اقتصاد جريدة الدستور

من أين يأتي المال؟.. تحقيق لـ"الدستور" يكشف شبكات التمويل السرية لجماعة الإخوان الإرهابية

من أين يأتي المال؟.. تحقيق لـ"الدستور" يكشف شبكات التمويل السرية لجماعة الإخوان الإرهابية
27 مشاهدة

اقرأ من المصدر

جريدة الدستور

زيارة المصدر

على مدار ما يقرب من قرن كامل، شكّل التمويل الأجنبى أحد أهم الأعمدة التى استندت إليها جماعة الإخوان الإرهابية فى بناء هياكلها التنظيمية وتوسيع نفوذها داخل مصر وخارجها، ولم يقتصر دور الموارد المالية على الإنفاق على الأنشطة الدعوية والتنظيمية، وإنما امتد إلى دعم الأذرع السرية للجماعة، التى ارتبط اسمها بعمليات العنف والاغتيالات السياسية، منذ تأسيس «الجهاز الخاص»، فى أربعينيات القرن الماضى، لاستهداف مؤسسات الدولة والشخصيات العامة. 

ومع اتساع نشاط الإخوان خارج حدود مصر، فى خمسينيات وستينيات القرن الماضى، تطورت منظومة التمويل لتتحول من دعم محدود إلى شبكة مالية عابرة للحدود، اعتمدت على شركات واستثمارات ومؤسسات وجمعيات ومراكز تعمل فى العديد من الدول، لتوفير موارد مالية للتنظيم الدولى، الناشط فى دعم الكيانات المتطرفة، وأذرعها الإعلامية والتخريبية حول العالم.

مصطفى أمين:بدأت بدعم رمزى من السفارات وانتهت بشبكة دولية معقدة

أوضح مصطفى أمين، الباحث فى شئون الجماعات الإرهابية، أن قضية التمويل الخارجى لجماعة الإخوان مرت بمراحل متعددة، إذ بدأت بدعم رمزى فى بدايات تأسيس الجماعة، ثم تطورت إلى شبكة مالية دولية معقدة، تخفى أموالها داخل مؤسسات قانونية فى أوروبا وأمريكا.

وأوضح «أمين» أن الجماعة منذ تأسيسها لم تتلقَ تمويلًا مباشرًا من أجهزة المخابرات الأجنبية، لكنها أقامت علاقات مع بعض السفارات والمؤسسات الأجنبية العاملة فى مصر، ما ساعدها على بناء قاعدة دعم لأفكارها، مشيرًا إلى واقعة حصول الجماعة على مبالغ مالية من رئيس وزراء سويسرا، فى إطار تطور علاقات حسن البنا، مؤسس الجماعة، مع السفارات الأجنبية فى مصر.

وأشار إلى أن مرحلة ما بعد محاولة اغتيال الرئيس جمال عبدالناصر فى عام ١٩٥٤، والتى أسفرت عن حل الجماعة رسميًا، شهدت هجرة عناصر التنظيم للخارج، وهناك أسسوا ما يعرف بـ«التنظيم الدولى»، الذى امتد إلى نحو ٤٠ دولة، بينها دول أوروبية.

وقال: «من خلال هذا التنظيم، أنشأت الجماعة شركات ومؤسسات تعليمية ومراكز إسلامية، مثل المركز الإسلامى فى ألمانيا، إضافة إلى شبكة استثمارات ضخمة تولاها القيادى الإخوانى يوسف ندا فى أوروبا، ما وفر موارد مالية كبيرة، دعمت أنشطة الجماعة داخل وخارج مصر».

وأكد «أمين» أن تأثير هذه الموارد ظهر بشكل أوضح بعد ثورة ٢٥ يناير، حين وصلت الجماعة إلى الحكم، إذ كانت تعتمد على أذرع خارجية تمولها مؤسسات مالية مرتبطة بدول مثل: تركيا وإيران وقطر وغيرها.

وأضاف: «لعبت تركيا دورًا محوريًا فى تهريب واستثمار أموال الجماعة عبر أجهزتها الأمنية، فيما دعم الحرس الثورى الإيرانى النظام الإخوانى خلال فترة حكم محمد مرسى، أما قطر فمولت مؤسسات إعلامية، مثل قناة الجزيرة ومراكز الدراسات التابعة لها، والتى ضمت عناصر إخوانية بارزة».

ونوه إلى أن الجماعة اعتمدت أيضًا على المراكز المدنية التابعة لها فى الخارج، مثل المؤسسات التعليمية والمساجد والجمعيات الحقوقية واتحادات الطلاب، والتى لعبت دورًا رئيسيًا فى جمع الأموال وتوجيهها لدعم أنشطة الجماعة، موضحًا أن هذه الشبكات منتشرة فى العديد من الدول الأوروبية والولايات المتحدة، وتقودها عناصر من التنظيم الدولى من جنسيات مختلفة.

كما نوه إلى أن الأجهزة الأمنية الأوروبية بدأت مؤخرًا فى إدراك مدى خطورة هذه التمويلات المشبوهة، بعدما ثبت أن بعض الأموال يتم تحويلها عبر هذه المؤسسات إلى جماعات مصنفة إرهابية، ومن بينها حركة «حماس» فى فلسطين، وغيرها من المجموعات المسلحة فى المنطقة العربية.

