عام الجزيرة

دليل التخلص من الفقراء.. "الدحيح" يكشف أسرار التخطيط العمراني للفصل العنصري

قد يبدو أن اختيار موقع السكن هو قرار شخصي بسيط يعود للمواطن بمفرده، ولكن حلقة الدحيح تكشف لنا خفايا استخدام الأنظمة العنصرية سلاح التخطيط العمراني لفرض واقع ميداني تحقق فيه أهدافها.

دليل التخلص من الفقراء.. "الدحيح" يكشف أسرار التخطيط العمراني للفصل العنصري
8 مشاهدة

اقرأ من المصدر

الجزيرة

زيارة المصدر

تكشف حلقة "الدحيح" خفايا استخدام الأنظمة العنصرية سلاح التخطيط العمراني لفرض واقع ميداني، تتحقق فيه أهدافها من فصل الأغنياء عن الفقراء أو البيض عن السود.

ويسرد أحمد الغندور في "الدحيح" -وهو البرنامج الذي تبثه الجزيرة 360 وتنتجه aj+- قصصا حقيقية استمرت عقودا في الولايات المتحدة الأمريكية وجنوب أفريقيا.

ولفهم طبيعة المخطط العمراني العنصري، يوضح الدحيح أن المدن تفرض قوانين هندسية قاسية، تستطيع من خلالها استبعاد الأشخاص غير المرغوب فيهم بسبب لون بشرتهم أو وضعهم المادي.

ومن أوائل تلك القصص التي يرصدها الدحيح، تلك التي وقعت في صيف عام 1910 بمدينة بالتيمور الأمريكية، حين اشترى محام أمريكي من أصول أفريقية يُدعى آشبي هوكينز منزلا في حي راق يسكنه البيض في مدينة بالتيمور.

وكان هوكينز ناجحا ومتعلما، لكنه بالنسبة لجيرانه لم يكن سوى لون بشرة غير مرغوب فيه، إذ تعرّض منزله لهجوم بالحجارة، والمفارقة أن الصحافة ألقت باللوم على الضحية.

ولضمان عدم تكرار ذلك، أصدرت مدينة بالتيمور أول قانون في أمريكا يقسم المدن عنصريا، أحياء للبيض وأخرى للسود. ورغم أن المحكمة العليا أسقطت هذا القانون لاحقا في عام 1917، فإن هذا لم يُنهِ العنصرية، بل جعلها فقط أكثر ذكاء وخبثا بحسب ما تذكره الحلقة، التي يمكنكم مشاهدتها كاملة بالضغط هنا.

من الصريحة إلى المشروطة

حين مُنعت المدن من القول صراحة "يُمنع سكن السود هنا"، لجأت إلى ألاعيب هندسية وقانونية لإبعادهم. بدأت تفرض شروطا قاسية للبناء، تتمثل في أن المنازل يجب أن تكون مبنية على مساحات شاسعة، ويُمنع بناء العمارات السكنية متعددة الأسر.

وكان هذا المخطط رسالة واضحة مفادها "إذا لم نتمكن من طردك بسبب لونك فسنطردك بسبب فقرك"، وبما أن الأغلبية الساحقة من السود كانت أقل دخلا، فقد استُبعدوا تلقائيا.

وتستكمل الحلقة تتبع الكارثة الكبرى التي حلت في ثلاثينيات القرن الماضي، حين أنشأت الحكومة الأمريكية وكالة لتسهيل القروض العقارية، ولكن لتحديد المستحقين للقروض، أرسلت مفتشين رسموا خرائط للمدن وصنفوها بالألوان.

الأخضر والأزرق للأحياء الراقية (البيض)، والأصفر للمناطق المتراجعة، أما الأحمر فكان مخصصا لأحياء السود والأقليات، وصُنفت بأنها مناطق "شديدة الخطورة"، وهو ما سهّل على البنوك رفض تمويل أي شخص يعيش في منطقة حمراء. ومن ثم انهارت أسعار العقارات وحُرم السود من بناء ثروات يورثونها لأبنائهم، ليقعوا في فخ فقر حكومي ممنهج الأركان.

الفصل التام

لم تكن أمريكا وحدها في هذه اللعبة، ففي عام 1948، ذهبت جنوب أفريقيا بتخطيط المدن العنصري إلى مستويات جنونية بتطبيق نظام الأبارتايد، إذ لم يكن مجرد عزل، بل صُممت المدن ليكون البيض في المراكز الحيوية، بينما يُلقى بالسود في أطراف نائية.

واستخدمت الحكومة المناطق الصناعية والسكك الحديدية لتكون بمنزلة جدران عازلة بين الأعراق، بحسب وصف الدحيح. ورغم سقوط نظام الأبارتايد ونضال الزعيم نيلسون مانديلا، فلا تزال جنوب أفريقيا تعاني حتى اليوم عنصرية المعمار الذي يصعب هدمه.

ورغم تجريم العنصرية في أمريكا نهائيا في الستينيات، فإن المخططين استلوا سلاحا جديدا لا يُرد، هو البنية التحتية. ففي مشروع الطرق السريعة الأمريكية الضخم، كان المهندسون يوجهون الطرق لتخترق أحياء السود فتدمرها وتُهجر سكانها، أو تلف حولها لتخنقها وتعزلها عن باقي المدينة، وكأنها سجون مفتوحة.

في المقابل، حين كان الطريق يقترب من حي غني للبيض، كان سكان الحي يملكون النفوذ السياسي لتغيير مساره فورا.

ومع حلول ثمانينيات القرن الماضي، برزت ظاهرة التجديد الحضري في مدن كبرى مثل نيويورك، حيث بيعت مشروعات الإسكان الحكومي للمطورين العقاريين في القطاع الخاص.

وأدى ذلك إلى رفع أسعار الإيجارات وهدم المباني القديمة لإقامة أبراج حديثة، مما أجبر السكان الأصليين على الإخلاء القسري لعدم قدرتهم على تحمل التكاليف الجديدة.

فصل ممتد

وحدث هذا بوضوح في حي هارلم الشهير، الذي تحوَّل في أوائل القرن العشرين إلى مركز ثقافي وفكري للسود، قبل أن تحاصره سياسات خطوط الائتمان الحمراء، وتتركه يعاني نقص الخدمات، حتى خضع لاحقا لسيطرة الاستثمارات الخاصة التي غيرت تركيبته الديموغرافية.

وتظل آثار هذه المخططات ممتدة حتى اليوم عبر ما يُعرف بـ"الرمز البريدي"، الذي بات يحدد حجم الإنفاق الحكومي على البنية التحتية والمدارس والمستشفيات، ويوضح التباين في معدلات متوسط الأعمار وجودة الحياة بين الأحياء الغنية والأحياء الفقيرة.

ويعكس هذا التطور التاريخي ما تعرّض له تخطيط المدن من تحول لممارسات الفصل العنصري من صورته المباشرة القائمة على العرق، إلى أشكال مموهة تعتمد على القوانين الاقتصادية والهندسة المعمارية ورفع أسعار العقارات، وهو ما يجعل تحييد آثار هذا التمييز الهيكلي أمرا يحتاج سنوات طويلة من المعالجة.

العلامات

مقالات ذات صلة