عام جريدة الدستور

رجال حول الإمام «3»: الشيخ محمد أبوزهرة.. رجل داخل الأزهر وليس على هامشه

هذه السلسلة لا تبحث فقط عن الرجال الذين جلسوا في مكاتب شيوخ الأزهر، وإنما عن أولئك الذين كان لهم أثر في قوة المؤسسة ومواقفها، كلٌّ من موقعه، وفي هذه الحلقة نقترب من رجل لم يكن مديرًا لمكتب الإمام، ولم يكن من رجال الديوان المحيطين بشيخ الأزهر، لكنه كان أقرب إلى قلب المؤسسة من كثيرين ممن شغلوا المناصب...

رجال حول الإمام «3»: الشيخ محمد أبوزهرة.. رجل داخل الأزهر وليس على هامشه
16 مشاهدة

اقرأ من المصدر

جريدة الدستور

زيارة المصدر
  1. جريدة الدستور /
  2. مقالات /

د. باسم عادل

مشاركة الخبر

هذه السلسلة لا تبحث فقط عن الرجال الذين جلسوا في مكاتب شيوخ الأزهر، وإنما عن أولئك الذين كان لهم أثر في قوة المؤسسة ومواقفها، كلٌّ من موقعه، وفي هذه الحلقة نقترب من رجل لم يكن مديرًا لمكتب الإمام، ولم يكن من رجال الديوان المحيطين بشيخ الأزهر، لكنه كان أقرب إلى قلب المؤسسة من كثيرين ممن شغلوا المناصب؛ عالمًا حاضرًا في مجمع البحوث الإسلامية، وعضوًا في مجلس جامعة الأزهر، وصاحب رأي في قضايا الشريعة والتشريع، وصوتًا لا يسهل دفعه إلى الصمت. إنه الشيخ محمد أبو زهرة؛ الفقيه الذي كان داخل الأزهر لا على هامشه.
ولد محمد أحمد مصطفى أبو زهرة سنة 1898م، في المحلة الكبرى التابعة لمحافظة الغربية بمصر، فدفعت به أسرته إلى أحد الكتاتيب التي كانت منتشرةً في أنحاء مصر تُعلِّم الأطفال وتُحفِّظهم القرآن، وقد حفظه الطفل النابه، وأجاد تعلُّم مبادئ القراءة والكتابة، ثم انتقل إلى الجامع الأحمدي بمدينة طنطا، وكان إحدى منارات العلم في مصر في ذلك الوقت، تمتلئ ساحاته بحلقات العلم التي يتصدَّرها فحول العلماء، وكان يُطلق عليه الأزهر الثاني لمكانته الرفيعة.
وبدأ تعليمه في بيئة علمية، حيث انتقل بعد ثلاث سنوات من الدراسة بالجامع الأحمدي إلى مدرسة القضاء الشرعي سنة 1916م، بعد اجتيازه اختبارًا دقيقًا كان هو أوَّل المتقدِّمين فيه على الرغم من صغر سنه عنه أقرانه، وتخرج فيها سنة 1925م، حاصلًا على عالمية القضاء الشرعي، ثم اتَّجه إلى دار العلوم ليَنال معادلتها سنة 1927م، فاجتمع له تخصُّصان قويَّان لا بُدَّ منهما لمن يريدُ التمكُّن من علوم الإسلام، ومنذ بداياته لم يكن الرجل مجرد طالب علم يحفظ ما سبقه، وإنما كان يمتلك شخصية علمية جدلية، وقدرة استثنائية على المناقشة والتعبير والحُجة، وهي الصفات التي جعلته بعد سنوات واحدًا من أكثر علماء الشريعة حضورًا وتأثيرًا في مصر والعالم الإسلامي.
بعد تخرُّجه عمل في ميدان التعليم ودَرَّس اللغة العربية في المدارس الثانويَّة، ثم اختير سنة 1933م، للتدريس في كلية أصول الدين، وكلف بتدريس مادَّة الخطابة والجدل، فألقى بعا محاضرات ممتازة في أصول الخطابة، وتحدَّث عن الخطباء في الجاهلية والإسلام، ثم كتب مؤلفًا عُدَّ الأول من نوعه في اللغة العربية، حيث لم تفرد الخطابة قبله بكتابٍ مستقل، وهو كتاب (الخطابة: أصولها وتاريخا في أزهى عصورها عند العرب) وهو مرجع علمي وأدبي هام صدر قي طبعته الأولى عام 1934م.
