات التكنولوجيا الأمريكية ما زالت تمثل نقطة توتر رئيسية، كما أن التهديدات الأمريكية بفرض رسوم مرتفعة على الخمور الفرنسية تكشف أن الخلافات الاقتصادية عبر الأطلسى لم تختفِ، وإنما تغيرت أشكالها فقط.

>>>

هكذا تبدو إيفيان اليوم. مدينة صغيرة على ضفاف بحيرة هادئة، لكنها فى هذه الأيام تتحول إلى غرفة عمليات كبرى يناقش فيها العالم مستقبله. ومن بين كل ما شاهدته هناك، خرجت بقناعة واحدة: من يمتلك التكنولوجيا يمتلك مفاتيح النفوذ، ومن يمتلك الرؤية يمتلك القدرة على البقاء، أما الدول التى تجمع بين القوة والمعرفة والدبلوماسية، فهى وحدها القادرة على حجز مقعدها على طاولة المستقبل.

مقالات ذات صلة