سياسة جريدة الجمهورية

«الهيسـتريا» الإخوانيـة

مشاهد وأحداث عدة، بارزة، وقعت هذا الشهر، صدرت عن جماعة حسن البنا أو أحد أفرادها، تعيد التأكيد على أنها جماعة إرهابية بامتياز، تحمل كراهية عميقة لهذا الوطن والمواطنين. سوف نترك المشاهد العامة، مثل نشر الشائعات واختلاق وقائع لم تحدث، ومحاولة التحريض على مؤسسات الدولة ورموزها؛ اعتدنا ذلك منهم، لكن اللا...

«الهيسـتريا» الإخوانيـة
16 مشاهدة

اقرأ من المصدر

جريدة الجمهورية

زيارة المصدر

مشاهد وأحداث عدة، بارزة، وقعت هذا الشهر، صدرت عن جماعة حسن البنا أو أحد أفرادها، تعيد التأكيد على أنها جماعة إرهابية بامتياز، تحمل كراهية عميقة لهذا الوطن والمواطنين.

سوف نترك المشاهد العامة، مثل نشر الشائعات واختلاق وقائع لم تحدث، ومحاولة التحريض على مؤسسات الدولة ورموزها؛ اعتدنا ذلك منهم، لكن اللافت زيادة معدل الشائعات وحِدْتَهَّا هذا الشهر، فى محاولة لإحياء ذكرى فض بؤرة رابعة، التى تدينهم بالكامل، لكن ذلك كله لا يبتعد عن الظرف الصعب الذى تَمُر به المنطقة حاليًا، وهم دائمًا يراهنون على أن الأزمات الكبرى قد تحدث حالة من الفوضى والسيولة تتيح لهم الطفو على السطح مجددًا.

وهناك مشاهد أخرى، أبرزها حملة الذباب الإلكترونى للشماتة فى مرض الإعلامى الكبير، الزميل أحمد موسى، الحملة لم تكن تقييمًا لتجربة إعلامية طويلة، ولا المستهدف بها هو الزميل أحمد موسى فقط، لكنها حملة ترهيب لكل إعلامى أو كاتب يرفع صوته برفضهم رفضًا قاطعًا، بلا مواربة..فعلوا ذلك من قبل مع الراحل د. رفعت السعيد، حين وفاته المفاجئة.

دعنا الآن من الوضاعة الأخلاقية التى تغمرهم؛ إذ لا شماتة فى المرض أو الموت..لاحظ كذلك السرادق الضخم الذى أقاموه فى الفضاء الإلكترونى لوفاة د.خالد فهمي مؤخرًا، ورحيله فى جامعة المنوفية.

هذا كله موجه للإعلاميين والمثقفين الموجودين فى الساحة: ألا ينتقدهم أحد.. هم يفضلون المتعاطف أو من يرقص على السلم، ناهيك عن بعض الحيل والألاعيب الأخرى، مثل الهجوم المجانى على الزعيم جمال عبد الناصر أو ثورة يوليو، وهذه يمكن أن تكون رسالة تعاطف معهم، لكنها مشفرة، على طريقة: «أنا عدو عدوكم»، أو “عدو العدو يعد صديقًا”

ومثل الهجوم المخفف على سيد قطب، دون الخوض فى صلب أفكاره وتجربته، وفى المقابل الإشادة أو الكلام الطيب عن حسن البنا وتجربته، مع منحه ألقابًا لم يحصل عليها فى حياته، مثل «الإمام» أو «فضيلة المرشد»، وصاحب الفضيلة يذهب عادةً إلى الإمام الأكبر أو مفتى الجمهورية أو كبار العلماء، ولم يكن البنا واحدًا من هؤلاء.. والغريب أن بعض الكبار راحوا ينظرون لذلك الموقف المعوج فى التعامل مع الجماعة بترديد عبارة «اضرب ولاقي»

الحيل والألاعيب كثيرة، وهم يرحبون بها، أما رفضهم وانتقادهم على طول الخط، فكرةً ومشروعًا، فذلك ما يصيبهم بالرعب، ومن يفعل ذلك يدخل قائمة الاغتيالات لديهم، بدنيًا أو معنويًا.

الرسالة التي أرادوها بتلك «الحملة القذرة» هى أنهم ما زالوا قادرين على التحكم فى الفضاء الإلكترونى وتخويف كل من لا يسترضيهم، وقالها قديمًا وزير الداخلية زمن الملك فاروق، مرتضى المراغى، نجل الإمام مصطفى المراغى، للمرشد الثاني حسن الهضيبى: “إنكم تمسحون الأرض بكل من لا يكون على هواكم”.

جريمة تبدو فردية.. لكنها تفتح بابًا أوسع

لنترك كل ذلك مؤقتًا، ونتوقف أمام جريمة تبدو خاصة، ويراها كثيرون فردية أو جريمة عائلية من نوعية الجرائم التي باتت متكررة فى الفترة الأخيرة، أو ما يطلق عليه جرائم «الدوائر الآمنة»، وتحديدًا الجرائم الأسرية، أقصد جريمة 15 مايو التي وقعت الأسبوع الماضي.