ولمَّا ذاع فضل المدرس الشاب وبراعته في مادَّته اختارته كلية الحقوق المصرية لتدريس مادة الخطابة بها، في وقت تتلمذ فيه وتزامل مع أساتذة وجهابذة القانون أمثال حشمت أبو ستيت ومحمد أحمد فرج السنهوري وغيرهم، وبعد مدَّةٍ وجيزة عهدت إليه الكلية بتدريس مادَّة الشريعة الإسلامية، فزامل في قسم الشريعة عددًا من أساطين العلماء؛ مثل: أحمد إبراهيم، وأحمد أبو الفتح، وعلى قراعة، وكان وجود مثل هؤلاء معه يزيد الشيخ أبو زهرة دأبًا وجدَّة في الدرس والبحث؛ حتى يرتقي إلى صفوفهم ومكانتهم الرفيعة.
وبهذا أصبح الشيخ محمد أبو زهرة جامعا بذلك بين التعلم في المعاهد العلمية الثلاثة (الأزهر ودار العلوم والقضاء الشرعي)، ومتأهلا بشهادتي اثنتين من المدارس العليا. ثم أتاحت له عبقريته أن يمارس الأستاذية في عدد من الكليات التي لم يتخرج فيها وهي على التوالي كليات: أصول الدين، والحقوق، والإدارة والمعاملات، والخدمة الاجتماعية.
وذكر الدكتور علي جمعة مفتي مصر الأسبق خلال لقاءه مع الإعلامي عمرو خليل ببرنامج "مصر أرض المجددين" أن الشيخ أبو زهرة عندما تخرج من القضاء الشرعي، وارتدى الزي المدني وهو البدلة، ودخل الأزهر يُدرس فيه بالبدلة، وبعدما فُتح قسم أصول الشريعة في كلية الحقوق، بجامعة القاهرة، فتعمد الشيخ أبو زهرة أن يرتدي الزي الأزهر.
وتدرَّج الشيخ محمد أبو زهرة في كلية الحقوق التي شهدت أخصب حياته الفكرية حتى ترأَّس قسم الشريعة، وشغل منصب الوكالة فيها، وأُحيل إلى التقاعد سنة 1958م، وبعد صدور قانون تطوير الأزهر اختير الشيخ أبو زهرة عضوًا في مجمع البحوث الإسلامية سنة 1962م، وهو المجمع الذي أُنشِئ وفتها ليكون بديلًا عن هيئة كبار العلماء، وإلى جانب هذا كان الشيخ من مؤسِّسي معهد الدراسات الإسلامية بالقاهرة، وكان يُلقي فيه محاضراته في الشريعة الإسلامية دون أجرٍ، وكان هذا المعهد قد أُنشِئ لمن فاتَتْه الدراسة في الكليَّات التي تُعنَى بالدراسات العربية والشرعية، فالتحق به عددٌ كبير من خرِّيجي الجامعات الراغبين في مثل هذه الدراسات.
ثم تبدأ قصة أخرى في علاقته بالأزهر...
فبعد قانون تطوير الأزهر، كان أبو زهرة عضوًا في مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر الشريف، وكان من أصحاب الأدوار العلمية البارزة فيه، فكان مقررًا للجنة بحوث القرآن، ولجنة المتابعة، ولجنة السنة المطهرة، وشارك في لجان تقنين الشريعة، ومنها لجان تقنين المذهبين الحنفي والشافعي. كما كان عضوًا في مجلس جامعة الأزهر، والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وشارك في عدد من المجالس والهيئات العلمية والثقافية.
وهذه النقطة هي التي تجعل وجود محمد أبو زهرة في هذه السلسلة ذا معنى خاص، فهو لم يكن رجلًا «حول الإمام» بالمعنى المكاني، ولم يكن جالسًا في مكتب شيخ الأزهر يتابع البريد والقرارات اليومية، لكنه كان «حول الإمام» بالمعنى الأعمق في المؤسسة التي يرأسها شيخ الأزهر، وفي المجالس التي يناقش فيها كبار العلماء قضايا الأمة، وفي اللجان التي تبحث الشريعة وتدرس النصوص وتناقش القضايا التي يمكن أن تتحول إلى مواقف أزهرية عامة.
