عام القاهرة 24

رجل يعيش زمنين.. الجمال والألم في حياة رائد الأعمال

10 مشاهدة

اقرأ من المصدر

القاهرة 24

زيارة المصدر

في الثالثة فجرًا، يجلس رائد الأعمال أمام شاشة لم تستيقظ، هو لا يقرأ ولا يكتب، بل يمارس صمتًا أثقل من النوم، وفي الغرف المجاورة تغرق أسرته في نوم عميق، فأصبح البيت صامتًا، والحي الراقي بفيلاته وأشجاره القديمة يغرق في هدوء لا يشبه صمته، وهو وحده معلق في الفراغ. ليس الأرق ما يبقيه مستيقظًا، بل ذلك النبض المتواصل في رأسه، فهناك: مشروع، فكرة، أو صورة مستقبلية لم تتجسد بعد، لكنها أكثر واقعية من الجدران المحيطة به، ومن الشاشة الجامدة، بل ومن جسده الجالس هنا.

هناك لحظة لا ينساها من عاشها، تتضح فيها الفكرة، فتراها كاملة بتفاصيلها وبصوتها وبحجمها وضوئها، بينما العالم من حولك لا يرى شيئًا، وهنا في تلك اللحظة لا تكون الفكرة مجرد خطة على ورق، بل حاضرة وأكثر حقيقة من المكتب الذي يجلس خلفه، وأكثر دفئًا من الغرفة التي تحتويه.

ذلك هو الجمال، لكن من زاوية أخرى، حيث تحمل ما لم يولد بعد وتعرف ملامحه قبل أن يتنفس، فمن يعيش هذا يرى الشارع الذي يعرفه جيدًا لكن عينيه ترسمان فوقه معالم عالم آخر، كما أنه يسمع كلام من حوله عن الواقع وهو يفكر في ما سيكون، ويمشي بين المباني القديمة لكنه يرى ما سيكون مكانها لاحقًا، هذه ليست هلوسة بل قدرة نادرة على السكن في زمن لم يصل بعد.

لكن هذا الجمال ليس هادئًا، بل مشحون ومتوتر، لأنه يشبه الوقوف على قمة جبل قبل الفجر، حيث ترى النور قادمًا لكنك لا تزال في العتمة، حيث لا أحد يشاركك الرؤية ولا يوجد من يطمئنك، لأنك أنت وحدك مع ما تراه، وهنا يبدأ الألم.

الألم ليس في غربة المكان لكنه من غربة الزمان، حيث تكون بين الناس وتتشارك معهم اللحظة والمكان، بينما تسكن أنت زمنًا آخر لا تملك لغته. فحين يقول بثقة: "سأبني كيانًا يغير هذا الواقع"، يسمع الآخر في كلامه مجرد مغامرة تبدد السنوات، والآخر هنا لا يكذب فهو صادق تمامًا من موقعه في الحاضر، لكن هذا الصدق نفسه هو الجدار الذي يفصل بينهما، لأن الترجمة بين زمنين تحتاج دليلًا ملموسًا، والدليل يحتاج زمنًا لم يأتِ بعد.

وتلك هي الوحدة القاسية، حيث تحيط بك زحمة الحاضر وتتشارك مع من حولك المكان ذاته، بينما تسكن أنت زمنًا مختلفًا، عاجزًا عن استحضار لغته أو تقديم دليل يقربهم منه، فتصمت لأن الكلام لا يترجم، وتبارك الحاضر بابتسامة باهتة لأن الشرح يطول، وتعود إلى غرفتك حيث الفكرة وحدها هي التي تفهمك.

يتعامل رائد الأعمال مع جسده كأنه آلة تنفيذية، فيأكل لتأمين الوقود لا للتذوق، وينام لإعادة التشغيل وليس من أجل الاستراحة، وهنا تأتي "ثقافة الحرق" لتكرس هذا الوهم من خلال خطاب مبتذل يرسخ الإرهاق والاحتراق كدليل على الجدية. لكن الجسد لا يكذب، فهو يسجل اضطراب النوم، والأكل واقفًا، وآلام الظهر، والقلق المتراكم في الكتفين، والنفس القصير عند التفكير في الأرقام، وهذه الآلام تجعل الجسد هو الذي يدفع الفاتورة، بينما العقل مهاجر في زمن آخر. قد يتناسى أن من يهمل جسده يهمل الأساس المادي الوحيد الذي يمكنه أن يبني عليه، وذلك رغم علمه أن الرؤية تحتاج جسدًا يحملها، ومن يحمل غدًا في رأسه يحتاج حاضرًا في جسده.

هناك شيء غريب في يقين رائد الأعمال، فهو لا يقول "أشعر أن الفكرة ستنجح"، بل "أعرف أن هذا سيحدث، حتى لو عجزت عن إثباته الآن"، وهذا اليقين ليس حماسًا عاطفيًا بل موقف معرفي حاسم، إذ لا يتخيل الرائد المستقبل، بل يخبره بكثافة تشبه الذكرى، وكأن الغد قد استقر في ذهنه من زمن لم يصل إليه الآخرون بعد.

ولذلك، عندما تخفق الأفكار فلا تتوقف الخسارة عند حدود المال، بل يمتد الألم ليصبح كوجع الفقد لواقع كامل أجهض قبل أن يولد، مما يجعل هذا ليس فشلًا تجاريًا فحسب، بل فقدان لكائن كنت تراه وتعرفه ثم اختفى.

يظل الحد الفاصل بين اليقين المبكر والوهم المكلف رفيع للغاية، لأن المستقبل لا يصبح واقعًا لمجرد الإصرار عليه، وهنا يقف الرائد أمام نفسه يسأل: هل هذا تراكم خبرة صامتة، أم هروب من واقع لا يريد مواجهته؟ هل يستطيع تعديل المسار دون أن يخون الجوهر؟ وهل يخضع فكرته للواقع، أم يحتمي بذريعة أن العالم لم يتهيأ بعد؟

وعندما تقف في الثالثة فجرًا، وعقلك يزن معركة الأرقام ثم تبتسم في الظلام، فذلك لأنك تخوض مسارًا اخترته بكامل إرادتك، ومع ذلك فإن الحكمة لا تعصم من الفقد، فليس كل من تعلم العيش في زمنين نجا من لحظة يجد فيها نفسه في زمن واحد لا يريد فيه أن يكون.

لم تكن الخسارة في المال فقط، لكني فقدت كائنًا كاملًا كنت أراه وأعرفه ثم اختفى، سنوات وأنا أحمل الغد في رأسي وأنام على صورته، وأقنع نفسي أنه سيأتي، ثم بجولة تعثر تلو الأخرى، استيقظت يومًا ولم أجد شيئًا أحمله، وفي ذلك اليوم لم يسقط مشروع بل سقطت نسخة كاملة مني.

الناس قد لا يفهمون هذا الفقد لأنهم لم يروا ما عايشته، وهنا بدأ ما هو أصعب، ليس النجاح بل البقاء، حيث أجلس في نفس الغرفة وأنا لم أعد ذلك الرجل الذي يحمل غدًا، لكنني ما زلت هنا، أفكر، أكتب، أجتهد. والأهم أنني لم أتوقف عن الحلم، ليس عن المشروع، بل عن تلك القدرة على رؤية ما لم يولد بعد، وهي لم تمت، حيث ما زالت هناك، في الغرفة نفسها، في الساعة الثالثة ذاتها، تنتظر اللحظة التي أعود فيها لأحمل غدًا جديدًا.

مقالات ذات صلة