المجرم عضو فى الجماعة، وبلوجر يقدم ما يسميه دروسًا دعوية، ورغم عدم التخصص أو العلم، كان يقوم بتفسير آيات من القرآن الكريم، وهذا البلوجر كان يراه البعض، رغم بشاعة ما يبثه وما يهرف به، نموذجًا للبعد عن العنف والاكتفاء بالنشاط الدعوي.

نسي هؤلاء أن عنف الخطاب والكلمات غالبًا ما يكون مقدمة للعنف المادي المباشر، والحق أن ذلك «البلوجر» نفسه كفانا أى شرح؛ فقد خطط لجريمة وأقدم على تنفيذها بنفسه بحق طليقته وأسرتها، فضلًا عن ابنته وابنه، حيث استدرج الجميع إلى شقة أحد أقارب طليقته لعقد جلسة مصالحة وعودة المياه إلى مجاريها.

لكنه ذهب بخطة أخرى تقوم على تصفية الجميع، وفي حقيبته مسدس وثمانون طلقة، بالإضافة إلى سلاح أبيض وقفل وجنزير، وأيضًا نقاب وعباءة حريمي، وكانت خطته أن يقتل الجميع، ثم يغلق باب الشقة على الجثث بالقفل والجنزير حتى لا تكتشف الجريمة، ثم يرتدي النقاب ويهرب، وإفادات المجرم فى التحقيقات كشفت كل شيء، بما فيها آراؤه التكفيرية والإخوانية، وبعض العبارات تثبت أنه إرهابي عتيد.

الجريمة تقول إن الإخواني، حتى لو ارتدى بدلة أنيقة وتحول إلى بلوجر أو إعلامي، وشذب اللحية، فإن الأفكار الإرهابية وممارسة الإرهاب تظل كامنة داخله، في انتظار فرصة الظهور والتحقق.

والحق أن وزارة الداخلية قامت بمتابعة وملاحقة بعض الذين يقدمون مشاهد وكلمات عبر السوشيال ميديا تعد خدشًا للحياء العام ومساسًا بالقيم الأخلاقية والأسرية، لكن هناك غيرهم يبثون أفكارًا سامة تنطوي على دعوات صريحة للعنف أو تحقير لفئات بعينها في المجتمع، مما يفتح الباب لممارسة العنف تجاه أفراد من هذه الفئات.

هل يمكن أن نبرئ التحريض على المرأة والتحقير من شأنها من تزايد جرائم قتل فتيات وسيدات في الفترة الأخيرة؟

الدفاع عن القتلة.. الوجه الآخر للتحريض

يرتبط بذلك وجود مجموعات على السوشيال ميديا جاهزة دائمًا للدفاع عن القتلة، ومحاولة خلق تعاطف معهم والمطالبة بالبراءة لهم.

هل نذكر الرجل الذى قتل أطفاله صبيحة عيد الأضحى سنة 2019، وهب إعلام جماعة الإرهاب للادعاء ببراءته، وتبنوا حملة بهذا المعنى؟..هل نسينا الراحل محمد عادل، الذى ذبح زميلته نيرة أشرف ظهرًا أمام بوابة جامعة المنصورة، وهبَّت الجماعة للدفاع عنه، وجمعوا أكثر من 12 مليون جنيه وقتها للدفاع عنه؟

كان الهدف الوصول إلى أن القاتل، في وضح النهار، وقد أقر بارتكاب الجريمة، يمكن أن يحصل على براءة، وتصبح سابقة يطالبون بتطبيقها على كل إرهابي، وهكذا الحال بهم إلى يومنا هذا.

إذا كانت الجماعة قد قدمت مشروعية أيديولوجية للإرهاب والقتل والتدمير، فإنهم يسعون إلى تقديم مسوغ اجتماعي وقانوني، بما يسمح بتمرير جرائمهم.

حين يأكل الإرهاب نفسه

تكشف الجريمة أيضًا أن الإخواني، إذا حالت قوة الأمن والقانون بينه وبين ممارسة الإرهاب بحق أفراد المجتمع أو الاعتداء على منشأة عامة، فإنه يصبح كالنار التى تأكل نفسها، إذ يبدأ بالمحيطين به أو القريبين منه، سواء من داخل التنظيم أو خارجه، وهنا الوقائع كثيرة وعديدة.

كانت الجماعة، إذا غضبت لسبب ما من أحد كوادرها أو أرادت إزاحة أحد القيادات، يتم التخلص منه بالاغتيال أو تكليفه بمهمة ما، وفى لحظة معينة يقومون بتسريب معلومة إلى الأجهزة الأمنية لضبطه.

حين قام المرشد الثاني حسن الهضيبي بإزاحة عبد الرحمن السندى وتعيين يوسف طلعت مكانه، تم إرسال هدية إلى منزل يوسف، عبارة عن علبة حلويات، كانت مفخخة، وما إن فتحت حتى انفجرت وأحدثت أثرها.