كان قريبًا من صناعة الرأي، وإن لم يكن قريبًا من مكتب صناعة القرار، وكانت معركته الأساسية أن يظل العلم علمًا، وألا يتحول العالم إلى تابع لرغبة صاحب السلطة.
ولعل أقوى ما يكشف ذلك هو ما حدث في ليبيا سنة 1972م، فقد دُعي أبو زهرة إلى ندوة للتشريع الإسلامي في ليبيا، ضمن مجموعة من كبار علماء العالم الإسلامي، في إطار لجنة أُنشئت للعمل على تنقية القوانين الليبية من الأحكام التي تخالف الشريعة الإسلامية، تمهيدًا للبحث لاحقًا في تشريعات إسلامية معاصرة، وكانت الندوة جزءًا من هذا المشروع التشريعي، وأن الدعوة وجهت إلى علماء من مصر وسوريا ولبنان والعراق وغيرها.
لكن المشهد أخذ منحى آخر، فقد افتتح الرئيس الليبي – وقتها – معمر القذافي المؤتمر بخطاب تحدث فيه عن «اشتراكية الإسلام»، ودعا العلماء إلى تأييد ما يراه في هذا الشأن. وتذكر الرواية التي نقلها الدكتور محمد رجب البيومي أن العلماء ظلوا في حالة من التردد، ثم طلب أبو زهرة الكلمة. 
وهنا ظهر أبو زهرة الذي نبحث عنه في هذا المقال، ولم يتعامل مع رئيس الدولة باعتباره صاحب سلطة ينبغي أن يوافقه العلماء، وإنما تعامل معه باعتباره صاحب دعوة دعا العلماء ليسمع رأيهم، وقال الشيخ أبو زهرة في جوهر موقفه إن العلماء جاءوا ليقولوا حكم الإسلام كما يعرفونه، وإن على الحكام أن يتركوا العلم لأهله، وأن دعوة العلماء لا تعني مطالبتهم بإعلان رأي لا يرونه صوابًا لمجرد أن رئيس الدولة قاله.
ثم ختم موقفه بعبارة شديدة الدلالة: «فلنتق الله في شرع الله».
لم تكن هذه مجرد مشادة في مؤتمر، بل كانت لحظة اختبار حقيقية لمعنى استقلال العالِم، فأبو زهرة لم يقل للقذافي.. أنت رئيس دولة وأنا رئيس مؤسسة، ولم يقل له.. أنت سياسي وأنا من علماء الدين، بل قال له، في المعنى الذي حملته كلمته: أنت لك مجال السياسة، ونحن لنا مجال العلم، ولا تتحول دعوة العلماء إلى طلب للموافقة على رأي الحاكم، وتذكر الروايات أن أغلب العلماء أيدوا موقف أبي زهرة، وأن القذافي لم يجد الموقف الذي كان ينتظره، وانتهى المؤتمر عمليًا بعد جلسته الأولى.
وهنا تظهر قيمة الرجل، فالرجل الذي كان عضوًا في مجمع البحوث الإسلامية، وعضوًا في مجلس جامعة الأزهر، ولم يستخدم موقعه ليتحدث من وراء ستار المؤسسة، وإن كان محسوبا على المؤسستين التابعتين للأزهر الشريف، وإنما حمل اسم رسالة ودور الأزهر الحقيقي إلى خارج مصر، ووقف به أمام رئيس دولة، وقال إن الشرع ليس مادة سياسية يمكن أن تصاغ نتيجتها مسبقًا ثم يطلب من العلماء تزكيتها.
وكان يرى أن الشريعة لا يجوز أن تصبح تابعًا للسياسة، كما كان يرى أن الشورى ليست مجرد شعار، وإنما أصل من أصول الحكم الإسلامي، وأن اختيار الحاكم ينبغي أن يقوم على الاختيار الحر والعادل، وقد عُرف عنه دفاعه عن الشورى وحرية الإنسان ومقاومة ما يراه انحرافًا عن أصول الشريعة.
لكن معركة أبي زهرة الأكبر كانت في مكان آخر، معركة تقنين الفقه الإسلامي، فالرجل لم يكن من الفقهاء الذين يرون التراث مجرد مادة للتدريس في الكتب، وإنما تعامل معه باعتباره ثروة تشريعية يمكن دراستها وتحقيقها وإعادة تقديمها في صورة تصلح للحياة المعاصرة، ومن هنا جاءت مشاركته في لجان تقنين الشريعة، ولا سيما في المذهبين الحنفي والشافعي.
