انتهت احتفالاتنا بمنتخبنا الوطنى لكرة القدم بعد مشاركته المتميزة فى مونديال 2026، انفضت الاحتفالات، وعاد اللاعبون والجهازان الفنى والإدارى إلى أنديتهم بعد أن حصدوا ما يستحقونه من تكريمات ومكافآت وجوائز.
لكن ما ينبغى ألا ينتهى بانتهاء الاحتفال هو عملية التقييم الهادئة، لأن قيمة أى إنجاز لا تقاس فقط بما تحقق فى الملعب، وإنما بما نستخلصه منه من دروس يمكن البناء عليها للمستقبل.
أول هذه الدروس أن ما حققه المنتخب المصرى يعد إنجازًا تاريخيًا بكل المقاييس، لكنه ليس إنجازًا مطلقًا إذا ما قورن بانجازات الفرق الاخرى خلال مشاركتها فى كأس العالم بأكمله، وإنما هو إنجاز استثنائى فى سياق تاريخ مشاركات المنتخب المصرى فقط فى المونديال، وهو ما يمنحه قيمته الحقيقية ويؤسس لمرحلة جديدة ينبغى الحفاظ عليها والبناء فوقها.
أما الدرس الثانى فيتعلق بما قاله المدير الفنى الكابتن حسام حسن حين قال «أنا اتقيت ربنا وأنا باختار لاعبى المنتخب، وراعيت 120 مليون مصرى» وهى عبارة تستحق التوقف أمامها طويلًا، لأنها تعنى ببساطة أن معيار اختياراته كان الكفاءة والجاهزية فقط، بعيدًا عن الأهواء الشخصية أو المجاملات أو الضغوط.
كما أنها تعيد إلى الأذهان ما كان يتردد على مدار سنوات طويلة عن تأثير مجاملات الأندية الكبرى أو وكلاء اللاعبين، وربما تدخلات أخرى، فى اختيارات بعض المنتخبات السابقة، فإذا كان النجاح قد تحقق بهذه الطريقة، فإن الرسالة تبدو واضحة: العدالة فى الاختيار هى أول طريق النجاح.
الدرس الثالث أن تجربة حسام حسن أكدت أن مصر لا تعانى نقصًا فى المواهب، وإنما تحتاج فقط إلى عين فنية تبحث بضمير وتجرد عن الأفضل، فعندما يكون المعيار هو الأداء وليس الاسم، تظهر مواهب قادرة على صناعة الفارق وتحقيق الإنجازات، سواء للمنتخب الوطنى أو للأندية المصرية، وبالقطع فى كل المجالات.
أما الدرس الرابع فهو أن الدعم الذى تقدمه الدولة للرياضة يؤتى ثماره عندما يقترن بالتخطيط والإدارة الجيدة، ومساندة القيادة السياسية للمنتخبات الوطنية تمثل عنصرًا مهمًا فى توفير الإمكانات اللازمة، لكن هذه الرعاية ينبغى ألا تقتصر على كرة القدم وحدها، بل تمتد إلى جميع الألعاب التى تمثل مصر فى المحافل الدولية، لأن الأبطال موجودون فى مختلف الرياضات ويستحقون الفرصة نفسها.
ومن أهم ما كشفته البطولة أيضًا حجم المكانة التى تحتلها مصر فى وجدان الشعوب العربية، فرغم مشاركة ثمانية منتخبات عربية فى المونديال، وما حظيت به جميعها من دعم جماهيرى على المستوى العربى، فإن المنتخب المصرى كان صاحب النصيب الأكبر من المساندة فى كثير من الدول العربية، وهذه المحبة لم تولد من فراغ، بل هى حصيلة عقود طويلة من الحضور المصرى فى محيطه العربى، سياسيًا وثقافيًا وفنيًا وعلميًا، بل وعسكريًا فى محطات تاريخية عديدة.
إنها ثمرة لقوة مصر الناعمة وصلابة مواقفها عبر التاريخ، وهو ما يفرض علينا أن نحافظ على هذا الرصيد، وأن يكون حاضرًا فى خطابنا وردود أفعالنا وتعاملنا مع القضايا العربية المشتركة.
وفى المقابل، أثبتت البطولة أن السياسة لم تكن بعيدة تمامًا عن المستطيل الأخضر، فقد حملت بعض المشاهد رسائل سياسية واضحة، سواء فى مواقف بعض الجماهير أو فى مواقف بعض الشخصيات الرياضية. ومن هذا المنطلق، جاء رفع الكابتن حسام حسن لعلم فلسطين تعبيرًا عن موقف ينسجم مع وجدان قطاعات واسعة من الشعوب العربية تجاه القضية الفلسطينية وبالطبع عبر تعبيرًا صادقًا عن موقف الشعب المصرى الداعم للقضية وللحق الفلسطينيين.
كما أن البطولة شهدت مواقف وتحركات شعر الكثيرون بأنها أثرت فى الأجواء المحيطة بالمباريات، وأثارت نقاشًا واسعًا حول أداء التحكيم فى بعض المواجهات.
وأخيرًا، كشفت البطولة عن فشل كل محاولات بث الفتنة بين الشعوب العربية، فقد حاولت بعض المنصات استغلال نتائج المباريات لإشعال الخلافات بين المصريين والسودانيين، أو بين المغاربة والجزائريين، أو بين العراقيين والسوريين والأردنيين، لكن هذه المحاولات لم تحقق أهدافها، وعلى العكس، أثبتت الجماهير العربية أن روابط الأخوة والتاريخ والمصير المشترك أقوى من حملات الاستقطاب والتحريض، وأن الرياضة يمكن أن تكون مساحة للتنافس الشريف دون أن تتحول إلى ساحة للكراهية.
لقد منحنا مونديال 2026 لحظات من الفخر والسعادة، لكنه منحنا أيضًا دروسًا أكثر أهمية من النتائج نفسها، فإذا أحسنا قراءة هذه الدروس، فإن الإنجاز الحقيقى لن يكون فيما تحقق فى بطولة انتهت، وإنما فيما يمكن أن نصنعه انطلاقًا منها فى السنوات المقبلة.



