في إطار تعزيز حماية المرأة والحفاظ على صحتها، أعلنت النقابة العامة للأطباء الانتهاء من إعداد الميثاق الوطني لتعزيز الرعاية الآمنة والكريمة أثناء الحمل والولادة، تحت عنوان "قسم الطبيب وحق المرأة المصرية في ولادة آمنة وكريمة"، تمهيدًا لرفعه إلى الجهات المعنية والعمل على تعميمه داخل مختلف المنشآت الصحية، بهدف وضع إطار موحد يضمن حصول السيدات على رعاية صحية آمنة تحافظ على كرامتهن وحقوقهن خلال مراحل الحمل والولادة وما بعدها.
وجاء إعداد الميثاق بمشاركة عدد من المؤسسات الطبية والحقوقية، من بينها المجلس القومي للمرأة، والمجلس القومي للطفولة والأمومة، والمجلس القومي للسكان، والمجلس القومي لحقوق الإنسان، إلى جانب عدد من الجمعيات العلمية المتخصصة في أمراض النساء والتوليد والصحة العامة، واللجنة العليا للإرشادات الإكلينيكية للتوليد وأمراض النساء بالمجلس الصحي المصري.
ويؤسس الميثاق لمفهوم جديد للرعاية التوليدية يقوم على اعتبار الولادة الآمنة والكريمة حقًا أصيلًا لكل امرأة مصرية، والتزامًا مهنيًا وأخلاقيًا على مقدمي الخدمة الصحية، مع تحقيق التوازن بين حماية حقوق الأم والطفل، وتوفير بيئة عمل آمنة للأطباء والفرق الطبية.
ويرتكز الميثاق على مجموعة من المبادئ الأساسية، أبرزها احترام خصوصية المرأة وكرامتها أثناء تلقي الرعاية الصحية، والاعتماد على الممارسات الطبية المبنية على الأدلة العلمية، وتعزيز مشاركة السيدة في اتخاذ القرارات المتعلقة بحالتها الصحية، بما يضمن حصولها على المعلومات الكافية حول الإجراءات الطبية قبل اتخاذ أي قرار.
وتضمنت توصيات الميثاق التأكيد على توفير خدمات الرعاية التوليدية بمراحلها المختلفة قبل الولادة وأثناءها وبعدها مجانًا في المستشفيات الحكومية أسوة بالمستشفيات الجامعية، مع وضع معايير واضحة لتحسين تجربة الولادة داخل المنشآت الصحية، من خلال توفير الخصوصية داخل غرف الولادة، بحيث تتوافر فواصل وستائر بين أماكن الولادة، إلى جانب توفير وسائل تخفيف الألم المعتمدة والدعم النفسي، والسماح بوجود مرافق أو داعم للولادة وفق الضوابط المنظمة بكل منشأة.
كما شدد الميثاق على ضرورة تطبيق مفهوم الموافقة المستنيرة قبل إجراء أي تدخلات طبية غير طارئة، بحيث تحصل المرأة على شرح واضح ومبسط حول حالتها الصحية والخيارات العلاجية المتاحة، بما يعزز مشاركتها في اتخاذ القرار، ويضمن الالتزام بالإرشادات الإكلينيكية الوطنية والممارسات القائمة على الدليل العلمي.
ويولي الميثاق اهتمامًا خاصًا بملف الولادات القيصرية، حيث يدعو إلى الحد من التدخلات الطبية غير الضرورية وتشجيع الولادة الطبيعية عندما تكون آمنة طبيًا، مع مراجعة معدلات القيصرية داخل المستشفيات وفق المعايير العلمية، وتحديث بروتوكولات العمل بما يحقق سلامة الأم والطفل.
يتضمن الميثاق عشرة محاور رئيسية للتنفيذ، تبدأ بالتثقيف الصحي والتوعية من خلال إدراج جلسات توعوية موثقة ضمن متابعة الحمل، وتوحيد الرسائل الصحية الخاصة بالحمل والولادة، ونشر حقوق المرأة داخل المنشآت الصحية.
كما يشمل تحسين تجربة الولادة عبر تعزيز التواصل بين الفريق الطبي والسيدات، ورفع جودة الرعاية الإكلينيكية من خلال تحديث البروتوكولات الطبية، واستخدام أدوات متابعة الولادة، ومراجعة حالات المضاعفات ووفيات الأمهات وحديثي الولادة بهدف تحسين الأداء.
