قبل أن يتوجه الأميركيون إلى صناديق الاقتراع في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، أدلى كبار الأثرياء والشركات وجماعات الضغط بأصواتهم مبكراً، لكن بواسطة دفاتر الشيكات؛ فقد ضخّ أكبر خمسين مانحاً أكثر من 1.6 مليار دولار منذ بداية الدورة الانتخابية الحالية، في سباق سيقرر من يسيطر على مجلسَي النواب والشيوخ خلال النصف الثاني من ولاية الرئيس دونالد ترمب.
الأرقام التي توصل إليها تحليل لبيانات لجنة الانتخابات الفيدرالية أجرته صحيفة «واشنطن بوست»، تكشف اختلالاً واضحاً: نحو 1.05 مليار دولار ذهبت إلى جهات جمهورية، مقابل 362 مليوناً للديمقراطيين، و234 مليوناً لجماعات المصالح الخاصة أو المنظمات التي تموّل مرشحين من الحزبين. وبذلك حصل الجمهوريون على نحو 64 في المائة من أموال كبار المانحين؛ أي قرابة ثلاثة أضعاف حصة الديمقراطيين. لكن الوجهة الأساسية لم تكن خزائن المرشحين مباشرة، بل لجان العمل السياسي الكبرى، أو «السوبر باكس»، القادرة على قبول مبالغ غير محدودة، والإنفاق على الإعلانات وحملات تعبئة الناخبين.

ومع ذلك، القصة ليست مجرد منافسة بين «الأحمر» و«الأزرق»؛ إذ إنه خلف هذه الأموال تدور معارك على الذكاء الاصطناعي والعملات الرقمية والمقامرة الإلكترونية وإسرائيل والإجهاض والمحاكم والتعليم... فضلاً عن مستقبل ترمب نفسه داخل الحزب الجمهوري.
سوروس... ثم جيش جمهوري
يتصدر جورج سوروس قائمة الأفراد والعائلات المانحة بمبلغ 102 مليون دولار، قُدمت عبر شركة «جيوسور» و«صندوق إصلاح السياسات» إلى لجنة «ديمقراسي باك» الليبرالية. لكن وجوده في الصدارة يحجب حقيقة أوضح: جميع الأسماء التسعة التالية في القائمة تميل إلى الجمهوريين.
في المركز الثاني يأتي مستثمراً رأس المال المغامر مارك أندريسن وبن هورويتز، بمبلغ 91.3 مليون دولار، وُزّع خصوصاً على لجان تدافع عن الذكاء الاصطناعي والعملات الرقمية، إضافة إلى لجنة «ماغا إنك» المؤيدة لدونالد ترمب. ويحل إيلون ماسك ثالثاً بـ90.6 مليون، منها أكثر من 50 مليوناً إلى لجنته «أميركا باك»، وعشرة ملايين لكل من اللجنتين المعنيتين بحماية الغالبية الجمهورية في مجلسَي النواب والشيوخ.
ويتبعهم الممول جيف ياس وزوجته جانين بـ89.3 مليون دولار، ثم مالكا شركة «يو لاين» ريتشارد وإليزابيث يولاين بـ69.5 مليون، وميريام أديلسون بـ67.6 مليون. أما غريغ بروكمان، رئيس «أوبن إيه آي»، وزوجته آنا، فقدما 50 مليون دولار، نصفها لـ«ماغا إنك»، والنصف الآخر للجنة مؤيدة لتسريع تطوير الذكاء الاصطناعي.

وتكتمل المراكز العشرة بمدير صندوق التحوط بول سينغر، بـ37.5 مليون دولار، وتوأمَي العملات الرقمية كاميرون وتايلر وينكلفوس بـ33.2 مليون، ومؤسس «سيتاديل» كين غريفين بـ32.4 مليون. وبذلك يكون هؤلاء المانحون العشرة وحدهم قد دفعوا نحو 663 مليون دولار؛ أي قرابة 40 في المائة من إجمالي أموال الخمسين الكبار.
التكنولوجيا تدخل الحلبة
لا تكشف القائمة انحيازاً حزبياً فحسب، بل تظهر كيف تحولت الانتخابات إلى ساحة تنافس بين القطاعات الاقتصادية. فالذكاء الاصطناعي والعملات الرقمية والمراهنات الرياضية باتت تمتلك لجانها ومرشحيها وأولوياتها التشريعية.
وقدمت شركتا العملات الرقمية «كوين بيس» و«ريبل» نحو 107 ملايين دولار معاً، ذهب معظمها إلى لجنة «فير شيك» المدافعة عن تشريعات أكثر ملاءمة للعملات المشفرة. كما ضخت شركة «فوريس داكس»، المشغلة لمنصة «كريبتو دوت كوم»، 38.6 مليون، بينها 35 مليوناً لـ«ماغا إنك».
وفي معركة الذكاء الاصطناعي، تبرع أندريسن وهورويتز وبروكمان بمجموع 75 مليون دولار إلى لجنة «ليدينغ ذا فيوتشر»، التي تدعم التطوير السريع للذكاء الاصطناعي وتعارض القيود التنظيمية المشددة. ووفق موقع «أكسيوس»، احتفظت اللجنة بنحو 31 مليون دولار نقداً في نهاية الربع الثاني، ما يعني أن الجزء الأكبر من حملتها قد يظهر في الأسابيع الأخيرة قبل الاقتراع.

ولا تغيب المراهنات الرياضية؛ فقدمت «درافت كينغز» 34.8 مليون دولار، و«فان ديويل» 29 مليوناً، سعياً إلى التأثير في التشريعات الفيدرالية والمحلية المنظمة لهذه الصناعة.
مَن يشتري الصوت الأعلى؟
تضم قائمة المؤسسات أيضاً «وان نيشن» الجمهورية بـ70.7 مليون دولار، و«ماجوريتي فوروارد» الديمقراطية بـ61 مليوناً، وشبكة العمل الأميركية المحافظة بـ44.3 مليون، ومجموعة «كوك» الصناعية بـ35 مليوناً. أما «آيباك»، فقدمت 30 مليون دولار إلى «يونايتد ديمقراسي بروجكت»، التي تدعم المرشحين المؤيدين لإسرائيل، ولا سيما في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية.
وقانونياً، يستطيع الفرد منح مرشح فيدرالي 3500 دولار فقط لكل انتخابات، لكن لجنة الانتخابات الفيدرالية تسمح لـ«السوبر باكس» بقبول أموال غير محدودة، بشرط ألا تنسق رسمياً مع المرشحين. وهنا تكمن الحيلة الكبرى: المال لا يذهب إلى المرشح، لكنه يشتري الإعلانات التي تمدحه أو تسحق خصمه.

والرقم مرشح للارتفاع سريعاً؛ فقد أعلنت اللجنة الفيدرالية أن المرشحين للكونغرس جمعوا 2.1 مليار دولار حتى نهاية مارس (آذار)، في حين جمعت لجان العمل السياسي 6.3 مليار. كما حذر مركز «برينان» للعدالة من توسع شبكات «المال المظلم» التي تخفي الممول الأصلي خلف مؤسسات غير ربحية وشركات وسيطة.
وقد لا يضمن المال الفوز دائماً، لكنه يحدد مَن يستطيع البقاء على الشاشات، وأي القضايا تتحول إلى أولوية، وأي مرشح يحصل على فرصة ثانية بعد تعثر حملته. وفي انتخابات قد تُحسم فيها السيطرة على الكونغرس بعدد محدود من المقاعد، يبدو أن أصحاب المليارات لم ينتظروا فتح صناديق الاقتراع؛ فقد بدأوا التصويت من الآن.


