أكد الدكتور وليد فاروق، مدير مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية، أن النصف الأول من عام 2026 شهد واحدة من أقوى موجات التصحيح التي تعرض لها الذهب محليًا وعالميًا، بعدما فقد المعدن الأصفر جميع المكاسب التي سجلها منذ بداية العام، نتيجة قوة الدولار الأمريكي وارتفاع العوائد على سندات الخزانة الأمريكية، مع تصاعد توقعات استمرار السياسة النقدية المتشددة من جانب مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
الذهب يترقب قرارات الفيدرالي والدولار يواصل الضغط على الأسواق
وأوضح الدكتور وليد، في تصريحات لـ"الدستور"، أن السوق المصرية لم تشهد فقط تراجعًا في الأسعار، وإنما شهدت أيضًا تغيرًا واضحًا في سلوك المستهلكين والمستثمرين، بعدما دفعت موجة الهبوط الحادة عددًا من المواطنين الذين اشتروا الذهب عند المستويات القياسية إلى التفكير في بيع جزء من مدخراتهم خوفًا من استمرار انخفاض الأسعار.
الفترات الحالية التصحيح الحاد
وأضاف أن هذه الحالة تعد طبيعية خلال فترات التصحيح الحاد، إلا أن التجارب السابقة تؤكد أن الذهب يتحرك في دورات متعاقبة من الصعود والهبوط، وأن قرارات البيع أثناء فترات التراجع قد تحرم المستثمر من الاستفادة من موجات التعافي اللاحقة.
وأشار إلى أن الذهب أثبت خلال العقود الماضية أنه من أهم أدوات الحفاظ على القوة الشرائية وليس وسيلة لتحقيق أرباح سريعة، ولذلك فإن المستثمر الذي لا يحتاج إلى سيولة عاجلة يكون الاحتفاظ بالذهب بالنسبة له الخيار الأكثر توازنًا حتى تتحسن الأسعار مع عودة الأسواق إلى دورة الصعود.
وأكد أن أفضل استراتيجية للراغبين في الاستثمار خلال الفترة الحالية تعتمد على تقسيم السيولة والشراء على مراحل، وعدم التركيز على الوصول إلى أقل سعر، مع الاحتفاظ بالاستثمار لمدة لا تقل عن عام أو عامين باعتباره استثمارًا طويل الأجل.
وأوضح أن انخفاض الأسعار أدى إلى إعادة توزيع الطلب داخل السوق، حيث استعادت المشغولات الذهبية جزءًا من نشاطها بعد تراجع الأسعار، بينما حافظت السبائك الصغيرة على مستويات طلب مرتفعة تجاوزت حجم المعروض، وهو ما دفع بعض الشركات إلى العودة لنظام الحجز وتأجيل التسليم لفترات تتراوح بين أربعة وسبعة أيام، بما يعكس استمرار قوة الطلب الاستثماري رغم موجة التصحيح.
وأضاف أن هذه المؤشرات تؤكد أن المستثمر المصري لم يفقد ثقته في الذهب، لكنه أصبح أكثر حرصًا في قرارات الشراء وأكثر اهتمامًا بإدارة السيولة مقارنة بفترات الارتفاعات القياسية.
الذهب عالميًا مدفوع بالمخاوف الجيوسياسية
وعلى المستوى العالمي، أوضح أن الذهب بدأ عام 2026 بموجة صعود قوية مدفوعة بالمخاوف الجيوسياسية وتوقعات خفض أسعار الفائدة الأمريكية، ليسجل في التاسع والعشرين من يناير أعلى مستوى في تاريخه عند نحو 5626 دولارًا للأوقية، قبل أن تتغير الصورة تمامًا مع تحول توقعات الأسواق نحو استمرار التشدد النقدي وصعود الدولار وارتفاع العوائد الحقيقية على السندات.
وأشار إلى أن هذه العوامل دفعت الذهب خلال شهر يونيو إلى الهبوط دون مستوى 4000 دولار للأوقية للمرة الأولى منذ نوفمبر 2025، ليفقد أكثر من 1500 دولار من أعلى مستوياته التاريخية ويتخلى عن جميع مكاسبه السنوية.
وأضاف أن السوق المحلية تأثرت بنفس الوتيرة، حيث انخفض سعر جرام الذهب عيار 21 من أعلى مستوى تاريخي عند نحو 7600 جنيه في مارس إلى نحو 5600 جنيه بنهاية يونيو، ليفقد قرابة 2000 جنيه خلال أقل من أربعة أشهر، وأكثر من 1100 جنيه خلال شهر يونيو فقط.