وأردف: «مؤخرًا بدأت المخابرات الألمانية على سبيل المثال التعامل مع هذه المؤسسات التى تضم شبكات مالية معقدة، يتم من خلالها تصدير الأموال لدعم أنشطة الإخوان فى تركيا والمنطقة، بينما شكلت بريطانيا لجنة «جونكينز» لتتبع مصادر أموال الجماعة».

واختتم حديثه بالقول: «العنوان الرئيسى لهذه القضية هو أن شبكة أموال الإخوان شبكة متشابكة ومعقدة، تعتمد على إخفاء التمويلات داخل مؤسسات قانونية، لكنها فى الواقع توجه لدعم جماعات متطرفة، ما دفع العديد من الحكومات وأجهزة المخابرات إلى اتخاذ إجراءات ضد هذه الأنشطة، خاصة بعد أن ثبت أن هذه الارتباطات لا تزال قائمة حتى اليوم».

أحمد سلطان: القيود الأوروبية لم توقف تدفق بعض التمويلات بهدف التمدد فى العالم

اعتبر أحمد سلطان، الباحث فى شئون الأمن الإقليمى، أن قضية التمويل الأجنبى لجماعة الإخوان تعد قضية معقدة وشائكة، إذ تختلط فيها الادعاءات بالحقائق، مشيرًا إلى أن تاريخ هذه التمويلات يعود إلى بدايات الجماعة نفسها.

وأوضح «سلطان» أن مؤسس الإخوان، حسن البنا، تلقى فى تلك الفترة مبلغ ٥٠٠ جنيه من رئيس شركة قناة السويس، حين كانت القناة ومصر كلها تقع تحت الاحتلال البريطانى، مشيرًا إلى أنه يعد مبلغًا كبيرًا بحسابات ذلك الزمن، الأمر الذى يثير تساؤلات حول سبب تقديم هذه الشركة تحديدًا هذا التمويل للجماعة دون غيرها.

وقال: «علاقة الإخوان بالقوى الغربية قديمة، وتوسعت بعد عام ١٩٥٤، بعد أن استقرت أجنحة الجماعة فى الغرب وأقامت علاقات مع حكومات غربية، وأنشأت منظمات مرتبطة بها فى أوروبا والأمريكيتين، وهذه المنظمات تلقت بالفعل تمويلات كبيرة من دول أوروبية وأمريكية، ووظفت هذه الأموال فى خدمة مشروع التمدد والانتشار داخل تلك الدول».

وتابع: «الفترة الأخيرة بدأت تشهد تدقيقًا فى أنشطة الإخوان، وأصبح هناك تشديد على التمويل القادم من الاتحاد الأوروبى أو من دول بعينها، خاصة بعد الإطاحة بالجماعة من الحكم وعزل الرئيس الأسبق محمد مرسى، لأن الدول العربية بدأت منذ ذلك الوقت فى التحذير من خطر الإخوان».

وأكد أن الجماعة توظف وجودها فى الغرب لخدمة مشاريع توسعية وانعزالية، وهدفها لا يقتصر على السيطرة فى الدول العربية، بل يمتد إلى العالم بأسره.

وأكمل: «التدقيق الأوروبى لم يمنع استمرار بعض التمويلات، إذ تبقى هناك أموال ممتدة تصل إلى الجماعة من دول ترى فيها أداة يمكن استخدامها لخدمة مصالحها الخاصة، وهذه التمويلات، رغم القيود، ما زالت قائمة وتُوظف فى خدمة مشروع الإخوان للانتشار والسيطرة».

سامح عيد:أهم الركائز لنشر فكر الجماعة وتمويل أنشطتها 

أكد سامح عيد، القيادى الإخوانى المنشق، أن التمويل كان ولا يزال إحدى أهم ركائز بقاء جماعة الإخوان، موضحًا أن الجماعة أدركت منذ سنواتها الأولى أن استمرار مشروعها يتطلب بناء شبكة مالية قوية، قادرة على تمويل أنشطتها التنظيمية وتحركاتها داخل مصر وخارجها. وأشار «عيد» إلى أن الجماعة لم تعتمد على الاشتراكات الداخلية فقط، وإنما سعت إلى تنويع مصادر التمويل، عبر رجال أعمال موالين لها، وشركات واستثمارات وجمعيات خيرية ومؤسسات تعمل تحت غطاء قانونى فى عدد من الدول، ما وفر لها موارد مالية ضخمة، استخدمت فى خدمة مشروع التنظيم الدولى. ولفت إلى أن جزءًا من هذه الأموال كان يوجه لدعم الهياكل التنظيمية السرية وتأمين تحركات العناصر التابعة للجماعة، فضلًا عن الإنفاق على الحملات الإعلامية والدعائية، وتوفير الدعم اللوجستى للعناصر الهاربة، مؤكدًا أن التنظيم كان ينظر إلى المال باعتباره وسيلة أساسية لتنفيذ مخططاته وتحقيق أهدافه السياسية والتنظيمية. وأكد «عيد» أن الضربات الأمنية التى تعرضت لها الجماعة خلال السنوات الماضية كشفت جانبًا كبيرًا من هذه الشبكات المالية، إلا أن التنظيم لا يزال يسعى إلى ابتكار وسائل جديدة لنقل الأموال وإعادة تدويرها عبر وسطاء ومؤسسات مختلفة، فى محاولة للحفاظ على مصادر تمويله واستمرار أنشطته.

مقالات ذات صلة