ويتضمن الميثاق كذلك إنشاء نظام موحد للشكاوى والمساءلة، من خلال توفير خط ساخن لاستقبال شكاوى السيدات داخل الجهات الصحية المختلفة، مع ضمان السرية وسرعة التحقيق، واستخدام نتائج هذه الشكاوى كأداة لتحسين جودة الخدمات وليس فقط للمحاسبة.
ويشدد على أهمية تدريب الأطباء وهيئات التمريض على أساليب الرعاية التوليدية الآمنة والتواصل الفعال مع المرضى، إلى جانب تحسين بيئة العمل داخل أقسام النساء والتوليد من خلال توفير القوى البشرية اللازمة وتنظيم ساعات العمل ودعم العاملين صحيًا ونفسيًا.
كما يخصص الميثاق اهتمامًا للفئات الأكثر عرضة للمخاطر، مثل القاصرات وذوات الإعاقة وضحايا العنف وسكان المناطق النائية، من خلال توفير مسارات رعاية مناسبة تضمن حصولهن على الخدمات الصحية اللازمة.
ويشمل الإطار الجديد مرحلة ما بعد الولادة، عبر متابعة صحة الأم خلال فترة النفاس، وتقديم الدعم النفسي، وتشجيع الرضاعة الطبيعية، ومتابعة صحة الطفل حديث الولادة، باعتبار أن الرعاية لا تنتهي بانتهاء عملية الولادة.
ويعتمد الميثاق على نظام للحوكمة وجمع البيانات، يتضمن إنشاء مؤشرات وطنية لقياس جودة الرعاية التوليدية، وإجراء تقييمات دورية، وإصدار تقارير تساعد على تطوير الخدمات الصحية وتحسين نتائج رعاية الأم والطفل.
واستند إعداد الميثاق إلى عدد من المرجعيات الدولية والمحلية، من بينها توصيات منظمة الصحة العالمية الخاصة بالرعاية القائمة على احترام المرأة وحديثي الولادة، وإرشادات الاتحاد الدولي لأمراض النساء والتوليد، إلى جانب الأدلة الإكلينيكية الصادرة عن المجلس الصحي المصري ووزارة الصحة والسكان.
ويأتي إطلاق هذا الميثاق في إطار جهود تطوير منظومة الرعاية الصحية في مصر، وتعزيز مفهوم الولادة الآمنة والكريمة، بما يضمن حماية حقوق المرأة المصرية ورفع جودة الخدمات المقدمة لها خلال واحدة من أهم مراحل حياتها.
أرقام خطيرة تؤكد الحاجة إلى الميثاق
جديرًا بالذكر أنه تأتي أهمية الميثاق الوطني للرعاية الآمنة أثناء الحمل والولادة في ظل تحديات مرتبطة بصحة الأم والطفل، أبرزها ارتفاع معدلات الولادات القيصرية والحاجة إلى تطوير خدمات المتابعة والرعاية الصحية خلال مراحل الحمل والولادة وما بعدها.
إذ تشير بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف" إلى أن نسبة الولادات القيصرية في مصر تبلغ نحو 72% من إجمالي الولادات، وهو ما يبرز أهمية تقليل التدخلات الطبية غير الضرورية وتعزيز الالتزام بالمعايير الطبية في اختيار أسلوب الولادة المناسب.
كما بلغ معدل وفيات الأمهات في مصر نحو 17 وفاة لكل 100 ألف مولود حي عام 2023، وفق بيانات منظمة الصحة العالمية، في مؤشر يعكس تحسن خدمات رعاية الأمومة، مع استمرار الحاجة إلى رفع جودة المتابعة الصحية للحوامل.
وعالميًا، تمثل وفيات الأمهات تحديًا صحيًا مستمرًا، إذ تسجل منظمة الصحة العالمية أكثر من 700 حالة وفاة يوميًا مرتبطة بمضاعفات الحمل والولادة، معظمها يمكن الوقاية منه عبر توفير رعاية صحية جيدة ومتكاملة.
وتؤكد هذه المؤشرات أهمية التركيز على مرحلة ما بعد الولادة، من خلال دعم الرضاعة الطبيعية، ومتابعة صحة الأم النفسية والجسدية، ورصد أي مضاعفات محتملة، وهو ما يستهدفه الميثاق عبر وضع إطار موحد للرعاية التوليدية وتحسين تجربة المرأة داخل المنشآت الصحية وتعزيز مفهوم الموافقة المستنيرة.




