عام جريدة الجمهورية

اذبح شيطانك أولًا

نذبح الأضحية تقربا إلى الله لنصيب سنة من سننه العظيمة ، التضحية والرحمة هى العناوين الكبرى التى نتناولها دائما، نلهث كذلك إلى الحج والعمرة طلبًا للمغفرة والرحمة والستر، ونتسابق إلى الصفوف الأولى فى المساجد، ونقيم موائد الرحمن، ونتصدق سرًّا وعلانية، ونرفع أكف الدعاء فى كل وقت، ونبدأ أيامنا بالأذكار و...

اذبح شيطانك أولًا
15 مشاهدة

اقرأ من المصدر

جريدة الجمهورية

زيارة المصدر

نذبح الأضحية تقربا إلى الله لنصيب سنة من سننه العظيمة ، التضحية والرحمة هى العناوين الكبرى التى نتناولها دائما، نلهث كذلك إلى الحج والعمرة طلبًا للمغفرة والرحمة والستر، ونتسابق إلى الصفوف الأولى فى المساجد، ونقيم موائد الرحمن، ونتصدق سرًّا وعلانية، ونرفع أكف الدعاء فى كل وقت، ونبدأ أيامنا بالأذكار ونختمها بها. لكن السؤال الذى يجب أن يواجه كلٌّ منا به نفسه: هل انعكست كل هذه العبادات على أخلاقنا وسلوكنا ومعاملاتنا؟ هل ذبحتا  شيطاننا قبل أن نذبح أضحياتنا؟ 

>>>

فى لحظة صدق بعيدًا عن جلد الذات، يبدو أحيانًا أن هناك انفصالاً بين ما نؤديه من شعائر، وما نمارسه فى واقع الحياة. فكم من إنسان يعلّق آيات القرآن على جدران مكتبه، بينما يظلم الناس أو يعتدى على حقوقهم؟ وكم من شخص يهرول إلى الحج والعمرة، ثم يهرول بالسرعة نفسها نحو الحرام، رشوةً أو كذبًا أو غشًا أو أكلًا لحقوق العباد؟

الدين فى جوهره ليس مظهرًا ولا لافتة، وليس كلمات تُقال بالألسنة بينما القلوب غارقة فى القسوة والأنانية. الدين الحق هو الصدق، والأمانة، والرحمة، والعدل، واحترام الإنسان، والخوف من أذية الناس قبل الخوف من كلامهم. العبادة الحقيقية ليست فى كثرة الشعائر وحدها، بل فى أثرها على النفس والسلوك والمعاملة.

>>>

لقد أراد الله سبحانه للعبادات أن تُهذّب الإنسان، لا أن تمنحه شعورًا زائفًا بالتفوق أو الطمأنينة الشكلية. فالصلاة التى لا تنهى عن الظلم، والصيام الذى لا يمنع الأذى، والحج الذى لا يردع صاحبه عن الحرام، تتحول كلها إلى طقوس فاقدة لروحها ومقاصدها.

وحين ننظر إلى واقع عالمنا الإسلامى، نجد المساجد عامرة، والدعوات لا تنقطع، لكننا فى الوقت نفسه نعانى التخلف والانقسام والضعف. وهنا يجب أن نمتلك شجاعة المراجعة لا شجاعة الإنكار. فالله لا يغيّر واقع أمة ترفع الشعارات بينما تهمل قيم العمل والعلم والعدل والإتقان واحترام الإنسان.

لقد اختزل كثيرون عيد الأضحى فى خروف العيد وطقوس الذبح والفتة، بينما المعنى الحقيقى للعيد أعمق بكثير، إنه عيد التسليم لله، والتضحية، والفداء، والانتصار على شهوات النفس وأنانيتها. أراد الله أن يعلمنا أن الإيمان موقف وسلوك قبل أن يكون مظهرًا أو شعارًا.

>>>

لا أريد أن أفسد فرحة العيد، لكن ربما تكون وقفة عرفات فرصة حقيقية لمراجعة النفس، ومحاسبة القلب، وإعادة اكتشاف جوهر الدين بعيدًا عن الضجيج والمظاهر. فبيت القصيد ليس كم مرة رفعنا أيدينا بالدعاء، بل: كم مرة منعنا إيماننا من ظلم إنسان أو كسر قلب أو أكل حق الآخرين.

مقالات ذات صلة