مرصد الذهب يكشف أسباب التراجع وتوقعات النصف الثاني
وأكد أن السبب الرئيسي وراء هذا التراجع لا يرتبط بانخفاض الطلب على الذهب، وإنما بتغير نظرة المستثمرين إلى السياسة النقدية الأمريكية، حيث كانت الأسواق في بداية العام تتوقع عدة تخفيضات لأسعار الفائدة، بينما أصبحت مع نهاية يونيو تتوقع احتمالات رفع جديد للفائدة قبل نهاية العام، وهو ما عزز الطلب على الدولار والسندات الأمريكية على حساب الذهب.
وأوضح أن استمرار قوة الاقتصاد الأمريكي وارتفاع معدلات التضخم فوق المستويات المستهدفة دعما الدولار ليحقق أفضل أداء بين العملات الرئيسية خلال النصف الأول من العام، الأمر الذي فرض ضغوطًا مباشرة على الذهب والمعادن النفيسة.
وأشار إلى أن التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط لم تنجح في دعم أسعار الذهب بالشكل المتوقع، لأن ارتفاع أسعار النفط أعاد مخاوف التضخم إلى الأسواق، وهو ما عزز الاعتقاد باستمرار تشدد السياسة النقدية الأمريكية، لتصبح أسعار الفائدة وقوة الدولار العامل الأكثر تأثيرًا في حركة الذهب خلال الفترة الماضية.
وأكد مرصد الذهب أن أداء المعدن الأصفر خلال النصف الثاني من عام 2026 سيظل مرتبطًا بثلاثة عوامل رئيسية، تتمثل في قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، واتجاه الدولار الأمريكي، واستمرار مشتريات البنوك المركزية من الذهب.
وأوضح أن تباطؤ الاقتصاد الأمريكي أو تراجع التضخم بما يسمح بخفض أسعار الفائدة قد يمنح الذهب فرصة لاستعادة جزء من خسائره تدريجيًا، أما في حال استمرار الفائدة المرتفعة وصعود الدولار فمن المتوقع أن تستمر الضغوط على أسعار الذهب مع بقاء الأسواق في حالة من التقلب.
ورغم موجة التصحيح الحالية، لا تزال المؤسسات الدولية تتوقع تحسن أسعار الذهب على المدى المتوسط، حيث تشير تقديرات عدد من البنوك الاستثمارية إلى إمكانية عودة الأوقية للتداول بين 4750 دولارًا و5500 دولار قبل نهاية العام، بينما ترى بعض المؤسسات أن مستوى 6000 دولار يظل هدفًا قائمًا إذا بدأ الفيدرالي دورة خفض أسعار الفائدة وعادت التدفقات الاستثمارية إلى المعدن الأصفر.
أكد الدكتور وليد فاروق أن أهم دروس النصف الأول من عام 2026 يتمثل في أن الذهب لا يتحرك في اتجاه واحد، وأن فترات التصحيح لا تعني نهاية الاتجاه الصاعد، مشيرًا إلى أن المستثمرين الأكثر نجاحًا هم الذين يعتمدون على الشراء المتدرج والاحتفاظ بالذهب لفترات طويلة بعيدًا عن القرارات المرتبطة بالتقلبات اليومية، مؤكدًا أن معركة النصف الأول حسمها الدولار بينما سيحدد مجلس الاحتياطي الفيدرالي اتجاه الذهب خلال النصف الثاني من العام.
أبرز الأرقام في النصف الأول من 2026
أعلى سعر عالمي للأوقية في 29 يناير
5626 دولار
سعر الأوقية خلال يونيو
أقل 4000 دولار
حجم التراجع من القمة التاريخية
أكثر من 1500 دولار
أعلى سعر لعيار 21 في مارس
سعر عيار 21 بنهاية يونيو
نحو 5600 جنيه
إجمالي خسائر عيار 21
نحو 2000 جنيه
خسائر عيار 21 خلال يونيو
أكثر من 1100 جنيه
فترة تأجيل تسليم السبائك
من 4 إلى 7 أيام
النطاق المتوقع لسعر الأوقية بنهاية 2026
من 4750 إلى 5500 دولار
السيناريو المتفائل لبعض المؤسسات
6000 دولار للأوقية



