سياسة جريدة الدستور

بين "أهداف" واشنطن في طهران.. الخليج في "مرمى" الحسابات

عادت منطقة الخليج إلى واجهة التوترات الإقليمية والدولية مع تجدد الهجمات الإيرانية التي طالت الكويت والبحرين، في تطور يعكس حجم الاحتقان المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران، ويعيد طرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل الأمن الإقليمي وإمكانية احتواء المواجهة قبل انزلاقها إلى صراع أوسع. وبينما تتبادل واشنطن

بين "أهداف" واشنطن في طهران.. الخليج في "مرمى" الحسابات
15 مشاهدة

اقرأ من المصدر

جريدة الدستور

زيارة المصدر

عادت منطقة الخليج إلى واجهة التوترات الإقليمية والدولية مع تجدد الهجمات الإيرانية التى طالت الكويت والبحرين، فى تطور يعكس حجم الاحتقان المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران، ويعيد طرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل الأمن الإقليمى وإمكانية احتواء المواجهة قبل انزلاقها إلى صراع أوسع.

وبينما تتبادل واشنطن وطهران الرسائل العسكرية والسياسية، تجد دول الخليج نفسها مجددًا فى قلب الأزمة، رغم أنها ليست طرفًا مباشرًا فيها.

على امتداد العقود الماضية، كانت دول الخليج الأكثر تأثرًا بأى تصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، بحكم موقعها الاستراتيجى وارتباطها بشبكة معقدة من المصالح الأمنية والاقتصادية والعسكرية.

وفى هذا السياق، شكل إعلان الحرس الثورى الإيرانى مسئوليته عن الهجمات التى استهدفت الكويت والبحرين محطة جديدة فى مسار الأزمة، بعدما بررت طهران تلك الضربات بأنها جاءت ردًا على هجمات أمريكية استهدفت ناقلة نفط إيرانية ومنشآت فى جزيرة قشم عند المدخل الاستراتيجى لمضيق هرمز.

وتشير هذه التطورات إلى أن المواجهة تجاوزت مرحلة الرسائل السياسية والعمليات غير المباشرة، لتصل إلى مستوى يمس أمن دول الخليج بشكل مباشر، الأمر الذى يرفع منسوب القلق بشأن مستقبل الاستقرار فى المنطقة واحتمالات اتساع دائرة الصراع.

ومن الناحية الاستراتيجية، يصعب فصل ما تتعرض له دول الخليج عن طبيعة الصراع الأمريكى الإيرانى نفسه. إيران تنظر إلى القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة فى المنطقة باعتبارها جزءًا من البنية العملياتية لأى تحرك عسكرى محتمل ضدها، بينما تؤكد الدول الخليجية أن وجود هذه القواعد يأتى فى إطار ترتيبات دفاعية وسيادية تهدف إلى حماية أمنها الوطنى.

إلا أن تصاعد المواجهة العسكرية يجعل هذه الدول عرضة لتداعيات الصراع، وهو ما يدفع كثيرين إلى اعتبار الولايات المتحدة مسئولة عن جانب كبير من التوتر الحالى، باعتبارها الطرف الذى بادر بالتصعيد العسكرى.

حين تتخذ واشنطن قرارًا بالمواجهة فى منطقة شديدة الحساسية كمنطقة الخليج، فإنها تدرك أن انعكاسات هذا القرار لن تقتصر على طرفى النزاع، بل ستمتد إلى حلفائها وشركائها الذين قد يجدون أنفسهم فى دائرة الاستهداف دون أن يكونوا جزءًا من قرار الحرب.

وفى المقابل، تسعى إيران من خلال هذه الهجمات إلى توجيه رسالة مفادها أن استهداف مصالحها لن يمر دون رد، وأن كلفة التصعيد لن تبقى داخل حدودها. كما تحاول رفع كلفة أى تحرك عسكرى أمريكى مستقبلى وتوسيع دائرة الضغط السياسى والأمنى بما يعزز موقعها فى أى مفاوضات محتملة مع واشنطن.

وتأتى هذه التطورات فى وقت تصر فيه طهران على أن تحركاتها العسكرية تمثل ردًا مباشرًا على هجمات أمريكية استهدفت مصالحها داخل الخليج.