أما مسألة الإبلاغ، فقد ذكر اللواء مجدي البسيوني، رحمه الله، فى لقاء تليفزيونى ببرنامج «صالة التحرير» سنة 2014، أن أكثر من 40 فى المائة من قيادات الجماعة المقبوض عليهم كان القبض عليهم بمعلومات من داخل الجماعة ذاتها.

وقد ألمح مسلسل «رأس الأفعى» إلى ذلك بوضوح فى أحد المشاهد التى قادت رجال الأمن الوطنى إلى محمود عزت حين هرب «هارون»، وكان أحد المسؤولين فى العمل الدرامى عن تهريب وتأمين رأس الأفعى، وكان يعرف أن رجال الأمن فى طريقهم إلى الشقة، أخذ كل شيء وترك فى مكان واضح الحقيبة التي تضم الأوراق التي تدفعهم نحو محمود عزت.

أخطر ما في الإرهاب.. الاستعداد للتضحية بالجميع

خطورة هذا النوع من الإرهابيين أنهم على استعداد للتضحية بكل شيء وبأي أحد، ففي بؤرة رابعة العدوية، رفض قادة الجماعة كل مبادرات الفض السلمى، رغم استجابة الدولة للوسطاء. وفي لحظة معينة هربوا جميعًا ورتبوا كل شيء يخصهم، بينما دفعوا الشباب إلى الاصطدام، وشحنوهم نفسيًا، وأمدوهم بالأسلحة، ودفعوهم نحو الاعتداء على رجال الأمن ومواجهتهم، في معركة معروفة نتائجها، وهي سقوط ضحايا، والهدف هو تكوين مظلومية يتاجرون ويتكسبون بها ماليًا وسياسيًا.

وعلى هذه القاعدة وجدنا، كذلك، مجرم 15 مايو يبدأ بابنته وابنه، وفى التحقيق أكد أنه كان مُصْرًا على قتلهما، وأمكن إنقاذ الابن؛ أى حتى الابن لا حُرمة له.. فما بالنا بالآخرين؟|، ولم يتمكن من إتمام خطته، فقد هربت طليقته وأمها، وتمكن الجيران من الإمساك به، ومن يسلك على هذا النحو مع ابنته وابنه، يسهل عليه قتل الآخرين والتضحية بالوطن كله والإنسانية إشباعًا لأفكاره ورغباته أو ضلالاته.

الإخوان جماعة شريرة منذ النشأة، ولنتذكر جيدًا أن الصحافة المصرية أطلقت على حسن البنا في الأربعينيات لقب “راسبوتين الشرق”، ولكن الجماعة، إلى جوار الشر، تتسم بالغباء، ولا يجب أن نستهين بالغباء والأغبياء، والذكي يكون شره محسوبًا، لكن شَرَّ الغبي يكون في كل الاتجاهات؛ الشر لذاته.

وهكذا كانت الجماعة دائمًا، والدليل أنهم يسلمون بعضهم بعضًا إلى جهات الأمن إذا احتدم الخلاف بينهم، على طريقة نشالي الأتوبيسات قديمًا.

حالة الهياج تعني أنهم يخططون لحالة عارمة من الفوضى يمكنهم التسلل من خلالها، كما فعلوا من قبل، وعادةً ما تتخلل موجات الفوضى عمليات إجرامية وإرهابية واسعة، تعمق من الفوضى وتقطع الطريق على أي استقرار أو هدوء.

عمليًا، لم تتوقف الجماعة عن محاولات القيام بأعمال إرهابية. في الصيف الماضي، تم اكتشاف خلية إرهابية في منطقة شارع فيصل بالجيزة، وكان أفرادها فى الخارج وتسللوا إلى الداخل بخططهم وأفكارهم. هم لم يتوقفوا ولن يتوقفوا؛ الإرهاب مكون رئيس لديهم.

جريمة 15 مايو تقول إننا قد نكون على أبواب موجة من الذئاب المنفردة ترتكب جرائم وتقوم بعمليات بشعة، حتى في المحيط الأسري، والنتيجة إشاعة الرعب وإثارة القلق والفوضى، والجديد في حالة الهياج الإخواني هذا الشهر أن بعض «المتأخونين» أطَلّوا برؤوسهم هذه المرة وأعلنوا عن أنفسهم بعد طول كمون.

طوال السنوات الأخيرة، كان فريق من المتأخونين يقفون فى منطقة الدعوة إلى المصالحة وعودة الجماعة مجددًا من البوابة الرسمية، لكنهم هذه المرة أخفوا حديث المصلحة الوطنية، وكشفوا النقاب عن انحيازهم المباشر لجماعة الإرهاب.

الإرهاب الإخواني يحاول أن يطل برأسه علينا مجددًا.

لا يعني هذا أن نُصَابُ بالهلع، بل أن ندرك حقيقة الخصم الذي نواجهه منذ قرابة القرن، وأن نقرأ تحركاته وأفكاره وسلوكه بوعي، وأن ندرك أن مواجهة الإرهاب لا تقتصر على ملاحقة من يحمل السلاح، وإنما تشمل أيضًا مواجهة الأفكار والخطابات التي تمهد للعنف وتبرره وتمنحه غطاءً اجتماعيًا أو أخلاقيًا.

مقالات ذات صلة