والتقنين هنا ليس مسألة إدارية بسيطة، فهو يعني الانتقال من آلاف الصفحات المتناثرة في كتب الفقه إلى أحكام وقواعد واضحة يمكن للقاضي والمشرع أن يتعامل معها، مع المحافظة على أصول الشريعة ومناهج الاستنباط.
ولهذا كان أبو زهرة من الفقهاء الذين أجازوا تقنين الأحكام الشرعية، في مقابل تيار آخر من العلماء كان يتحفظ على التقنين، وتذكر مصادر فقهية أن أبا زهرة كان ضمن كبار الفقهاء المعاصرين الذين رأوا جواز تقنين أحكام الأحوال الشخصية وإلزام القضاء بها باعتبارها من تنظيم ولي الأمر.
ومن هنا نفهم كتاباته في الأحوال الشخصية، والأسرة، والملكية، والوقف، والوصية، والتركات، والعقود وغيرها، فلم يكن يريد للفقه أن يبقى حبيس الرفوف، كان يريد أن يدخل إلى الحياة، وفي الوقت نفسه لم يكن مستعدًا للتفريط في التراث من أجل إرضاء العصر.
وهذه واحدة من أكثر النقاط أهمية في شخصية أبي زهرة الذي كان مجددًا من داخل التراث، لا مجددًا بالانقلاب عليه، فهو لم يرَ أن التقدم يقتضي التخلص من المذاهب والفقهاء السابقين، وإنما رأى أن العودة إلى أصول الفقه ومناهج أئمة الإسلام هي الطريق إلى اجتهاد معاصر أكثر صلابة، ولهذا أفنى جانبًا كبيرًا من حياته في الدفاع عن التراث الفقهي، وإعادة تقديم أعلامه.
فقد كتب عن الإمام أبي حنيفة، والإمام مالك، والإمام الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل، والإمام زيد بن علي، والإمام جعفر الصادق، وابن حزم، وابن تيمية، فقدم دراسات واسعة عن حياتهم ومناهجهم وآرائهم الفقهية، ولم تكن هذه الكتب مجرد تراجم، وإنما كانت محاولة لإعادة قراءة تاريخ الفقه الإسلامي وإظهار ثراء المدارس الفقهية وقدرتها على إنتاج الاجتهاد.
وهنا كان أبو زهرة يخوض معركة أخرى هي معركة الدفاع عن التراث ضد الاختزال والتشويه، وكان يرى أن التراث لا يُقدس لمجرد أنه تراث، لكنه كذلك لا يُهدم لمجرد أنه قديم، وكان يميز بين النص المقدس وبين اجتهاد الفقيه، وبين الثابت والمتغير، وبين ما يمكن تطويره وما لا يجوز العبث بأصوله.
وهذه النظرة جعلته قادرًا على الدخول في معارك مع بعض الاتجاهات الفكرية الحديثة، وفي الوقت نفسه قادرًا على التعامل مع قضايا العصر بلغة قانونية وفقهية حديثة.
ومن أبرز ميادينه قضية الأسرة والأحوال الشخصية، فله كتاب «الأحوال الشخصية»، الذي تناول فيه مسائل الزواج وإنهاء الزواج وحقوق الأولاد، وله كتاب «تنظيم الأسرة وتنظيم النسل» الذي بحث فيه قضايا الأسرة والنسل في ضوء الفقه الإسلامي.
وكان هذا يعني أنه لم يكن عالمًا منعزلًا عن القضايا التي تمس حياة الناس اليومية، بل كان الفقه عنده حياةً كاملة، وأتقن حكم العلاقة بين النص والمصلحة، وله في كل ذلك موقف واجتهاد.
ومن معاركه المهمة أيضًا دفاعه عن فهم النصوص في مواجهة القراءات التي رأى أنها تتجاوز أصول الاستنباط، فعندما ذهب بعض الكتاب إلى الاستدلال بمواقف لبعض الصحابة على أن المصلحة يمكن أن تجعل الحاكم أو الفقيه يتجاوز النص الشرعي، تصدى أبو زهرة لذلك، وشرح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يكن يترك النص لهوى أو لمصلحة منفصلة عنه، وإنما كان يفهم النص في سياقه ويطبق قواعده تطبيقًا دقيقًا، وكان يؤكد أن المصلحة لا تكون مبررًا لهدم النص، وإنما ينبغي أن تكون منضبطة بأصول الشريعة.
