كان يعرف مقدماً أن مسرحيته التى سيكتبها لا يمكن أن تظهر على المسرح.. ومع ذلك كتبها.. وأجمع كل من قرأ العمل عندما نشر لأول مرة فى كتاب أن مؤلفه قد استند فى كل كلمة على كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم والأحاديث المروية عنه.
وتوفيق الحكيم الذى عاش ودرس فى فرنسا سنوات وانبهر مثل طه حسين بفلاسفة ومفكرى أوروبا نفد صبره عندما وقع فى يده كتاب المفكر الفرنسى فولتير الذى أهان فيه النبى محمد صلى الله عليه وسلم ووصفه بأغلب مفردات الغيظ والحقد والافتراء بالباطل.. ولما قامت الدنيا واحتج السفير العثمانى قرروا منع عرض المسرحية التى تم نشرها فى كتاب.. لكنه عاد بعد سنوات ينافق بابا الفاتيكان وأهدى إليه المسرحية حتى وافق على عرضها مرة أخرى.
كانت صدمة الحكيم كبيرة فى آراء فولتير وكان يعتبره رائداً فى التنوير وحرية الرأى والإبداع حتى خاب ظنه فيه وأصر أن يكون رده عليه بعمل فنى حتى وإن كان محكوماً عليه بأن يظل حبيساً فى سطور كتاب يتم نشره يحمل السيرة المحمدية فى شكل مسرحى حوارى.. واعتمد الحكيم فيه على مسرحية من فصل واحد كان عنوانها «الهجرة» وأضافها كاملة إلى مسرحيته الطويلة محمد صلى الله عليه وسلم وافتتحها بمشهد جليل عندما جاءت البشرى إلى جد رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالمطلب فقال: حملت إليه البشارة.
إنى رأيت فى منامى سلسلة من فضة خرجت من ظهرى لها طرف فى السماء وطرف فى الارض وطرف فى الشرق وطرف فى الغرب ثم كأنها شجرة على كل ورقة منها نور وإذا بأهل المشرق والمغرب كأنهم يتعلقون بها ويحمدونها.
ومن هنا جاء اسم محمد صلى الله عليه وسلم على لسان جده.
فلسفة الحكيم
أراد توفيق الحكيم بهذا العمل المسرحى المحكوم عليه بألا يغادر الكتاب الذى نشر فيه أكثر من مرة على مدى 90عاماً من وقت الطبعة الاولى إلى وقتنا هذا.. أراد أن يقدم السيرة النبوية المشرفة فى شكل حوار يسهل القارئ مهما كان عمره وثقافته أن يتابعه وأراد بذلك أن يقول إن الفن يمكن أن يخدم رسالة الدين حتى بين القطاع الكبير من أهلنا الذين لا يقرأون ولا يكتبون ولم يفعلها الحكيم من فراغ، فقد كان مشغولاً طوال الوقت بهذا الحلم الكبير، فقدم للمسرح سليمان الحكيم وقصة هذا النبى الكريم مع بلقيس ملكة سبأ.. ثم قدم أهل الكهف وقد عرضت على المسرح واخرجها زكى طليمات وترجمت إلى الفرنسية والايطالية والانجليزية عام 1935، بعد نشرها بعامين.
وقدمتها الفرقة القومية المصرية على مسرح الأوبرا القديمة بالعتبة، فكان الجراج الحالى متعدد الطوابق ولعب البطولة حسين رياض وعزيزة أمير وزكى رستم وشارك أيضا كممثل زكى طليمات مخرجها وساهمت الحكومة المصرية وقتها بدعم الفرقة بمبلغ 15 ألف جنيه وهو رقم كبير لكى تقدم الفرقة مجموعة من الأعمال المهمة.
الغريب فى الأمر، أن الصحف أشادت بالعرض المسرحي، لكنه الوحيد الذى أنكره وأكد أنها مكتوبة للقراءة فقط لما يسمى بالمسرح الذهنى أو الفكرى وهو ما قدمه فى مسرحية «محمد» صلى الله عليه وسلم.
لم يكن الحكيم وحده هو الذى اهتم باستخدام الفن فى تقديم صورة حديثة للإسلام والمسلمين، فقد تسابق كبار المؤلفين والكُتاب بعد ذلك فى تقديم أعمالهم فى هذا الميدان وكان أكثرهم تأثراً بالحكيم ومشى على خطاه الكاتب على أحمد باكثير، الذى قدم «هاروت وماروت» وكتب محمد فريد أبوحديد «عبد الشيطان»، وفى نفس الإطار كتب محمود تيمور «أشطر من إبليس»، وكتب فتحى رضوان «دموع إبليس» بخلاف كتابات طه حسين «على هامش السيرة» و«الوعد الحق»، وكتب عبدالرحمن الشرقاوى «محمد رسول الحرية»، وعاد فتحى رضوان يكتب «محمد الثائر الأعظم»، إلى جانب عبقريات العقاد الشهيرة حول محمد صلى الله عليه وسلم والمسيح وعمر بن الخطاب والصديق أبوبكر وعلى كرم الله وجهه.
بقدر ما أنصف بعض المفكرين فى الغرب نبى الإسلام صلى الله عليه وسلم، وكان على رأسهم برنارد شو الذى اهتم كثيراً بشخصية النبى الكريم صلى الله عليه وسلم وقال إنه فكر كثيراً فى كتابة مسرحية يكون بطلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنه تراجع لأنه يعرف حساسية أن يظهر أحد الممثلين على المسرح وهو يجسد هذه الشخصية المقدسة، وهناك من أشار إليه- على حد قوله- بأن تركيا وكانت حليفة لانجلترا سوف تغضب إذا ما أقدم على ذلك، وربما لهذا السبب اكتفى الحكيم بمسرحيته المنشورة، وهو ما أتاح له فيها أن يضع الحوار على لسان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وهو مطمئن أنها لا تخرج عن دقة الكتاب، وفى كتابات نقدية عديدة أشاروا إلى أن «شو» كان دائماً وأبداً ما يأخذ من شخصية محمد صلى الله عليه وسلم فى مسرحياته وأهمها «قيصر» وربطوا بين معنى البطولة والقدوة بشكل غير مباشر.
وهو ما جعل «كارليل» المفكر الكبير فى كتابه الأبطال يخصص فصلاً للنبى محمد صلى الله عليه وسلم وجاء فيه: كيف تتهمونه بأنه مؤلف القرآن الكريم وفيه آيات من الله لا يمكن أن تأتى أبداً على لسان محمد فيه عتاب له أو توجيه ثم إن الذين اتهموه بالكذب لا يفهمون أن الكذب لا يستطيع أن يبنى بنياناً من الطوب، فكيف برجل يبنى عالماً من المبادئ والارواح والقلوب.. اللهم صل وسلم وبارك على أشرف خلقك فى كل وقت وحين.