قد أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية تعرض ناقلة نفط إيرانية ومنشآت فى جزيرة قشم لهجمات أمريكية، بينما أكد وزير الخارجية عباس عراقجى أن القوات الإيرانية تشن «هجمات دفاعية» ضد مواقع تستخدمها الولايات المتحدة فى تنفيذ عملياتها ضد إيران.

وبهذه الرسائل، تسعى طهران إلى ترسيخ روايتها القائمة على أن التصعيد الحالى ليس سوى رد على خطوات أمريكية سابقة، فى محاولة لتبرير عملياتها العسكرية وإظهارها باعتبارها جزءًا من معادلة الردع وليس بداية لمواجهة جديدة.

وفى سياق متصل يتسم بتعدد الروايات وتباين المواقف، أعلن الحرس الثورى الإيرانى أن نتائج التحقيقات التى أجراها تؤكد أن قواته لم تنفذ أى هجمات صاروخية استهدفت صالة الركاب فى مطار الكويت، فى نفى مباشر لما تم تداوله من اتهامات بشأن طبيعة الأهداف التى طالتها التطورات الأخيرة.

وعلى الجانب الآخر، أفادت القيادة المركزية الأمريكية بأن مزاعم إيران بعدم استهداف مبنى الركاب فى مطار الكويت الدولى «باطلة»، فى تصعيد جديد لحالة السجال السياسى والإعلامى بين الجانبين، ويعكس استمرار تضارب الروايات حول طبيعة ونتائج الاستهدافات التى شهدتها المنطقة خلال الفترة الأخيرة.

ويعكس هذا التباين الحاد فى التصريحات استمرار حالة التشابك بين التصعيد الميدانى والحرب الإعلامية المصاحبة له، حيث تسعى كل جهة إلى تثبيت روايتها للأحداث وتكريس سرديتها فى ظل مشهد إقليمى بالغ الحساسية والتعقيد.

وفى مواجهة هذا الواقع المتوتر، تبدو دول الخليج أمام تحد معقد يتمثل فى حماية أمنها الوطنى ومنع تحول أراضيها إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية. ومن المرجح أن تتحرك العواصم الخليجية عبر مسارين متوازيين، أمنى يقوم على تعزيز القدرات الدفاعية وتكثيف التنسيق العسكرى، ودبلوماسى يهدف إلى احتواء التصعيد والحيلولة دون انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة.

وفى سياق أوسع، يندرج هذا التصعيد ضمن ما يعرف بسياسة «الضغط المتدرج» التى اعتمدتها إيران فى محطات سابقة، والقائمة على رفع كلفة الضغوط المفروضة عليها وتحسين شروطها التفاوضية دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة. غير أن هذه المقاربة تبقى عالية المخاطر، إذ إن أى خطأ فى الحسابات أو توسع غير محسوب فى دائرة الاستهداف قد يدفع المنطقة نحو مواجهة أوسع يصعب احتواؤها.

وفى الوقت نفسه، تظل مواقف الرئيس الأمريكى دونالد ترامب عاملًا إضافيًا فى تعقيد المشهد، إذ تجمع بين خطاب متشدد يدعو إلى ردع إيران، وإشارات متكررة إلى إمكانية فتح مسار تفاوضى جديد. هذه الازدواجية تزيد من ضبابية المشهد الإقليمى، وتفتح الباب أمام سيناريوهات متناقضة بين التهدئة عبر التفاوض أو مزيد من التصعيد.

وتكشف الهجمات الأخيرة على الكويت والبحرين أن الخليج لا يزال يشكل الساحة الأكثر هشاشة فى معادلة الصراع الأمريكى الإيرانى، حيث تتقاطع حسابات الردع العسكرى مع الرسائل السياسية، بينما تجد دول المنطقة نفسها فى موقع بالغ الحساسية بين طرفى المواجهة.

وفى ضوء هذا التصعيد المتسارع، يبقى مستقبل المنطقة معلقًا بين خيارين، إما نجاح الجهود الدبلوماسية فى احتواء الأزمة وإعادة الأطراف إلى مسار التفاوض بما يخفف منسوب التوتر ويعيد ضبط قواعد الاشتباك، أو الانزلاق نحو مرحلة أكثر خطورة من المواجهة المفتوحة التى قد تعيد تشكيل موازين القوى فى الشرق الأوسط وتدفع المنطقة نحو حالة من عدم الاستقرار الممتد.

مقالات ذات صلة