وهذه معركة شديدة الأهمية؛ لأنها تكشف أن الرجل لم يكن يدافع عن التراث دفاعًا عاطفيًا، بل كان يدافع عنه بمنهج، ولم تكن معاركه مع الفكر فقط، ولكن كان له مواقف سياسية وفكرية جريئة تجاه التحولات التي مرت بها مصر، وكان ينتقد ما يراه مخالفًا للحرية والشورى والعدل، وله مواقف موثقة من سعد زغلول، ومصطفى النحاس، ومحمد نجيب، وجمال عبد الناصر، كما تعرض في بعض مراحل حياته للتضييق، لكنه ظل حاضرًا في المؤسسات العلمية والأزهرية.
وقد ارتبط أبو زهرة بسعد زغلول من خلال دراسته في "مدرسة القضاء الشرعي"، وهي المدرسة التي أسسها الإمام محمد عبده ورعاها وطوّرها سعد زغلول إبان توليه لوزارة المعارف لمنع المحتل البريطاني من السيطرة على القضاء الشرعي أو تذويبه، كما ظل الشيخ على ولائه وتقديره للحركة الوطنية الدستورية التي قادها الوفد ممثلًا في النحاس، واتخذ أبو زهرة من إرث النحاس وثورة 1919 الفكري ركيزةً انطلق منها لاحقًا لمعارضة الحكم الشمولي ومصادرة الحريات بعد عام 1952، حيث كان يرى في العهد الدستوري مساحة أوسع للتعبير والحرية.
رحب الشيخ أبو زهرة بحركة الضباط الأحرار في يوليو عام 1952م، وأيدها باسم أساتذة الجامعة عند عزل الملك فاروق، وجمعت الشيخ بالرئيس محمد نجيب علاقة صداقة شخصية متينة، إذ كان نجيب يعد نفسه تلميذًا للشيخ أبو زهرة عندما كان يدرس الحقوق، ثم عبّر الشيخ لاحقًا عن حزنه البالغ وخيبة أمله بعد الصدام داخل مجلس قيادة الثورة والذي انتهى بإقالة محمد نجيب ووضعه تحت الإقامة الجبرية، معتبرًا إياه وطنًا مخلصًا أُجهضت معه آمال الحرية والشورى السياسية.
أما في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، فقد كان الشيخ محمد أبو زهرة من أبرز معارضيه على المستوى الفكري وليس على المستوى التنظيمي، وقد عارضه صراحة في توجهاته الكبرى، ودفع في سبيل ذلك ثمنًا كبيرًا،  وعانى طيلة  الستينيات بسبب آرائه الواضحة المعلنة، وحرم من التدريس في الجامعة، كما حرم من إلقاء الأحاديث العامة في  التليفزيون والإذاعة والصحف، وقيدت حركته، ولقي من التجهيل والإبعاد قدرًا كبيرًا في الوقت الذي كان اسمه قد وصل إلى آفاق عالية، وفي الوقت نفسه الذي وصل فيه تلاميذه في كلية الحقوق إلى أكبر المواقع التنفيذية والرسمية.
وبحكم ثقافته الدينية وشخصيته القوية وانتمائه المبكر لتيار الأغلبية في الحركة الوطنية، كان الشيخ محمد أبو زهرة من العلماء المتوقع اختلافهم مع ثورة 1952 ورجالها ونظمها، ومع أنه استطاع التأقلم في بداية عهد الثورة، فإنه سرعان ما اصطدم بأفكار الثورة، فقد عرف الشيخ محمد أبو زهرة بأنه لم يتوان في انتقاد الدعوة إلى القومية العربية وكان يرى أن هذه الدعوة سوف تحقق مع الزمن من المخاطر التي لا يمكن تجاوزها، كما عارض مصطلح "الاشتراكية العلمية"، وأعلن بأن هذا المصطلح يعني «المبادئ الشيوعية»، وكان هذا الرأي هو سبب الخلاف الحاد بين الشيخ محمد أبو زهرة وبين نظام الرئيس عبد الناصر.
