(تستضيف المنطقة العربية ربع نازحى العالم) تصريح تم نشره خلال هذا الأسبوع للدكتورة رانيا المشاط "وكيل الأمين العام للأمم المتحدة والأمين التنفيذى للإسكوا". وهو تصريح يسلط الضوء على أحد أخطر القضايا التى تواجه دولنا فى الوقت الراهن. يكشف هذا التصريح عن مشكلة حقيقية شديدة التعقيد، تتحمل فيه بعض الدول العربية أعباءًا مادية وإنسانية ضخمة نتيجة أزمات لم تكن فى معظم حالاتها طرفًا فى صناعتها. وفى نفس الوقت، أصبحت مطالبة بإدارة تبعياتها وتحمل تكلفتها.
أى حديث عن استضافة النازحين واللاجئين فى المنطقة العربية، سنجد إن مصر تحتل فيه موقعًا متقدم فى هذه المعادلة. وهي التي تبنت منذ سنوات طويلة، مسارًا يقوم على استضافة اللاجئين داخل المجتمع وليس فى خيم ومعسكرات معزولة فى الصحراء، كما منحتهم نفس فرص المصريين للاستفادة من الخدمات الأساسية مثل: التعليم والصحة والسكن والعمل والتنقل. وهو موقف إنسانى محترم يعكس الالتزام المصرى أخلاقيًا وإنسانيًا. وهو الدور الذى يتسق مع تاريخ مصر ومكانتها الإقليمية، وهو موقف يتبعه تحمل مصر لضغوط متزايدة رغم ما نواجه من تحديات اقتصادية معقدة ومتراكمة. وهو ما يجعلنا، نسأل أنفسنا: إلى متى تستطيع مصر.. الاستمرار فى تحمل هذه الأعباء وحدها؟!
يتعامل العالم مع قضية اللاجئين بمنطق مزدوج. نجد الدول الكبرى تتحدث باستفاضة عن حقوق الإنسان والمسؤولية الدولية المشتركة، ولكنها على أرض الواقع، تترك تحمل المسئولية لدول غيرها. والعجيب، أن غالبية الدول الكبرى تفرض قواعد صارمة على استقبال اللاجئين وتضع قيود قانونية وإجرائية وتنفيذية.. لا أنزل الله بها من سلطان. وعلى التوازى، تجد مصر نفسها فى مواجهة تلك التحديات بصورة مباشرة بدون أن تحصل على الدعم الكافى من المجتمع الدولى بما يتناسب مع حجم ما تتحمله من مسؤولية.
لا يمكن إنكار أن وجود أعداد كبيرة من اللاجئين يتسبب فى خلق آثارًا اقتصادية ملموسة وضغوط متزايدة على الخدمات العامة والبنية التحتية وعلى استنفاذ الموارد المحدودة للدولة. ومع عدم تجاهل، المنافسة فى بعض قطاعات سوق العمل والإسكان والخدمات التى قد تثير مخاوف لدى الكثير من المواطنين فى ظل تلك الظروف الاقتصادية الصعبة التى نعيشها جميعًا.
الخطأ ان نقوم بتحويل قضية اللاجئين إلى شماعة نعلق عليها كل المشكلات الاقتصادية. الأزمات الاقتصادية المصرية لها أسباب تاريخية معروفة، تتعلق بالإنتاج والاستثمار والتجارة العالمية والتحديات الإقليمية. وبناء عليه، لا يمكن لأحد تجاهل أن استضافة ملايين اللاجئين يفرض تكلفة حقيقية تستحق الاعتراف بها والتعامل معها بشفافية.
المشكلة ليست فى وجود اللاجئين، ولكن فى غياب العدالة الدولية فى تحمل المسؤولية لأنه حين تستضيف دولة نامية ملايين اللاجئين وتوفر لهم الخدمات الأساسية، يستوجب ذلك وجود دعم مالى ومساعدات تنموية، وليس بالاقتصار على مجرد الإشادة الدبلوماسية وبيانات الشكر فى المحافل الدولية لأنها لن تبنى مدارس جديدة، ولن تشيد شبكات الكهرباء والمياه، ولن توفر فرص العمل لاستيعاب الشباب فى سوق العمل.
ملف اللاجئين هو ملف أمن قومى لأن استمرار الصراعات فى الكثير من الدول العربية والإفريقية المجاورة، يعنى زيادة موجات النزوح للاجئين التى لن تتوقف قريبًا حسب المؤشرات المتوقعة. وبدون شك، فأن تزايد تأثيرات التغيرات المناخية والأزمات الاقتصادية العالمية، سوف يؤدى إلى وجود أشكالًا جديدة من الهجرة والنزوح التى تتجاوز الأسباب التقليدية المرتبطة بالحروب والصراعات.
أرى أن التعامل مع ملف اللاجئين لم يعد شأنًا إنسانيًا فحسب، بل أصبح جزءًا من استراتيجيات الدولة المصرية فى الأمن والتنمية وإدارة الموارد. وقد أحسنت الدكتورة رانيا المشاط عندما ربطت التنمية بالإنسان لأن التنمية فى جوهرها الحقيقى، لا تقاس فقط بمعدلات النمو أو بحجم الاستثمارات، ولكن بقدرة الدولة على الحفاظ على تماسكها الاجتماعى وتحقيق التوازن بين واجباتها الإنسانية وحقوق المواطنين فى حياة كريمة. وهو ما يمثل التحدى الأصعب الذى تواجهه مصر.
نقطة ومن أول الصبر..
هل سيستمر العالم فى مطالبة مصر وبعض الدول العربية فى تحمل هذه المسؤولية بشكل منفرد؟ أم أن الوقت قد حان لنظام عالمى أكثر عدالة لتوزيع الأعباء والالتزامات مثلما يوزع الشعارات والإشادات؟
قدمت مصر نموذجًا إنسانيًا يستحق التقدير والاحترام، غير أن استمرار هذا النموذج يحتاج إلى شراكة دولية حقيقية لأن الكرم السياسى والتعاطف الإنسانى مهما كان كبيرًا لا يمكن أن يحل محل العدالة الدولية الغائبة.