ثم كان المتين من قضية تحديد النسل حتى وإن تسمت بتنظيم الأسرة، على حين كانت الحكومة كلها بما فيها أجهزة وزارة الأوقاف تعيش في وهم ضرورة تنظيم الأسرة، وكأنه من العقائد المسلّم بها، كما انتقد الشيخ محمد أبو زهرة صراحًة نلك السلوكيات السياسية التي كانت سائدة في كثير من الدول الإسلامية (ومصر في مقدمتها) والتي كانت تركز على اضطهاد الدولة للخصوم السياسيين، كما وقف الشيخ أبو زهرة من قضايا “فوائد البنوك ” و“الربا” و” التأمين ” موقفًا حاسمًا، وأعلن عن رفضه لكل المعاملات الربوية ومحاربته لها وكشف بأدلَّة علمية فساد نظرية الربا وعدم الحاجة إليها، وأنَّ الإسلام حرَّم الربا حمايةً للمسلمين ولمجتمعهم.
وقد وصلت شدة الخلاف مع نظام الرئيس جمال عبد الناصر أوجُها مع التوجهات الحكومية في الإسراع بإقرار مشروع قانون تطوير الأزهر رقم 103 لسنة 1961 الخاص بإعادة تنظيم الأزهر والهيئات التابعة له،  وكان يري أن إصلاح الأزهر يجب أن يكون مشتقا من رسالته ودوره، ورفض الفكرة التي تم الأخذ بها في القانون لإنشاء كليات للطب والهندسة والعلوم وغيرها في جامعة الأزهر، وكان يرى أنه من الأوجب أن يقوم الأزهر بتثقيف أصحاب المهن من الأطباء والمهندسين بالثقافة الدينية، وذلك من خلال التحاق الحاصلين علي المؤهلات العليا من الجامعات وغيرها بالأزهر، ودراستهم مناهج خاصة لتثقيفهم دينيا، لا العكس.
وفي عهد الرئيس أنور السادات، عادت مكانة الشيخ محمد أبو زهرة  الفكرية لقوتها، وعندما برزت شوكة الحركة الإسلامية وتزامنت قوتها مع توجه ديمقراطي جديد، بدأ الشيخ محمد أبو زهرة يجاهر على نطاق واسع بآرائه، وتصادف أن أصبحت تلميذته الدكتورة عائشة راتب وزيرة للشئون الاجتماعية، فشجعه هذا على أن يخطو خطوات تتناسب مع مكانته العلمية والتاريخية،  حتى إنه ترأس  في أواخر عام 1973 وأوائل عام 1974م، عددا من الندوات والاجتماعات بجامعة القاهرة والإسكندرية لمناهضة سياسات وزارة الشئون فيما يتعلق بتنظيم الأسرة، وهو ما كان يراه مخالفا  للشريعة الإسلامية،  وهو الذي كانت له صولاته المعارضة لتحديد النسل وتقييد تعدد الزوجات والطلاق.
ويذكر في هذا الشأن، أن الشيخ محمد أبو زهرة كان قد قرر إقامة مؤتمر شعبي لمناقشة هذا الأمر في سرادق كبير أقامه على نفقته الخاصة أمام منزله في ضاحية الزيتون، صباح يوم 12إبريل 1974م، ثم عاد إلى حجرة مكتبه بالدور العلوي وشرع في إكمال تفسير سورة النمل، وأثناء نزول فضيلته حاملا القلم والمصحف مفتوحا على آخر ما وصل إليه في التفسير، سقط، وفاضت روحه إلى بارئها مع أذان المغرب، ويذكر أيضًا أن السرادق نفسه أصبح سرادقا للعزاء فيه.
يبقى أن نقول أن الشيخ محمد أبو زهرة ترك إرثًا هائلًا من المؤلفات المشهورة واسعة الانتشار، ولاتزال بمثابة مراجع مفصلة لطلاب الدراسات العليا في علوم الشريعة في المعاهد العلمية المختلفة، وقد شملت مؤلفاته عرضا للتشريعات الإسلامية في البيوع والمعاملات، ونظرية العقد، والملكية، والوقف وأحكامه في المذاهب الفقهية، والوصية وقوانينها، والتركات والتزاماتها، ثم الأحوال الشخصية في المواريث، ومسائل الولاية على النفس أو فقه الأسرة (من زواج وطلاق ونفقة).
وكانت آراؤه في غاية الوضوح عن فقه الأسرة، وعن تنظيم الأسرة، وتنظيم النسل، كذلك كتب الشيخ محمد أبو زهرة كتابة موسوعية في العقيدة الإسلامية، والقانون الدولي وفي موضوعات العقوبة في الفقه الإسلامي، وعن الجريمة، والحدود الجنائية.
ويذكر له أنه كان في فترة أستاذيته في كلية الحقوق نَهما إلى معرفة القوانين الأوربية، وكان يقرأ كل المؤلفات التي تتحدث عن القوانين الأوربية، ليقف على أسرارها، وليزنها بما يعرف من آراء الفقهاء في كتب الإسلام، وكان يجيد عرض الآراء، فاستطاع أن يجعل من طلبة كلية الحقوق عشاقا مخلصين للتشريع الإسلامي، وأن يدفعهم إلى تأليف الرسائل العلمية بالدراسات العليا في مسائل تتصل بالفقه المقارن، حيث يكون التشريع الإسلامي بارز المكانة في شتى الدراسات.
وقد كتب لمعهد القانون الدولي في واشنطن كتابا [ترجم إلى الإنجليزية] عن «خلاصة أحكام الأحوال الشخصية والوصايا والمواريث»، كما كان للشيخ محمد أبو زهرة جهد كبير في قضايا علم الكلام، وكان يري هذا العلم مظهرا من مظاهر الفلسفة الإسلامية، والجدل الإسلامي في أدق مسائل الاعتقاد، 
ومن المفارقات التي تكشف قوة شخصيته أن حضوره داخل الدولة ومؤسساتها لم يحوله إلى رجل سلطة، فقد كان مستشارًا دينيًا لوزارة الأوقاف سنة 1961م، ثم عضوًا في مجمع البحوث الإسلامية، وعضوًا في مجلس جامعة الأزهر، والمجلس الأعلى للفنون والآداب، ومجلس محافظة القاهرة. وقد اختير أيضا عضوا في المجلس الأعلى للبحوث العلمية، لكنه ظل يحتفظ بشخصية العالم الذي يستطيع أن يختلف.
وهذه هي النقطة التي تستحق أن نتوقف عندها طويلًا... هل قوة المؤسسة في أن يتفق جميع رجالها؟ أم أن قوتها في أن يكون فيها رجال قادرون على الاختلاف العلمي دون أن يتحول الاختلاف إلى هدم؟ 
والشيخ محمد أبو زهرة يقدم الإجابة الأهم، فهو لم يكن رجلًا معارضًا للأزهر، ولم يكن رجلًا يطعن في المؤسسة، بل كان واحدًا من رجالها الذين جعلوا المؤسسة أقوى بحضورهم العلمي، وكان داخل مجمع البحوث الإسلامية، وفي مجلس جامعة الأزهر، ويعمل في لجان تقنين الشريعة، وكان حاضرًا في القضايا التي تمس الشأن الإسلامي، وكان يكتب ويؤلف ويحاضر.
وفي الوقت نفسه كان يستطيع أن يقول «لا» عندما يرى أن الأمر يحتاج إلى «لا».
وهذه قيمة نحتاج إلى تذكرها ونحن نستعيد تاريخ الأزهر، فالأزهر القوي ليس هو الأزهر الذي لا يختلف رجاله، وليس هو الأزهر الذي يتحول فيه العلماء إلى موظفين ينتظرون التعليمات، لكن الأزهر القوي هو الذي يستطيع أن يجمع في داخله العالم المؤيد والمعترض، والفقيه والمفكر، والمجتهد والمحافظ، ثم يجعل الجميع يعملون تحت سقف واحد: احترام العلم واحترام المؤسسة واحترام الحق.
ولهذا فإن محمد أبو زهرة يستحق أن يكون في هذه السلسلة، ولم يكن «حول الإمام» لأنه كان يجلس في مكتبه، بل كان حول الإمام لأنه كان في المجال الذي يصنع رأي المؤسسة، ويشارك في مجالسها، ويعمل في مجامعها، ويؤثر في قضاياها، ويضع أمامها رأيًا علميًا لا يمكن تجاهله.
وهكذا يظل الشيخ محمد أبو زهرة واحدًا من أولئك الرجال الذين يثبتون أن قوة الأزهر لم تكن يومًا في المباني ولا في المناصب وحدها، وإنما في رجال إذا جلسوا في مجلس الإمام أضافوا إليه، وإذا اختلفوا معه لم يهدموه، وإذا خرجوا إلى الناس حملوا اسم الأزهر بقدر من الهيبة التي تجعل الحاكم نفسه مضطرًا إلى أن يسمع.
وهذه، في ظني، واحدة من أهم صور «رجال حول الإمام».

مقالات ذات صلة